مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

تقرير عن قضية

الأستاذ المحامي

 رياض الترك

) الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري (

 

 

إعداد: مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

 

أغسطس/آب 2002

 

 

D.C.T.C.R.S

Varberga G 101

70351 OREBRO

SWEDEN





مقدمة:

 

يعالج هذا التقرير قضية الأستاذ المحامي رياض الترك التي أصدرت فيها  محكمة أمن الدولة العليا في سورية حكما بالسجن سنتان ونصف مع الحرمان من الحقوق المدنية. ويشكل هذا التقرير دراسة لحالة تشترك كثيراً مع غيرها من حالات المحاكمات لمعتقلي الرأي التي تجري حالياً في سورية سواء أمام القضاء العادي أم القضاء الاستثنائي ... كان آخرها الحكم على الدكتور عارف دليلة بالسجن عشر سنوات والمهندس وليد البني بالسجن خمس سنوات. وكانت محكمة "عادية" قد أصدرت حكما بالسجن لخمس سنوات على نائبين مستقلين هما السيد محمد مأمون الحمصي والسيد رياض سيف. ويتابع الديمقراطيون ونشطاء حقوق الإنسان هذه المحاكمات لأثرها المباشر على مستقبل الحريات وتوجهات السلطة التنفيذية وخياراتها الأمنية.

 سيناقش التقرير الحجج القانونية التي يمكن أن ترد دفاعا عن الأستاذ رياض الترك كمعتقل رأي.

 ستنحصر معالجة هذه القضية في إطار القانون السوري، وستركز بشكل خاص على تفنيد الإدعاء من حيث الأساس.

سيتناول هذا التقرير معالجة المسائل القانونية التالية:

(1)               وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في الدستور السوري؛

(2)               وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية؛

(3)               التذكير ببعض المبادئ العامة الإجرائية والتفسيرية التي تحكم القرار القضائي لمحكمة أمن الدولة العليا؛

(4)               انتفاء أي اعتداء من قبل الأستاذ رياض الترك بهدف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة؛

(5)               انتفاء أي فعل للأستاذ رياض الترك لإثارة عصيان مسلح؛

(6)               انتفاء نقل الأستاذ رياض الترك لأنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة؛

(7)               انتفاء إذاعة الأستاذ رياض الترك في الخارج لأنباء كاذبة من شأنها أن تنال من هيبة الدولة أو من مكانتها المالية.

 

أولا - وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في الدستور السوري

 

1) في الصفة الآمرة للمبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان في الدستور السوري

 

يتضمن دستور سورية الدائم لعام 1973 مجموعة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع السوري. و من المفيد، في معالجة قضية الأستاذ رياض الترك، التفريق بين نوعين من المبادئ العامة التي جاء بها الدستور:

 

(1)        هناك أولا مجموعة "المبادئ الأساسية" التي تكرس و تضمن كافة حقوق الإنسان كما نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 كانون الأول 1948[1]. و قد قرر الفقه في سورية بأن مبادئ حقوق الإنسان أساسية "لكونها القواعد الابتدائية و البديهية الأولى"[2] و لاتصالها بصلب إنسانية كل إنسان[3]. كما أكد كبار الفقهاء السوريين بأن تلك المبادئ "أصلية للإنسان في هذا المجتمع، بما يتصل بوجوده الطبيعي"[4]. و تأتي هذه المبادئ "في رأس القوانين لا العادية فقط بل و الدستورية أيضا"[5]. و هي مبادئ ذات طبيعة آمرة كونها تمثل جزْءا من نظام عام دولي[6]. و عليه فإنه لا يجوز النص في الدستور على ما يخالفها. إن سمو هذه المبادئ الأساسية يمنع كذلك سن التشريعات أو الأنظمة المخالفة، تحت طائلة وجوب الدفع بعدم دستوريتها أمام القضاء و امتناع القضاء عن تطبيقها[7].

 

(2)        و هناك ثانيا مجموعة المبادئ التي تؤسس لتنظيم المجتمع. و هي مبادئ ذات طبيعة "تنظيمية" أو "إجرائية" تتضمن طريقة لممارسة الحكم و سن القوانين و تطبيقها و تنظيم السلطات و تعريف مقومات الدولة. و تحكم المبادئ التنظيمية أو الإجرائية المنصوص عليها في الدستور ضرورة التقيد بالمبادئ الأساسية. كما أن المبادئ التنظيمية تمثل الطريقة المثالية التي تم تصورها في حقبة معينة لإدارة الدولة و الحكم. و عليه فإنها تخضع للتبدل بحسب تطور الفكر السياسي و القانوني.

2 )في المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواجبة التطبيق بموجب الدستور

 

لقد نص الدستور على مجموعة مبادئ أساسية واجبة التطبيق على وقائع قضية الأستاذ رياض الترك. و تتمثل هذه المبادئ الأساسية بما يلي:

آ- حق الإسهام في الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية (المادة 26 من الدستور)

 

ويؤكد هذا الحق الدستوري المبدأ الأساسي الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 22(1) التي أقرت بأن "لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده"، ويجوز أن يكون ذلك الإسهام إما مباشرة أو عن طريق ممثلين. ويقتضي ذلك من كل مواطن أن يساهم في إبداء رأيه بالشؤون العامة بما في ذلك الإدلاء بدلوه في تقييم وضع البلاد السابق و الراهن. كما يشمل حق الإسهام المباشر في الحياة العامة التحرك من أجل اقتراح برامج مستقبلية مباشرة و/أو عن طريق ممثلين. وقد نص الدستور على أن ينظم القانون ممارسة هذا الحق. وليس في ذلك رخصة دستورية لتقييد ممارسة هذا الحق. بل إن من واجب المشرع أن يضع التشريعات التي تضمن أوسع ممارسة لهذا الحق، تحت طائلة امتناع القضاء عن عدم تطبيقها لعدم دستوريتها[8].

ب- حق الإعراب عن الرأي بحرية و علنية بالقول و الكتابة (المادة 38 من الدستور)

 

و يؤكد هذا الحق الدستوري المبدأ الأساسي الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 التي أقرت بأن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية". و يعتبر هذا الحق تجسيدا للمبدأ الأساسي القاضي بأن "الحرية حق مقدس" كما نصت على ذلك المادة 25 من الدستور الدائم وكذلك المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إن الحق في حرية التفكير والرأي قد جاءت مطلقة بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة، و قد اعتبر الفقه بأنه ينطوي تحت هذا الحق حق المواطن "في عدم إزعاجه بسبب رأيه وحقه في السعي وراء الأنباء و الآراء و استقائها بمختلف طرق التعبير"[9].

 

ج- حق المساهمة في الرقابة (المادة 38 من الدستور)

 

و يتفرع هذا الحق من المبادئ الأساسية المقدسة للحرية و الضامنة لحرية التعبير و حق الإسهام في الحياة السياسية. ويتضمن هذا الحق المباشر الذي يتمتع به كل مواطن مساءلة نظام الحكم القائم عن طرق تنظيم الحكم وكيفية ممارسة السلطات.

 

د- حق النقد البناء (المادة 38 من الدستور)

 

وهو متفرع عن المبادئ الأساسية السابقة و يشمل الرأي القائم على تقييم وقائع ثابتة حالية أو تاريخية بهدف البناء عليها لما فيه الصالح العام[10]. إن هدف النقد هو تحقيق حالة مساءلة سياسية واجتماعية دائمة من أجل بناء مجتمع أفضل. إن انعدام وجود حق النقد يجعل الأفكار المؤسسة للمجتمع جامدة متحجرة لا حياة فيها. وكما قرر كبار الفقهاء السوريين فإن "مصلحة الحكم – أي حكم – هي في إطلاق حرية النقد والتعبير عن الآراء وبذلك يطلع على أخطائه فيصلحها، وعلى مواطن ضعفه فيتلافى الخلل فيها"[11]. فالبناء هو محصلة انفتاح الحاكم على النقد واستجابته له.

 

ثانيا- وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية

 

انضمت سورية الى العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية بموجب المرسوم التشريعي رقم 3 تاريخ 12/1/1969[12]. وقد تم كذلك التصديق في نفس المرسوم على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

وقد جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مؤكدا ومفصلا للمبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان التي جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما جاء الدستور السوري موافقا لها.

 

1 )أولوية المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان على القانون العادي

 

إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية، بوصفه معاهدة دولية مصدقة أصولا، قد دخل في الجسم التشريعي في سوريا، فأصبح نافذا على جميع السلطات. وقد أجمع الفقهاء على أن المعاهدة الدولية لها قوة قانونية ترجح فيها على القوانين العادية. إن قوتها من حيث التدرج التشريعي راجحة على القوانين لسببين فهي "أولا مدعومة برباط دولي" و هي ثانيا "معززة داخليا بقانون عادي على اعتبار أنها لا تنفذ إلا بعد التصديق عليها من السلطة التشريعية". فإذا جاءت المعاهدة بنص عام لاحق على نص تشريعي خاص فإن المعاهدة واجبة الترجيح لأنها ذات "رتبة أقوى من حيث التسلسل التشريعي من رتبة القانون العادي"[13]. و في كل الأحوال فإن "الاجتهاد الحديث مستقر على اعطاء الأولوية للمعاهدات اطلاقا" عند تعارضها مع قوانين لاحقة[14].

 

كما أعتبر الفقهاء السوريون بأن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية له نفس القوة القانونية الراجحة، أو "الأولوية على القواعد الداخلية". و في كل الأحوال  فإن تطبيق القضاء للقوانين الداخلية اللاحقة التي تخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية "يعرض القاضي إلى مخالفة روح الدستور وإلى مخالفة ما التزمت به سورية بموجب معاهدة المعاهدات التي هي اتفاقية فيينا لعام 1969 و التي تنص مادتها الـ 27 بأن طرفا متعاقدا لا يستطيع أن يعتد بنصوص من قانونه الداخلي ليبرر عدم تنفيذ معاهدة ما"[15].

 

و قد أكدت الحكومة السورية في تقريرها الدوري الأخير الذي قدمته الى لجنة حقوق الإنسان بموجب المادة 40 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية برجحان هذا العهد و أولويته في القانون الداخلي. فقد جاء في الفقرة 29 من هذا التقرير ما نصه:

 

"لقد صدقت سورية على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في عام 1969، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا العهد جزءا من قانونها الداخلي. وعندما تم وضع دستور الجمهورية في عام 1973، فقد تقيد المشرع بنصوص هذا العهد وكذلك بنصوص المعاهدات التي كانت مصدقة. و عليه فإنه لا يوجد أي تعارض بين مواد الدستور ونصوص العهد. ومن الجدير بالذكر بأنه في حالة التنازع بين أي قانون داخلي و نصوص أية معاهدة دولية تكون فيها سورية طرفا، فإن نصوص المعاهدة تكون راجحة. وقد جاء في قرار محكمة النقض رقم 23 للسنة القضائية 31 ما نصه بأنه "لا يمكن لأي نص تشريعي أن يأتي بقواعد تتعارض مع نصوص معاهدة سابقة أو حتى تأثر على نفاذها"[16].

 

2 )الحضور الدائم للمبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان أمام قواعد القانون الداخلي

 

تجدر الإشارة بأن المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية تجيز للدول استعمال حق عدم التقيد ببعض نصوص العهد عند حالات الطوارئ الاستثنائية المعلنة رسميا والمبلغة أصولا إلى الأمين العام للأمم المتحدة. لقد تم إعلان حالة الطوارئ في سورية بدون التقيد بالاجراءات القانونية الواجبة بالاستناد إلى قانون حالة الطوارئ رقم 51 تاريخ 22-12-1962 أو متطلبات التبليغ الدولي الأصولي[17].

 

وعلى الرغم من إجازة عدم التقيد ببعض فقرات العهد في حالات الطوارئ الاستثنائية، فقد نص العهد صراحة في مادته الرابعة فقرة 2 بأن إعلان حالة الطوارئ لا يحل الدولة من التزامها ببعض الحقوق الوارد في العهد كالمادة 18 التي تؤكد بأن "لكل إنسان حق في حرية الفكر". كما أن العهد قد تطلب صراحة بأن تبقى الأعمال العرفية محصورة بمقتضيات الحالات التي تتضمن تهديدا كبيرا لحياة الأمة[18]، الأمر الذي لا ينفي حضور المبادئ الأساسية التي أقرها في كل الأوقات.

 

كما استقر الفقه و الاجتهاد القضائي في سورية على أن حالة الطوارئ تبقى مقيدة و تبررها حالة الضرورة القصوى[19]. وكذلك فإن الأوامر العرفية تخضع للرقابة القضائية الصارمة للتحقق من مشروعيتها[20]. و عليه فلم تكن حالة الطوارئ لتعطل، من حيث الموضوع، مفعول المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية طالما أن نص العهد قد انخرط في الجسم التشريعي السوري ليكون حاضرا في إنتاج مفاعليه لدى سن القوانين وتطبيقها.

 

وعليه فإن إعلان حالة الطوارئ لا ينفي تأصل المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواردة في العهد في النظام القانوني السوري طالما جرى التأكيد عليها نصا في دستور البلاد لعام 1973. و عليه فإنها تتمتع بقوتها القانونية الآمرة و كذلك برجحانها و أولويتها على القانون العادي. إن ذلك يجعل لهذه المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان حضورا دائما. إن الحضور الدائم لهذه المبادئ عند النظر في تطبيق أي قانون خاص، يوجب الإقرار بأنها تتخذ منزلة الأصل أبدا.

 

لقد أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، من جملة ما أقر، بالمبادئ الأساسية التالية الواجبة التطبيق على قضية الأستاذ رياض الترك:

 

آ- حق الإسهام في إدارة الشؤون العامة مباشرة و بحرية (المادة 25-1 من العهد):

 

 وقد نص التعليق العام على هذه المادة ذي الرقم 25 للجنة حقوق الإنسان والذي يتضمن القواعد التفسيرية الرسمية، على أن هذا الحق واسع النطاق[21]. وقد أكد التعليق أيضا على أن من متطلبات ممارسة هذا الحق بشكل كامل أن تؤمن الدولة التواصل الحر للأفكار والأنباء بين المواطنين في كل ما يتعلق بالشؤون العامة والسياسية (فقرة 25). و كذلك فإن حق الإسهام في إدارة الشؤون العامة يتطلب حرية الإنخراط في النشاط السياسي بشكل فردي أو جماعي و كذلك حرية التحاور و النقاش في الشؤون العامة بالإضافة إلى حرية النقد والمعارضة وحرية نشر المواد السياسية و الترويج للأفكار السياسية (فقرة 25). وقد أكدت الحكومة السورية في تقريرها الأخير أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بالتزامها بتطبيق المادة 25 من العهد، وقد اعتبرت كذلك بأن المادة 25 واجبة التطبيق و هي متوافقة مع المبدأ الأساسي الموجود في الدستور السوري الذي يعتبر أن "المساهمة في إدارة الشؤون العامة هو حق مقدس يتمتع به كل مواطن بشكل مباشر"[22].

 

ب- حق اعتناق الآراء دون أي تعرض (المادة 18 و 19 من العهد)

 

وقد نص التعليق العام على المادة للجنة حقوق الإنسان و الذي يتضمن التفسير الرسمي، على أن العهد لا يسمح بأي استثناء أو تقييد لهذا الحق[23]. وقد أكدت الحكومة السورية في تقريرها أمام لجنة حقوق الإنسان بالتزامها بهذه المادة. كما ذكرت بأن حرية الفكر والرأي مصونة لا يمكن التعرض لها بموجب الدستور (المادة 35(1) و المادة 38 من الدستور)[24].

 

3) الخلاصة

 

بالاستناد إلى ما سبق، فإنه يتوجب عند اعتبار التهم الموجهة للأستاذ رياض الترك بموجب قانون العقوبات العام النظر في المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواردة في كل من الدستور الدائم و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فهذه القواعد لها طبيعة راجحة تعقل قانون العقوبات، وتفسر قواعده الغامضة وخاصة في تلك المواد التي قد تفسر بشكل تعسفي يتجاوز الحقوق المدنية و السياسية للمتهم كما هو الحال مثلاً في المواد 286، 287، 291، و 293 من قانون العقوبات. بالإضافة إلى ذلك فإن المبادىء الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواردة في دستورنا الدائم و العهد الدولي حاضرة تقتضي اعمال مفاعيلها حتى عندما تتم المحاكمة خارج مجال اختصاص المحاكم الجزائية العادية

 

ثالثا- التذكير ببعض المبادئ العامة الإجرائية و التفسيرية التي تحكم القرار القضائي

 

لقد أشارت مجريات المحاكمة إلى أن فريق الدفاع عن الأستاذ رياض الترك كان قد طعن في مرحلة سابقة بعدم دستورية محكمة أمن الدولة العليا. و يبدو أنه كرر هذا الطعن أثناء الدفاع من حيث المضمون.

 

على الرغم من الدفع بعدم دستورية الإبقاء على محكمة أمن الدولة العليا، فإن ذلك لا ينفي الطبيعة القضائية لهذا الجهاز، طالما بقي موجودا فعليا. فالمحكمة تفصل في الجرائم المحالة إليها بمقتضى القانون، وهي بذلك تطبق القانون. و بالرغم من إشارة نص المادة 7 فقرة (أ) من المرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28/3/1968 المتضمن إحداث المحكمة على عدم التقيد بالإجراءات الأصولية المنصوص عليها في التشريعات النافذة، فقد احتفظ القانون بوجوب صيانة حقوق الدفاع، للتأكيد على صفتها القضائية المستقلة. إن الصفة القضائية للمحكمة التي توجب عليها تطبيق القانون، تفرض على محكمة أمن الدولة كذلك التقيد بالمبادئ الإجرائية العامة، التي تتجاوز قوانين الأصول الخاصة التي وردت فيها، لأن لها صفة عامة آمرة واجبة تطبيق من قبل أي محكمة تحت أي ظرف.

 

لا بد من التذكير ببعض من هذه المبادئ العامة الإجرائية و التفسيرية التي يتوجب على محكمة أمن الدولة العليا تطبيقها. ويذكر التقرير بشكل خاص شروط وحدود أعمال القناعة الوجدانية للمحكمة. كما سيتم التطرق إلى المبادئ العامة في الإثبات الواجبة التطبيق على قضية الأستاذ رياض الترك، قبل أن يتم الحديث عن قواعد التفسير التي يتوجب اتباعها لاستجلاء معنى الأقوال المدعى بها.

 

1 ) شروط وحدود اعمال القناعة الوجدانية للمحكمة

 

تتحلى نصوص التشريع الجزائي بصفات دقة التعبير ووضوح اللفظ و استخدام الكلم الصريح للدلالة على المعاني المحددة. أما النصوص القانونية المتضمنة للجرائم المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك، فالتعابير فيها غير واضحة المعالم ولا محددة الأطراف وظلال الألفاظ متموجة تتسع لكل شئ، كما أقر بذلك كبار الفقهاء السوريين[25]. غير أن الفقه أكد على أنه على الرغم من الحرية الواسعة في التقدير التي منحها المشرع للقاضي في مثل هذه الجرائم، فإن هذا الأخير مرتبط بشرف الضمير و نزاهة الوجدان ورهافة الحس في تمييز الغث من السمين، "فلا عاصم للمواطن من تعسف السلطة إلا شرف القاضي و نزاهته"[26].

 

يشكل وجدان المحكمة حصنا لدرء التعسف و هو ليس أداة تعسف. إن المحكمة، في اتخازها لقرارها، تتبع نطاق "العقل المتئد والتفكير الناضج والمنطق السليم والمنهجية المنتظمة"[27]، وتبنى على تمحيص الوقائع[28]، والمداولة وتسبيب أي قرار قضائي بناء على أدلة صحيحة تم النقاش حولها بين الخصوم في جلسة علنية.

 

كما أن اعمال القناعة الوجدانية محكوم بمبدأ التفسير الضيق للجرائم و العقوبات انطلاقا من المبدأ الدستوري أن "الإنسان برئ حتى يدان بحكم قضائي مبرم". فإذا اعتمد القضاء منطق التفسير الواسع لجرائم ذات نطاق تطبيق فضفاض أساسا، لتحول قانون العقوبات سيفا على المواطن بدلا من أن يكون ضامنا للسلم الأهلي[29].

 

2) المبادئ العامة الواجبة التطبيق في الإثبات

 

يقوم الإدعاء بالجرائم المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك على أقوال تمت كتابتها أو التصريح بها في مواضع متفرقة. و إذا أقام الأستاذ رياض الترك البينة على أن الأقوال المدعى بها تحمل في طياتها شكا أو شبهة باحتوائها المعنى المدعى به، بالنظر إلى أقواله في مجملها، فيتوجب على المحكمة إهمال الدليل الذي ساقه الإدعاء[30].

 

ومن نافلة القول بأن المبدأ العام الذي يتوجب على محكمة أمن الدولة العليا أن تطبقه هو أن عبء الإثبات يقع بكامله على الإدعاء المتمثل بالنيابة العامة لأمن الدولة. ويتوجب على النيابة العامة أن تقيم الدليل، في الجرائم المنسوبة للأستاذ رياض الترك، على كافة عناصر الجرائم المادية والمعنوية[31]. فإذا عجز الإدعاء عن إثبات ما زعمه وجب على المحكمة الحكم بالبراءة[32]. و إذا أنكر المدعى عليه الجرم المعز إليه أو اعتصم بالصمت، فيجب أن يعزى ذلك إلى الاحتجاج الصامت بأنه برئ، و على النيابة العامة أن تثبت خلاف البراءة بتقديم الدليل القاطع[33].

 

3) قواعد تفسير القول

 

لقد سبقت الإشارة بأن الجرائم المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك تقوم على أقوال كان الأخير قد أدلى بها كتابة أو بشكل شفهي في مواضع متفرقة. و المعلوم بأن الأقوال هي مجموعة الكلمات التي تتضمن معنى طبيعيا يجدر تحديده بشكل سليم عند النظر في وقوعه تحت طائلة التجريم. وحقيقة الأمر فإن البحث في المعنى الطبيعي الذي يرمي إليه القول يتطلب استجلاء مجموعة القواعد المنطقية في تفسير النصوص و الأقوال العامة. إذ قد يحمل القول على الوضوح أحيانا و على الغموض أحيانا أخرى. كما أن تعدد المتلقين للقول العلني قد يقود الى تعدد المعاني التي يستخلصها كل متلق من نفس القول. و المحكمة كجهاز قضائي حيادي، يلزم لها أن ترتكن الى المعنى الموضوعي للأقوال، لا الى الانفعال الذي يثيره القول في أي من الخصوم و خصوصا لدى الإدعاء. و المعنى الموضوعي لا يتم استخلاصه بمنطق سليم الا بالاعتماد على مجموعة قواعد تفسير القول التي أقر بها الفقهاء[34].

 

و تشير الوقائع بأن الأستاذ رياض الترك لم يستعمل حيلا بيانية للتخلص من المسؤولية، فقد اعتمدت أقواله المدعى عليها على الكلم الصريح.

 

و قد يمكن إجمال هذه القواعد التفسيرية للكلام بما يلي:

 

آ- التفسير على جملة القول بدون تجزئة

 

و تقتضي هذه القاعدة أن لا يتم اجتزاء عبارة من وسطها التعبيري بشكل يحملها معنى فيه مغالاة لمضمونها أو تغييرا في محتواها، أو تناقضا مع المعنى العام الذي يريد كامل القول إيصاله.

 

أما إذا تضمن القول تساؤلات طرحها قائلها في معرض الكلام، فإنها لا يمكن أن تتخذ على أنها يقينية إذا كان مجمل النص أو القول ينفيها. و إذا تضمن القول فرضيات أفضى البحث فيها على اعتبارها غير محققة، فلا يمكن اعتبارها أقوالا مثبتة من حيث الواقع على قائلها.

 

ب- اعتبار ظروف مجمل القول

 

و حين النظر في مجموعة أقوال تم التصريح بها على مرات متفرقة، فإنه يجدر الأخذ بجملة هذه الأقوال و بالنتائج النهائية التي خلصت إليها. وعند اعتبار جملة الأقوال، فإنه يجدر إعطاء الأولوية للأقوال التي سبق إعدادها فجاءت كتابة، عن الأقوال التي تمت بشكل شفهي. إذ أن الأولى تؤسس للثانية و تفسرها، كما أن الكتابة تطلب الروية في إيجاد التعبير الذي يبرز المعنى المراد، و عليه فإن قوة أكبر في الدلالة على المعنى المراد. أما الحديث الشفهي فيتميز بالعفوية، و عليه فمعناها ينجلي من مجمل القول الذي تفسره الكتابة.

 

لقد طلب الأستاذ رياض الترك أثناء جلسات المحكمة أن تؤخذ أقواله بمجملها بالنظر إلى النتائج التي وصلت إليها. و قد أكد في مرات عديدة بأن محاضرته في منتدى جمال الأتاسي تلخص وجهة نظره سابقا و لاحقا

 

سيتم الإشارة فيما بعد إلى أقوال الأستاذ رياض الترك كما يلي:

 

1-     مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2000

2-     مقابلة الموند تاريخ 27/6/2000

3-     مقال ملحق النهار تاريخ 22/7/2000، و الذي نشر أيضا في صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن تاريخ 26/7/2000

4-  مداخلة قناة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، تاريخ 13/3/2001، كما تم تفريغها في موقع قناة الجزيرة على الانترنت <www.aljazeera.net>

5-  محاضرة منتدى جمال الأتاسي تاريخ 5/8/2001، كما تم نشرها على حلقتين في صحيفة الحياة الصادرة في لندن بتاريخ 9 و 10/8/2001، و كذلك مداخلته في المنتدى كما تم نقلها من مصادر مختلفة من الحضور.

6-     مداخلة قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود تاريخ 15/8/2001، كما تم تفريغها في موقع قناة الجزيرة على الانترنت.

 

 

ج- اعتبار المعنى الطبيعي لمجمل القول بمعيار الرجل العادي

 

يجب أن يتم التفسير حسب المعنى الطبيعي المستفاد مباشرة من القول، بدون تكلف أو مبالغة أو تحريف. و يتضمن المعنى الطبيعي قصد القائل، فلا عبرة لفهم الطرف المشار اليه في القول.

 

و يؤخذ بمعيار الرجل العادي، أي يصرف المعنى إلى المعنى الذي يفهمه الرجل العادي من نفس الوسط الذي حدث فيه التعبير إذا سمع أو قرأ مجمل القول. وعليه فلا عبرة للانفعال الذي يمكن أن يحدثه التعبير في الطرف المشار إليه في القول. وعندما يشير القول إلى السلطة العامة وممارساتها، فإن على النيابة العامة التي تمثلها أن تقدم تكييفا للمعنى متوافقا مع المعنى الطبيعي الذي يمكن الوصول اليه بشكل موضوعي عند الإدعاء بالتجريم. و يرجع للمحكمة ولاية الرقابة على تكييف النيابة للمعنى و كذلك صلاحية استجلاء المعنى بشكل موضوعي.

 

د- تفريق فعل ابداء الرأي عن فعل نقل النبأ

 

إن الجرائم القائمة على الأقوال، تتطلب التشديد على التفريق البديهي بين نقل النبأ و إبداء الرأي.

 

(1)        أما نقل النبأ فهو إيراد واقعة أو حدث حال أو ماض غير معلوم تم على أرض الواقع بشكل مجرد عن أي تقييم، و قد يكون الحدث قد وقع فعلا أو لم يقع، كما و قد يعرف ناقل الخبر كذب الخبر أو لا يعرف و لكل حكمه.

 

(2)        و أما إبداء الرأي فهو يتضمن تقييما للحدث أو الواقعة الحالية أو الماضية المعلومة، بحيث يتم إسباغ الصفات عليها أو الحكم عليها من قبل القائل. و يكون مصدر هذا التقييم ذاتيا لقائله. في حالة الأستاذ رياض الترك، فإن أي تقييم أو حكم يعتمد أساسا على الأرضية العلمية عن الحقل السياسي و أصول الحكم التي ألم بها على مر السنين، و كذلك على الممارسة السياسية في الحقل السياسي

 

من الواضح بأن المبادئ الأساسية التي سبق تعدادها الواردة في الدستور الدائم لعام 1973 و في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية تتضمن مبدأ عاما يقضي بضمان حرية الرأي، بغض النظر عن الأرضية الفكرية لهذا الرأي.

 

إن انخراط مبدأ حرية الرأي في الجسم التشريعي يقتضي اعتباره الأصل. و ما النصوص التشريعية الخاصة التي تنظم بعض وجوه إبداء الرأي إلا استثناءات يقتضي حصرها في نطاقها الضيق.

 

إن الجرائم الواردة في قانون العقوبات العام التي استند إليها الإدعاء على الأستاذ رياض الترك ليست إلا بعضا من هذه الاستثناءات. فإذا ظهر بأن الوقائع المدعى بها خارجة عن النطاق الضيق لهذه الاستثناءات، فإن على القاضي تطبيق مبدأ حرية الرأي بكل مفاعليه القانونية. لقد جاءت المطالبة بالنيابة عن الأستاذ رياض الترك لتلتمس البراءة من التهم المدعى بها. غير أن القضية تطلب في كل الأحوال تطبيق مبدأ حرية الرأي كمبدأ قانوني ملزم. و يقتضي إعلان هذا التطبيق الحكم بالتعويض للأستاذ رياض الترك عن الضرر الذي سببه خرق أمر القبض و الإحالة العرفي لمبدأ حرية الرأي و ذلك بموجب القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية.

 

رابعا- انتفاء أي اعتداء من قبل الأستاذ رياض الترك بهدف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة

 

نصت المادة 291 من قانون العقوبات العام على ما يلي:

 

1-      يعاقب على الاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة بالاعتقال الموقت خمس سنوات على الأقل.

2-      و تكون العقوبة الاعتقال المؤبد إذا لجأ الفاعل الى العنف.

 

سيتناول التقرير تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة كما وردت في القانون قبل مناقشة الوقائع المدعى بها.

1 )في تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة

آ- فعل الاعتداء

 

من المتفق عليه فقها على أن استعمال المشرع لكلمة "الاعتداء" الواقع على الدستور يفيد تجريم سلوك طريق العصيان و العدوان، و العنف و الإكراه، و حيازة السلاح و حض الجماهير على القيام بأعمال الشغب باستنفار الجماعات للتظاهر ضد السلطات العليا، أو تجنيد و تطويع المواطنين، أو استعمال الذخائر و توسل الفتنة و الإرهاب"[35].

 

إن القانون يستهدف تجريم فعل القيام بتجهيز الوسائل و الأسلحة و العتاد[36]. و على الادعاء إقامة الدليل القاطع بأن الأستاذ رياض الترك قد قام بإعداد العدة بشكل مادي محسوس لذلك حتى يتحقق ركن الاعتداء، ولو لم يصاحب اعداد العدة العنف، إذ أن ذلك ظرف مشدد.

وقد يدخل في إعداد العدة التحريض على استعمال العنف أو العصيان أو الشغب أو الإرهاب. إلا أن فعل الاعتداء المجرم لا يمكن أن يشمل فعل الحث بالطرق السلمية على تغيير الدستور عبر المطالبة العلنية المعتدلة و المعقولة و المقبولة و الحوار الصريح، فهذا يضمنه مبدأ حرية الرأي.

ب- استعمال طرق غير مشروعة لهدف تغيير الدستور

 

لقد اتفق الفقهاء على أن هدف تغيير الدستور ليس بحد ذاته هدفا غير مشروع. وقد أجمع الفقه على أن من حق المواطنين المطالبة بتغيير الدستور لمواكبته ظروف الحياة، فالدستور "ليس كالناموس، لا ينتقض، بمعنى أنه يمكن و حتى يجب تعديل دستور الدولة"[37].

 

وحقيقة الأمر فقد أقر كبار الفقهاء بأن:

"مفهوم الدستور نفسه يستنتج امكان تعديله، فالدستور من الوجهة الحقوقية لا يعدو أن يكون قانونا و القانون بطبيعته يقبل التعديل دائما، و الدستور من الوجهة السياسية يحدد تنظيم الدولة بناء على الشروط السياسية و الاجتماعية القائمة في وقت معين و هذه الشروط قابلة للتغيير فلا يمكن تحديد تنظيم الدولة بشكل ثابت لا يقبل التبديل لأنه قد يغدو مع الزمن متعارضا مع حاجات الدولة و ضروراتها"[38].

 

وفي ظل تأصل المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان في الضمير العالمي و تبنيها في دساتير سورية المتعاقبة و آخرها دستور سورية الدائم لعام 1973، فإن هذه المبادئ تبقى حاضرة عند كل تغيير. أما المبادئ التنظيمية فهي خاضعة للتبديل حسب الأحوال. ويدخل في هذه المبادئ التنظيمية مثلا شرط العمر لترشيح رئيس الجمهورية، ومبدأ قيادة حزب للدولة والمجتمع. وعليه فإن قانون العقوبات لا يجرم بشكل مطلق المطالبة بتغيير الدستور، ولكنه يستهدف فقط استخدام الوسائل غير المشروعة أثناء المطالبة بتغيير الدستور.

 

لقد أقر الفقهاء بأن تقدير مشروعية طرق استهداف تغيير الدستور لا ينحصر بالنص الحرفي لمواد الدستور فيما إذا نصت على طريقة للتعديل. و إنما يجري تقدير المشروعية بالاستناد إلى مدى انسجام هذه الطرق مع روح المادة التي تحكم التعديل.

 

و عليه، فعلى الرغم من حصر المادة 149 فقرة 1 طلب التعديل برئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس الشعب، فإن دعاوى المواطنين بتغيير الدستور، تكون مشروعة إذا جاءت متوافقة مع متطلبات و روح المادة 149.

 

إن الشعب هو مصدر السلطات. و عند انتخاب رئيس الجمهورية أو أعضاء مجلس الشعب، فإن العضو المنتخب أو رئيس الجمهورية يتبوأ منصبه ممثلا للشعب، في دائرته أو بكامله بحسب الحال. إن روح الدستور تقتضي كذلك تواصل عضو مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية مع المواطنين، بحيث يكون لكل مواطن سواء كان منظما في الأحزاب المرخصة أو المنظمات الشعبية أم لم يكن، الحق في مطالبة نائبه أو رئيسه بحسب الحال باقتراح أي تعديل على الدستور بحسب ما تقتضيه الظروف. إن المادة 149 تفترض أن ينبت اقتراح التعديل من التربة الشعبية ليأخذ طريقه عبر المطالبة العلنية الفردية أو المنظمة إلى وجدان النائب، فمجموعة النواب الى أن يتم التداول فيه تحت قبة مجلس الشعب. إلا إذا اعتبر بأن أعضاء مجلس الشعب منفصلون عن قاعدتهم الشعبية بحيث لا يحق لهم التواصل مع أبناء الدائرة الانتخابية أو سماع مطالباته، فإن في ذلك فهما منحرفا لروح الدستور و منطوقه.

 

وعليه، فقد أقر الفقه في مصر مثلا عند اعتباره للمادة 189 من الدستور المصري المتعلقة بتغيير الدستور و المشابهة للمادة 149 من الدستور السوري بما يلي:

 

"فاجتماع الناس في ندوات لتبادل الرأي و اقتراح تغيير الدستور، و التقدم بهذا الاقتراح فرديا أو جماعيا الى رئيس الجمهورية أو الى بعض من نواب الشعب، أمر لا ملامة فيه و يعتبر استخداما لحق مشروع"[39].

 

إن المطالبة العلنية بتغيير الدستور عن طريق القول أو الكتابة أو البيانات الجماعية هي مشروعة لأنها تنسجم مع روح الدستور السوري.

 

 و في كل الأحوال، فإن المطالبة العلنية بتغيير الدستور البعيدة عن أي فعل اعتداء تشكل بحد ذاتها قرينة على المشروعية.

 

ج- استهداف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة

 

بالإضافة إلى استخدام طرق غير مشروعة، التي يجب إثباتها كواقعة مادية، فإن على الإدعاء إقامة الدليل على القصد "باستهداف" تغيير الدستور بطرق غير مشروعة. إذ لا يكفي على الإدعاء إقامة الدليل على "استهداف" تغيير الدستور، الأمر الذي لا نزاع في مشروعيته من حيث المبدأ. بل يتوجب على الإدعاء إقامة الدليل القاطع على أن نية المدعى عليه استهداف تغيير الدستور تتجه إلى استعمال طرق غير مشروعة، تتجاوز المطالبة العلنية التي يكفلها مبدأ حقي الرأي و الإسهام المباشر في الحياة السياسية.

 

2) مناقشة الوقائع المزعومة

 

آ- وصف سورية بأنها سجن كبير بسبب هذا الدستور الذي جعل من حزب البعث مقرر للأمور

 

وردت الإشارة إلى السجن الكبير في مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2001. كما وردت الإشارة إلى تغيير الدستور في موضع آخر أثناء المقابلة مع جريدة الموند الفرنسية تاريخ 27/6/2000. نورد فيما يلي القولين كما جاءا في المصدرين:

 

مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2001

"بالمعنى العام لا أعتقد بأننا في سورية نتمتع (أو نستمتع بحريتنا). إنني حر بمعنى خروجي من السجن الصغير الى السجن الكبير. و علينا جميعا أن نسعى الى فتح أبوابه ليس بحثا عن الحرية القصوى و إنما سعيا الى استرداد الحريات العادية التي سلبت من الناس. و هذا لا يمكن أن يتحقق الا من خلال نضال شعبي و تعاون مختلف القوى ضمن اطار برنامج وطني ديموقراطي".

 

مقابلة مع جريدة الموند الفرنسية تاريخ 27/6/2000

"هو يتكلم عن اصلاحات اقتصادية و إدارية، و عن تطوير عبر ادخال التقنيات الحديثة. و لكن بنظري، فإن الإصلاح الملح في سورية هو الإصلاح السياسي، الذي يعطي للشعب كلمته، و هذا يسمح للبرلمان أن يشرف على شؤون الدولة من جديد. بدون هذه العودة الى المبادئ الجمهورية، فإن سوريا ستبقى على حالها الراهنة: نظام شمولي و جمهورية وراثية. قبل أن نتكلم عن الإصلاح الإداري، يجب تعديل و تغيير الدستور الذي يجعل حزب البعث مقررا للأمور..."

 

ليس في وصف سورية بأنها سجن كبير أي مطالبة لتغيير الدستور. أما المطالبة بتغيير الدستور الذي يجعل حزب البعث مقررا للأمور فقد تمت بمعرض المطالبة بالإصلاح. و قد جاء ذلك منسجما مع مطالبات عقلانية حفل بها المجتمع السوري اعتبرت ان صيغة الدستور قد تتضمن عوامل استبداد لحزب واحد[40]. و قد شدد الأستاذ الترك على الدعوى إلى "تعاون مختلف القوى"، دون استثناء. و قد حدد الإطار السلمي لهذا التعاون، على أنه "إطار وطني ديموقراطي" أو إطار حواري حقيقي. إن التصور الإصلاحي و التعاوني ينفي وجود فعل أو نية للاعتداء، كما ينفي استعمال الأساليب غير المشروعة الخارجة عن الإطار السلمي.

 

ب- اختصار المجتمع السوري بكلمتي موافق و غير موافق يدلي باحداهما المواطن المكبلة يداه بالخوف لاختيار مرشح وحيد لم يتضح برنامجه السياسي (مقال ملحق النهار 22/7/2000)

 

ليس في هذه المقولة دعوة لتغيير الدستور من حيث الواقع. وإنما تتضمن هذه العبارة توصيفا لحالة المجتمع السوري أثناء الاستفتاء على ترشيح رئيس الجمهورية، و كذلك وصفا لنفسية المواطن الخائفة، وأخيرا وصفا للبرنامج السياسي للمرشح الرئاسي. وقد يتفق المتلقي مع هذا التوصيف أو يرفضه، فيعتبره خاطئا. إن هذه المجموعة من التوصيفات تدخل ضمن نطاق مبدأ حرية الرأي المصونة قانونا، رغم امكان وجود اختلاف بشأنها.

 

ج- الشعب لا خيار له (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

ليس في هذه المقولة دعوة لتغيير الدستور من حيث الواقع. إن هذه المقولة تتضمن توصيفا لحال الشارع السوري غير المنتمي إلى حزب البعث الذي يمثل الأغلبية الساحقة من أفراد الشعب، في الخيارات المطروحة أمامه عند ترشيح رئيس الجمهورية. إن هذا القول ينتمي أساسا إلى نطاق الرأي المحصن قانونا، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

د- إن الإصلاح السياسي المنشود ينطلق من إقامة نظام وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية التي تنفي مقولة الحزب القائد (مقال ملحق النهار 22/7/2000)

 

تطالب هذه المقولة علنا بتغيير الدستور وخصوصا المادة الثامنة التي نصت على أن حزب البعث هو الحزب القائد في المجتمع و الدولة. و تعبر هذه المقولة عن حكم بضرورة حصول هذا التغيير، نظرا لاعتبار الأستاذ رياض الترك بأن المبادئ التنظيمية للمجتمع والدولة الواردة في الدستور لم تعد صالحة مما يستدعي تغييرها. ولم تخرج هذه المطالبة عن المطالبة العلنية. لقد جرت المطالبة تحت إطار العمل من أجل "الإصلاح"، كطريق لتغيير الدستور. وليس في الدعوة إلى الإصلاح أي فعل يتضمن إعدادا للعدة أو تجهيزا من أجل الحمل على العصيان لإحداث التغيير. كما أن الدعوة إلى نظام وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية يتضمن وصفا للهدف النهائي، الذي يعتقد الأستاذ رياض الترك بأنه أكثر عدلا، ذلك الهدف الذي يشمل برأيه جميع الأطياف السياسية في المجتمع السوري. يخرج هذا القول من نطاق التجريم، و يبقى مصون قانونا على أنه رأي حر، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

هـ النظام الشمولي (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

ليس في هذه المقولة مطالبة أو استهداف بتغيير الدستور. إن هذه المقولة تتضمن وصفا لمرحلة تاريخية في الحكم بناء على الأنماط العلمية لطرق الحكم المعروفة في ميدان العلوم السياسية، و التي لا يحملها المختصون عادة بعدا تقييميا’ بل يبقى مفهوما حياديا. يخرج هذا القول من نطاق التجريم، و يبقى مصون قانونا على أنه رأي حر، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

و- يمكن اختصار الوضع في البلاد بكونه أزمة ركود شامل و تأخر و انسداد افق في كافة الميادين

 

ليس في هذه المقولة مطالبة أو استهداف بتغيير الدستور. إن هذه المقولة تتضمن وصفا للمرحلة الحالية. يخرج هذا القول من نطاق التجريم، و يبقى مصون قانونا على أنه رأي حر، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.