الصحــافة الســورية من الصمت إلى حق القول

 كـيـف نسـتـعـيـد قـارئـا فقـدنـاه وإلى متى يبقى القراء هم ركاب العربات الأخيرة (1)

حكم البابا

 

 

        أفزعني بقدر ما أفرحني هذا الإقبال الكبير الذي لقيه العدد الأول من جريدة علــي فـرزات " الدومري " في اليوم الأول لنزولها إلى السوق السورية ، أما لماذا أفرحني نفاد العشرين ألف نسخة من الجريدة خلال ساعات ، ومن ثم نفاد الطبعة الثانية من  العدد نفسه  بهذه السرعة وبهذا الشغف في التلقي ، فلأن في ذلك تأكيدُ على عطش حقيقي في الشارع السوري لصحافة  يفترض  القـــارئ ( وهي تعلن عن نفسها كجريدة ناقدة ساخرة ) أنها ستكون لسانه وصوته ومرآته ، ولأن في ذلك ايضاً دحضا للمقولات التي دأب المسؤولون في الصحف السورية على تردادها لتبرير تقصيرهم ، وفحواها أن القارئ لم يعد موجوداً ، وأن هموم المواطن وكثرة المحطات التلفزيونية الفضائية وتنوع مصادر الأخبار جعلته - القارئ - يدير ظهره للصحافة المكتوبة ، ولأن في ذلك – -مرة ثالثة – تكذيبا للتقصير الذي يوجهه البعض لمؤسسة المطبوعات السورية حول مسئوليتها عن أكداس المرتجعات من الصحف اليومية السورية ، فسوء التوزيع مهما كان أثره لن يتعدى العشرة بالمائة في توزيع وبيع أية مطبوعة ناجحة .

 

     أما ما أثار خوفي وذعري وأنا أتابع كيف تنفد كميات " الدومري " من أكشاك الصحف حال وصولها فهو واقع الصحافة السورية  ، وهي تقف على المحك للمرة الأولى  في تاريخها ، وتدخل المنافسة مع صحافة أخرى بدأت بـ"الدومري" ولن تنتهي بها ، بعدما كانت لا تنافس إلا نفسها ، " تشـرين " تنافس " البـعث " ، و " البعث " تنافس " الثورة " وهكذا .. وهي معرضة اليوم في حال ركونها إلى حالتها الراهنة ، واطمئنانها إلى أدائها الحالي ، وغياب حضورها الفاعل في حياة المواطن السوري ، إلى التحول إلى واقع اكثر هامشية مما هي عليه اليوم ، خصوصا وأن الحدث السياسي والثقافي والاقتصادي و الاجتماعي في سورية يتجاوز بسرعة مشيتها السلحفاتية المطمئنة إلى نوم الأرنب كما في القصة الشعبية الشهيرة ، ويخلفها وراءه ، بدلاً من أن تكون إن لم نقل في مقدمته تساعده وتفتح أمامه الطرق ( وهو دور أساسي للصحافة ) فعلى الأقل في موازاته تكشف له مواطن الخلل وتقدم الاقتراحات ، وتساهم بالنقاشات المنتوعة في إضاءة كل القضايا ومن مختلف الجوانب ، وتساعد في  الإصلاح والتحديث والتطوير الذي لا تكف الصحف السورية عن ترديد شعاراته دون أن تحاول المساهمة بها .

 

الاعتراف بداية التطوير

 

    مهما حاولت وبذلت من جهد في البحث عن تعابير لطيفة تصف واقع الصحافة السورية ، فلن أعثر على مفردات توصّف الحالة بصدق وشفافية دون أن تستفز احداً ، سيقوم بدوره في البحث عن توصيفات يقولبني داخلها، وعن اتهامات يوجهها إلي ، في محاولة منه للدفاع عن مواقعه ، وهو أسلوب معروف عُمل به سنوات وسنوات  ، تعودته  دون أن اقبل به أو أرضخ له خلال سنوات عملي في الصحافة السورية التي قاربت العشرين ، لكن وقبل الحديث عن أي آفاق مقترحة للتطوير هناك واقع لابد من الاعتراف به ، وهناك أرقام تشير بدقة إلى سوء هذا الواقع ، وهناك إجماع على هذا الواقع المرير يفوق الإجماع على أن السماء زرقاء ، مستثنين رأي مكفوفي البصر بالألوان .

    في حديثه لجريدة " الشرق الأوسط " 28/2/2001 تحدث رئيس الجمهورية عن الإعلام السوري وتقصيره في دعم عملية التطوير والتحديث في سورية فقال ما أنقل نصه حرفياً ( الإعلام هو جانب من جوانب دعم وشرح عملية التطوير ، قد يكون هذا الدعم أضعف وهذا يؤثر ولكنه لا يمنع ) ، وكلام رئيس الجمهورية تؤكده أرقام توزيع الصحف والمجلات السـوريـة _ التي هي المقياس الحقيقي والوحيد لدى كل صحف العالم في تحديد نجاح أو فشل الصحيفة _ وهذه الأرقام تؤكد بما لا يدع حجة لمدافع مرارة حال الصحافة السورية ، فصحف ( تشرين – الثورة – البعث ) تبيع جميعاً اقل من خمسين ألف نسخة يومياً ، ومجلة ( تشرين الأسبوعي ) لم يتعد رقم مبيعها الستمائة نسخة ، ومجلة ( فنون ) تصل في أفضل أحوالها إلى رقم الخمسمائة نسخة ، وهي أرقام مخيفة بأي مقياس قسناها في بلد يصل تعداد سكانه إلى الثمانية عشر مليون ، ويصل عدد قرائه إلى عشرة ملايين حسب إحصاء رسمي لمؤسسة توزيع المطبوعات السورية ، وهنا لابد لي من التنويه بأن الصحف والمجلات السورية تصدر باللغة العربية التي هي اللغة الأصلية للسكان ، حتى لا يخطر على بال أحد أنها تصدر بلغات أخرى لا يتقنها سكان البلد فيبرر للصحافة السورية تدني أرقام توزيعها (!!).

    وفي حال مقارنة أرقام بيع الصحف السورية بأخرى عربية وعالمية ، لن أستطيع وأقولها معتذراً أن أجد تعبيراً _ مهما حاولت وجاملت _ يوصّف وضع الصحافة السورية ألطف من كلمة ( الكارثة) ، فجريدة " الأهرام " المصرية ( وقد اخترتها كونها صحيفة حكومية وليست خاصة ) توزع ما يقارب المليون ونصف المليون نسخة في بلد يصل تعداد سكانه إلى سبعة وستين مليون نسمة، وبحسابات النسبة والتناسب يفترض أن توزع " تشرين " السورية ما يفوق الأربعمائة ألف نسخة يومياً، لكنها لا توزع اكثر من ( 21030) نسخة في اليوم حسب الإحصائيات الرسمية لعام 2000 ، ولو تعديت الحدود العربية إلى جريدة أمريكية صغيرة تصدر وتوزع في مدينة دترويت فقط هي جريدة " ذي ديترويت فري برس " سأجد أن هذه الجريدة المحدودة توزع أربعمائة وخمسين ألف نسخة في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة ، ولن ألجأ هنا إلى حسابات النسبة والتناسب ، لأنني لن اعثر في القاموس على الكلمة المناسبة لتوصيف الحالة .

   هذه أرقام والرقم لا يكذب كما قال رئيس الجمهورية  (وأفضل أن لا يفكر أحد بالتشكيك في صحة أرقامي التي أوردها فلدي كل الوثائق التي تثبت صحتها وأعرض بدلا من ذلك ، لمن يبحثون عن تبرير أن ينقصوا عدد سكان سورية أو يزيدوا في رقم نسبة الأمية فيها لتصل إلى تسعين بالمائة مما سيجعل أرقام توزيع الصحف السورية مقنعة إلى حد ما !!) وهذه الأرقام تؤكد الواقع الذي نتحدث عنه ، وهي أبسط رد من القارئ على صحافة تتجاهله ، ولكنها في  الوقت نفسه أقسى رد ،  ولكن قد يحاول البعض التماس أسباب مختلفة لتراجع توزيع الصحف الســــورية ( بالمناسبة " تشرين " كانت توزع عام 1990 ستين ألف نسخة فلماذا تراجعت ؟)،  و قد حدث فعلاً نقاش بيني وبين الأستاذ محمود سلامة مدير عام جريـدة " الثورة " في ندوة أقامها اتحاد الصحفيين السوريين حول الصحافة السورية قبل أسابيع ، واعتبر الأستاذ سلامة أن المسألة تعود إلى سوء توزيع الصحف من قبل مؤسسة التوزيع السورية ، وان برنامج التوزيع الإلكتروني لديها معطل ، وأن باستطاعته بيع خمسين ألف نسخة من جريدة " الثورة " في دمشق وحدها ، فيما لو رفعت المؤسسة يدها عن التوزيع ، وأجبته يومها بأن أية مؤسسة توزيع في العالم لا تستطيع أن تؤثر في بيع ورواج أية مطبوعة بأكثر من عشرة بالمائة، وهناك خمسة بالمائة هي النسخ التالفة نتيجة الربط والحمل والنقل ، ودللت على كلامي بمثال من الواقع ويخص جريدة الثورة تحديداً ، فحين نشرت الجريدة قانون الإيجار الجديد في عددها الصادر يوم الجمعة 16/2/2001نفدت كل نسخ" الثورة " من الأسواق في العاشرة من صباح ذلك اليوم ، على الرغم من أن بيع الصحف يوم الجمعة _ باعتباره يوم العطلة الرسمية في سورية- يعتبر أقل من أي يوم آخر حسب إحصائيات مؤسسة توزيع المطبوعات السورية دائماً ( وهي مسألة غريبة حقا في سورية فالصحف عادة في كل دول العالم توزع أعلى أرقامها في يوم العطلة) !!. في حين اعتبر الدكتور خلف الجراد مدير عام جريدة " تشرين " السورية في حديثه معي أن ارتفاع عدد النسخ المباعة من الجريدة عام 2000 بنسبة 24 بالمائة عن عام 1999 إنجـازا ( كانت " تشرين" تبيع عام 1999 ( 14770) نسخة يومياً وأصبحت تبيع في عام 2000 ( 21030) نسخة ) وهنا تذكرت قصة طريفة رويت لي منذ زمن بعيد ، فقد سافر أحد الشيوخ إلى الاتحاد السوفيتي – أيام كان قائماً- للعلاج ، وعاد ليقول لجلسائه كيف تتحدثون عن الكفر في الاتحاد السوفيتي ، فخلال زيارتي كلها لم أجد امرأة سافرة ، وهنا سأله بعض الخبثاء متى سافرت يا شيخنا ؟ فأجاب في كانون الثاني، فردوا عليه وكيف يعقل يا شيخنا أن تشاهد امرأة سافرة في برد موسكو القارص ؟ تذكرت هذه القصة وأنا انظر إلى العام الذي تحسن فيه رقم توزيع " تشرين " وهو عام 2000 فهذا التطور الطفيف لا يعود إلى تحسن الأداء المهني ، بل يعود الفضل فيه إلى رئيس الجمهورية حصراً ، فالإقبال على الصحف السورية عموماً خلال السنة الماضية كان نتيجة طبيعية لنشر مواضيع تتعلق بالفساد ، وهي الحملة التي قادها الدكتور بشار الأسد قبل تسلمه منصب الرئاسة ، وأيضاً نتيجة للقوانين والمراسيم التي أصدرها الدكتور بشار الأسد بعد تسلمه الرئاسة ، وهي قوانين تهم الناس وتمس حياتهم .

 

البحث عن قارئ

 

    إذا القارئ هو الطرف الأول الذي تحاول كل صحف الدنيا استمالته واسترضاءه وتلبية مطالبه ، وبدونه لا تصبح أية مطبوعة ذات قيمة ، ومقياس أهمية أية مطبوعة يقاس بعدد قرائها ، وحتى المهرجانات والمؤتمرات الدولية لا تعترف بأية مطبوعة ما لم يكن رقم توزيعها عالياً، وترفض استقبال أي صحفي من مطبوعة محدودة الانتشار ، واجد انه من المفيد أن اذكر هنا أن مهرجان "كان" السينمائي الدولي طلب من صحفية في جريدة "تشرين "السورية رغبت في حضور المهرجان كتاباً من رئيس تحرير الجريدة برقم توزيعها ، وتم إرسال مثل هذا الكتاب إلى المهرجان بعد أن ضرب رقم التوزيع الحقيقي بعدة أضعاف كي يقبل المهرجان استضافة الصحفية .

    والقارئ يعني شيئاً آخر غير رقم البيع ، فهو يعني الإعلان ، فأي معلن لن يجازف بنشر إعلانه في صحيفة لا تملك عدداً كافياً من القراء ، ويفضل الصحيفة الواسعة الانتشار ، وهذا الأمر ليس محصوراً بالصحف الخاصة وحدها والتي تعتمد في تمويلها على البيع والإعلان ، بل يتعداه إلى الصحف الحكومية ايضًا ، ومن خلال متابعة شخصية لما ينشر من إعلانات في الصحف المصرية الحكومية الثلاث ، وجدت أن ما ينشر من إعلانات في جريدة " الأهرام " اكثر بما لا يقاس مما ينشر في جريدتي " الأخبار " و" الجمهورية " وهي مسألة لها أهميتها الكبيرة حتى لدى هذه المؤسسات التي تملكها الدولة المصرية ، ولذلك يفضل الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة " الأهرام " في تعيينه لمراسلي الأهرام خارج مصر المراسل الذي يستطيع الحصول على إعلانات تمكنه من تمويل مصاريف مكتبه .

    وتتطرف بعض الصحف في تلبية القارئ إلى حد أن جريدة مثل " ذي دترويت فري برس " الأمريكية تعتبر القارئ هو الذي يرسم سياستها ، ويعتبر القائمون عليها والعاملون فيها أن همهم الوحيد إرضاء القارئ وإسعاده بالمعلومات ، الأمر الذي اضطر ناشرها إلى الاهتمام بالجالية اللبنانية ( التي يبلغ عددها في دترويت 350 ألف نسمة ) والأخذ بملاحظاتها بعدما تمنع أصحاب محطات الوقود -ومعظمهم من اللبنانيين- عن بيع الجريدة حين وجدوا فيها انحيازاً في تغطية العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 1996 وهذا الموقف أثّر في الجريدة ، وجعل ناشرها يستضيف عدداً من أبناء الجالية اللبنانية في مكتبه معتذراً وواعداً بعدم تكرار ما حصل . وفي حديث أجريته مع الصحفي المصري عادل حمودة أجاب عن سؤال وجهته له عن مفاتيح نجاح المطبوعة بتأكيده  أن المفتاح الأهم هو الانحياز لقارئ ، وانه يعتبر نفسه موظفاً لـدى القارئ ، وقد حاول امتحان علاقة مجلة " روز اليوسف " التي كان يديرها بقرائها حيث قام برفع سعر المجلة ، وحصل على ما يريده حين وجد أن رقم التوزيع بقي كما هو ( في حين أن أرقام توزيع الصحف السورية الثلاث تدنت بعد أن ارتفع سعرها إلى خمس ليرات سـورية في عام 1992 وزادت نسبة مرتجعاتها بحيث اصبح مرتجع جريدة " تشـــرين"  ( 5300) نسخة من اصل (18000) نسخة ، بينما كانت توزع قبل رفع السعر ( 33500) نسخة ، واصبح مرتجع جريدة "الثورة" ( 6400) نسخة من اصل (12300) نسـخة ، بينما كانت توزع قبل رفع السعر (21900) نســخة ، واصبح مرتجع " البعث " (5000) نسخة من اصل (9300) نسخة ، بينما كانت توزع قبل رفع السعر (17800) نسخة ).

     أمام تجارب النموذجين العربي من خلال " الأهرام " والغربي من خلال "ذي دترويت فري برس" لا بد أن نتساءل عن الطريقة التي تفكر فيها الصحافة السورية بقارئها ؟ وهل تعرف هذا القارئ فعلاً كي تلبي اهتماماته في الصحيفة ؟ ولنسأل أنفسنا ما الذي يجده العامل في أية صحيفة سورية مهماً بالنسبة له ؟ وما الذي تجده ربة المنزل يستحق أن تقضي وقتاً في قراءته ؟ وهل يجد الشباب ما يثير اهتمامهم في الصحف السورية ؟ والفلاح ، والطالب ، وكل شرائح المجتمع الأخرى ، وحتى المسؤول في الدولة ما الذي يقرؤه في أي من الصحف السورية الثلاث ؟ (حتى أنا كصحفي اعمل في جريـــدة " تشرين " قلما اعثر على موضوع يثير اهتمامي ، واكتفي عادة بتصفح لجرائد الثلاث في مدة لا تتجاوز  الدقائق العشر، أستطيع بعدها أن أعيد على من يشاء ملخصاً عما هو موجود في هذه الصحف ،لان التكرار والجمود هما الميزة الأساسية لهذه الصحافة) . ولابد هنا أن أشير إلى ظاهرة تلفت النظر في العلاقة مع الصحف السورية ، حيث غالباً ما تقوم أكشاك بيع الصحف بتصوير مقال عن جريمة منشورة في إحدى الصحف السورية ، وبيع هذه الصور التي يفضلها المواطن على قراءة وشراء الصحيفة نفسـها التي نشرت المقال وبسـعر الجريدة نفسه، مما يعني أن المواطن - القارئ  يشتري ما يحتاج إليه ويهمه فعلاً .

     إذا ما الذي تفعله الصحافة السـورية إذا كانت لا تهتم بقارئ ، ولا تثير احداً ، ولماذا تنفق الأمـوال الطائلة عليها ( لا اعرف الرقم بالضبط الذي يهدر على هذه الصحف ) ما دامت لا ترضي القارئ دافع الضرائب الذي يمولها ، ولا تخدم في الحقيقة والواقع النظام السياسي الذي أنشأها .

      إن الأمر الوحيد الذي يشغل بال القائمين على الصحف السورية هو عدم إغضاب المسؤولين عن الإعلام ، وهم يظنون بذلك أنهم يخدمون النظام السياسي ، لكنهم في واقع الأمر يساهمون في قطع كل قنوات الحوار والتواصل والتفاعل بين الدولة والمجتمع ، و في استشراء الفساد ،بدلاً من أن يأخذوا دورهم المفترض بفضح بؤره ليتسنى لمسؤولي الدولة معالجته ، ولا ينقلون هموم الناس لأجهزة الدولة إلا في الحدود الدنيا ( شكوى معلمة وكيلة لم تتقاضى راتبها ، قطع كهرباء عن حي ، حفرة في طريق ) مما يعني تغييب هموم الناس عمن بيدهم القدرة على حلها.

     وحتى أكون منصفاً يجب أن أقول إن الصحف السورية ومسؤوليها قد لا يتحملون كل هذه الأخطاء وحدهم ، فثمة تجارب سابقة مرت بها الصحافة السورية جعلتها تفضل لعب هذا الدور السلبي خوفاً من وجع الرأس ، وأرغمتها على أن تحني رأسها للعاصفة حتى تمر ، وحتى اعتادت أن تحني رأسها دائماً لكل عاصفة أو في توقع عاصفة إلى أن وصل بها الخوف للانصياع لهبة نفس بشري لا لعاصفة  ، وقد يكون غضب مسؤول في فترة ما ساهم في تراجعها ، وإفقادها نزعة المبادرة ، وقد يكون حادث استبدال مدير بآخر جعل الجديد يستفيد من تجربة من سبقه فيحاول تجنب ليس ما يعتبره من مواضيع خطراً مائة بالمائة ، بل وصل الأمر إلى ما يشتّم منه رائحة واحد بالمائة من الخطورة ، وأدى غياب المعايير الواضحة للمسموح والممنوع في مجال النشر ، إلى اعتبار الكل ممنوعاً وكفى الله المؤمنين شر القتال .

 

كيف نستعيد قارئاً فقدناه ؟؟

 

    لابد لمسيرة التطوير والتحديث التي تعيشها سورية من إعلام حقيقي يواكبها ويدعم خطاها ، ويكون رديفاً قوياً لها في إصلاح الخلل ، ومناقشة كل شؤون الحياة السورية ، وأول المهمات التي يجب أن تتوقف عندها الصحافة السورية وهي تريد اخذ دورها الفاعل في حركة النهوض اليوم هي إعادة الثقة المفقودة بينها وبين القارئ الذي يشكك فيما تنشره ، فلم يعد يثق بها أو يصدقها ، وصار حاله كسكان القرية في الحكاية الشعبية المعروفة  باسم "الراعي الكذاب " ، وسأذكر هنا حادثة شخصية كنت أنا أحد أطرافها ، فعقب انتهاء عرض المسلسل الذي قمت بتأليف نصه ( عائلتي وأنا ) قرر التلفزيون السوري عقد ندوة حول المسلسل في عيد الفطر الماضي ، واتصلت بي معدة الندوة لتدعوني ، فقلت لها إن لدي ملاحظات كثيرة على مسلسلي وسأقولها على الهواء ، فاستمهلتني بعض الوقت ، وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الدكتور فؤاد شربجي مدير البرنامج العام في التلفزيون السوري ليخبرني انهم يقيمون ندوة احتفاء بالمسلسل ، والأفضل أن لا ابدي أية ملاحظات سلبية عليه ، وقلت إنني مؤلف المسلسل ولدي ملاحظات فهل من المعقول أن تكونوا حريصين على مسلسلي اكثر مني ، ثم كيف سأظهر على شاشة التلفزيون لأتحدث عن نجاح مسلسل لم يلق الإقبال الجماهيري ، وأشارك في الكذب على المشاهدين ، ثم إنكم تقولون الإعلام تغير ، فرد علي الدكتور شـربجبي هذا في هولندا وليس عندنا . وانتهى الحديث ولم اظهر على الشاشة ، لكني تابعت الندوة التي كان يتحدث كل من شارك فيها عن النجاح المنقطع النظير للمسلسل. فإذا كان هذا ما حدث بالنسبة لمسلسل تلفزيوني فكيف تكون معالجة القضايا الأخرى (؟!).ومع كل هذا لا يزال التلفزيون السوري يقوم باستطلاعات يومية مع الناس ليسألهم عن آرائهم في تطوير الشاشة الوطنية وما الذي يريدون مشاهدته في شاشاتهم (!!).

    إن إعادة الاعتبار للقارئ كشريك أساسي في العملية الإعلامية هي المطلب الملح في حال الرغبة بتطوير الصحافة ، وذلك بالمحافظة أولاً على من تبقى من القراء ،وممن نحن معرضين لخسارتهم في حال الركون إلى واقع الصحافة الحالي ، ومن ثم الانتقال فيما بعد لكسب قارئ جديد ، وهي مسألة تحتاج إلى جهد مضن ، لكنه ليس سحرياً على أية حال لإعادة أواصر الثقة بين القارئ السوري وصحافته ، وذلك يمكن الوصول إليه عبر عدة محاور سأفصلها فيما يلي :

المحور الأول : ربما يكون البند الثالث من غايات الصحافة السامية التي حددتها لجنة حرية الصحافة في أمريكا في أربعينيات القرن الماضي ، والذي ينص على أن (الصحافة يجب أن تكون صـورة تمثيلية للجماعات التي يتكون منها المجتمع ) مدخلاً لإعادة صياغة علاقة الصحافة السورية بالقارئ ، بحيث تتخلى عن أحادية الرأي والرؤيا ، ولغة الريبة والاتهام والشك وتنفتح على كل الآراء ، وتصبح مكاناً للإرسال والاستقبال ، ويغدو الجميع مشاركين لا مجرد مستقبلين وفي أحيان عديدة متهمين ، فهل يعقل مثلاً أن يقوم الدكتور خلف الجراد مدير عام جريدة "تشرين" السورية بكتابة ثلاثة افتتاحيات في مجلة " تشرين الأسبوعي "(الأعداد 145-146-147) يهاجم فيها المثقفين دون أن يتاح لهم حق الحوار ، ويجتزئ مما قالته د.فهمية شرف الدين في توصيف حياة المثقفين المصريين كلاماً عن كــون ( غالبية المثقفين يعيشون في منطقة سكنية واحدة ، وأولادهم يذهبون إلى المدارس نفسها ، وهم على الأرجح أعضاء الأندية نفسها ، وهو ما يعني أن المثقفين ينقسمون إلى تيارات أيديولوجية في التعبيرات الثقافية ،في الكلام فقط، لكنهم موحدون في أنماط المعيشة )، يجتزئ هذا الكلام ليوظفه في سياق الاتهامات التي كالها ، وكأن على المثقفين أن يصادقوا منظفي البلاليع – مع الاحترام الشديد لكل مهنة – ليصبحوا أسوياء في نظره !!

المحور الثاني :إن ما يساهم في إعادة القارئ إلى الصحافة السورية هو إثارة الموضوعات التي تهم حياته ، وتنقل همومه، وتتحدث عن مشكلاته ، وتلبي رغباته في مختلف المجالات وشتى القطاعات ، بحيث يجد المثقف والعامل والفلاح والطالب والشاب وربة المنزل ما يريد أن يقرأه في الصحف وتصبح الجريدة اليومية تستهدف كل رجل وامرأة بما يرضي اهتماماتهم  وبالطريقة نفسها التي تكون فيها الجوارب المطاطية ( مقاساً واحداً يصلح للجميع ) على حد تعبير اثنين من كبار الصحفيين الأمريكيين هما جورج هاملتون وجورج كريمسكي .

المحور الثالث : والذي يعتبر عاملاً جوهريا في إعادة الثقة بين القارئ والصحافة السورية هو تغيير النظرة إلى هذا القارئ باعتباره قاصراً يتم إخفاء الأخبار عنه أو تأجيل نشرها لمدد طويلة ، بحيث صار القارئ السوري يعرف ما يجري داخل بلده من الصحف والمحطات التلفزيونية العربية ، بدلاً من أن يعرفها من وسائل إعلامه التي يمولها كدافع ضرائب ،فهل يعقل مثلاً أن تكتفي جريدتا " تشرين" و " الثورة" السوريتين بنشر خبريين مقتضبين لا يصل عدد كلمات أي منهما إلى ستين كلمة بتاريخ 30/1/2001 عن اجتماع وزير الإعلام السوري الأستاذ عدنان عمران بمراسلي الصحف السوريين في اليوم السابق للنشر ، في حين تفرد صحف " الحياة " و " السفير " و " الزمان " و"النهار"وغيرها في أعدادها الصادرة يوم 30/1/2001 مساحات كبيرة لتقارير إخبارية لا يقل كل منها عن خمسمائة كلمة لما جرى في الاجتماع ، وهل يعقل أن تقوم جريدة كـ" المحرر النيوز "بتاريخ 10/2/2001 بالرد على منتقدي الأستاذ عمران بدلاً من الصحافة السورية ، وإذا كان هذا ما يحدث مع المسؤول الأول عن الإعلام في سوريا فما الذي يحدث مع غيره (!!) . وهل يعقل أن ينشر في الصحافة السورية كلام غير مهني يبرر تأخر وسائل الإعلام لسورية في نقل المعلومة كما كتب المشرف على "ملحق الثورة الثقافي "الأستاذ مفيد خنسة في افتتاحيته بتاريخ 11/2/2001 قائلاً ( وان تأخر إعلامنا عن تقديم المعلومة السريعة فيشفع له انه لا يقبل أن يقدمها إلا بعد التحقق الأكيد من صحتها ).

     هل يعني الأستاذ  خنسة بكلامه أن ترسل الصحافة السورية محرراً إلى محطة مير الفضائية لتتأكد من أن تلفاً أصابها ؟ رغم أن هذه الصحافة حتى في الأخبار المحلية تكتفي بأخبار وكالة "سانا " السورية وبدون أي تحرير أو إضافة أو تدخل ، ولا ترسل محرراً لإحضار خبرها الخاص ، مما يعرضها للتشابه والتطابق الكامل . إن كلام الأستاذ خنسة المخجل مهنياً في مهنة أهم سماتها السرعة يجعل العذر اقبح من الذنب ، ويشير إلى عقلية ساهمت ولا تزال تساهم في تراجع الصحافة السورية .

    بدون إعادة النظر في كل القضايا السالفة الذكر فيما يخص علاقة الصحافة السورية بقارئها ، وبدون تغيير العقلية المسيطرة على هذه الصحافة ، وبدون إعادة الاعتبار للمهنة والحرفة الصحفية ، وبدون إلغاء تدخلات  بعض المسؤولين في أصغر الصغائر في المؤسسات الصحفية بالتعيينات ومنع المواد وإعطاء شهادات حسن السلوك أو سوئها دون النظر إلى العامل المهني ( وهذا موضوع حديثنا القادم ) لا يمكن لهذه الصحافة أن تساهم في عملية التطوير والتحديث ، بل ستصبح عصاً في عجلاتها ، وعامل إعاقة لا تقدم، وفي مستقبل يشير إلى صحافة أخرى مستقلة ، ستغدو الصحف السورية شيئاً من الماضي الذي لا يمت لحاضر فيه عمل كثير لبناء مستقبل اكثر ازدهاراً .

 

جريدة العرب اليوم الأردنية 13/5/2001   

موقع مفهوم الالكتروني  13/5/2001