مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

تقرير عن قضية

الأستاذ المحامي

 رياض الترك

) الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري (

 

 

إعداد: مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

 

أغسطس/آب 2002

 

 

D.C.T.C.R.S

Varberga G 101

70351 OREBRO

SWEDEN





مقدمة:

 

يعالج هذا التقرير قضية الأستاذ المحامي رياض الترك التي أصدرت فيها  محكمة أمن الدولة العليا في سورية حكما بالسجن سنتان ونصف مع الحرمان من الحقوق المدنية. ويشكل هذا التقرير دراسة لحالة تشترك كثيراً مع غيرها من حالات المحاكمات لمعتقلي الرأي التي تجري حالياً في سورية سواء أمام القضاء العادي أم القضاء الاستثنائي ... كان آخرها الحكم على الدكتور عارف دليلة بالسجن عشر سنوات والمهندس وليد البني بالسجن خمس سنوات. وكانت محكمة "عادية" قد أصدرت حكما بالسجن لخمس سنوات على نائبين مستقلين هما السيد محمد مأمون الحمصي والسيد رياض سيف. ويتابع الديمقراطيون ونشطاء حقوق الإنسان هذه المحاكمات لأثرها المباشر على مستقبل الحريات وتوجهات السلطة التنفيذية وخياراتها الأمنية.

 سيناقش التقرير الحجج القانونية التي يمكن أن ترد دفاعا عن الأستاذ رياض الترك كمعتقل رأي.

 ستنحصر معالجة هذه القضية في إطار القانون السوري، وستركز بشكل خاص على تفنيد الإدعاء من حيث الأساس.

سيتناول هذا التقرير معالجة المسائل القانونية التالية:

(1)               وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في الدستور السوري؛

(2)               وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية؛

(3)               التذكير ببعض المبادئ العامة الإجرائية والتفسيرية التي تحكم القرار القضائي لمحكمة أمن الدولة العليا؛

(4)               انتفاء أي اعتداء من قبل الأستاذ رياض الترك بهدف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة؛

(5)               انتفاء أي فعل للأستاذ رياض الترك لإثارة عصيان مسلح؛

(6)               انتفاء نقل الأستاذ رياض الترك لأنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة؛

(7)               انتفاء إذاعة الأستاذ رياض الترك في الخارج لأنباء كاذبة من شأنها أن تنال من هيبة الدولة أو من مكانتها المالية.

 

أولا - وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في الدستور السوري

 

1) في الصفة الآمرة للمبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان في الدستور السوري

 

يتضمن دستور سورية الدائم لعام 1973 مجموعة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع السوري. و من المفيد، في معالجة قضية الأستاذ رياض الترك، التفريق بين نوعين من المبادئ العامة التي جاء بها الدستور:

 

(1)        هناك أولا مجموعة "المبادئ الأساسية" التي تكرس و تضمن كافة حقوق الإنسان كما نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 كانون الأول 1948[1]. و قد قرر الفقه في سورية بأن مبادئ حقوق الإنسان أساسية "لكونها القواعد الابتدائية و البديهية الأولى"[2] و لاتصالها بصلب إنسانية كل إنسان[3]. كما أكد كبار الفقهاء السوريين بأن تلك المبادئ "أصلية للإنسان في هذا المجتمع، بما يتصل بوجوده الطبيعي"[4]. و تأتي هذه المبادئ "في رأس القوانين لا العادية فقط بل و الدستورية أيضا"[5]. و هي مبادئ ذات طبيعة آمرة كونها تمثل جزْءا من نظام عام دولي[6]. و عليه فإنه لا يجوز النص في الدستور على ما يخالفها. إن سمو هذه المبادئ الأساسية يمنع كذلك سن التشريعات أو الأنظمة المخالفة، تحت طائلة وجوب الدفع بعدم دستوريتها أمام القضاء و امتناع القضاء عن تطبيقها[7].

 

(2)        و هناك ثانيا مجموعة المبادئ التي تؤسس لتنظيم المجتمع. و هي مبادئ ذات طبيعة "تنظيمية" أو "إجرائية" تتضمن طريقة لممارسة الحكم و سن القوانين و تطبيقها و تنظيم السلطات و تعريف مقومات الدولة. و تحكم المبادئ التنظيمية أو الإجرائية المنصوص عليها في الدستور ضرورة التقيد بالمبادئ الأساسية. كما أن المبادئ التنظيمية تمثل الطريقة المثالية التي تم تصورها في حقبة معينة لإدارة الدولة و الحكم. و عليه فإنها تخضع للتبدل بحسب تطور الفكر السياسي و القانوني.

2 )في المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواجبة التطبيق بموجب الدستور

 

لقد نص الدستور على مجموعة مبادئ أساسية واجبة التطبيق على وقائع قضية الأستاذ رياض الترك. و تتمثل هذه المبادئ الأساسية بما يلي:

آ- حق الإسهام في الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية (المادة 26 من الدستور)

 

ويؤكد هذا الحق الدستوري المبدأ الأساسي الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 22(1) التي أقرت بأن "لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده"، ويجوز أن يكون ذلك الإسهام إما مباشرة أو عن طريق ممثلين. ويقتضي ذلك من كل مواطن أن يساهم في إبداء رأيه بالشؤون العامة بما في ذلك الإدلاء بدلوه في تقييم وضع البلاد السابق و الراهن. كما يشمل حق الإسهام المباشر في الحياة العامة التحرك من أجل اقتراح برامج مستقبلية مباشرة و/أو عن طريق ممثلين. وقد نص الدستور على أن ينظم القانون ممارسة هذا الحق. وليس في ذلك رخصة دستورية لتقييد ممارسة هذا الحق. بل إن من واجب المشرع أن يضع التشريعات التي تضمن أوسع ممارسة لهذا الحق، تحت طائلة امتناع القضاء عن عدم تطبيقها لعدم دستوريتها[8].

ب- حق الإعراب عن الرأي بحرية و علنية بالقول و الكتابة (المادة 38 من الدستور)

 

و يؤكد هذا الحق الدستوري المبدأ الأساسي الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 التي أقرت بأن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية". و يعتبر هذا الحق تجسيدا للمبدأ الأساسي القاضي بأن "الحرية حق مقدس" كما نصت على ذلك المادة 25 من الدستور الدائم وكذلك المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إن الحق في حرية التفكير والرأي قد جاءت مطلقة بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة، و قد اعتبر الفقه بأنه ينطوي تحت هذا الحق حق المواطن "في عدم إزعاجه بسبب رأيه وحقه في السعي وراء الأنباء و الآراء و استقائها بمختلف طرق التعبير"[9].

 

ج- حق المساهمة في الرقابة (المادة 38 من الدستور)

 

و يتفرع هذا الحق من المبادئ الأساسية المقدسة للحرية و الضامنة لحرية التعبير و حق الإسهام في الحياة السياسية. ويتضمن هذا الحق المباشر الذي يتمتع به كل مواطن مساءلة نظام الحكم القائم عن طرق تنظيم الحكم وكيفية ممارسة السلطات.

 

د- حق النقد البناء (المادة 38 من الدستور)

 

وهو متفرع عن المبادئ الأساسية السابقة و يشمل الرأي القائم على تقييم وقائع ثابتة حالية أو تاريخية بهدف البناء عليها لما فيه الصالح العام[10]. إن هدف النقد هو تحقيق حالة مساءلة سياسية واجتماعية دائمة من أجل بناء مجتمع أفضل. إن انعدام وجود حق النقد يجعل الأفكار المؤسسة للمجتمع جامدة متحجرة لا حياة فيها. وكما قرر كبار الفقهاء السوريين فإن "مصلحة الحكم – أي حكم – هي في إطلاق حرية النقد والتعبير عن الآراء وبذلك يطلع على أخطائه فيصلحها، وعلى مواطن ضعفه فيتلافى الخلل فيها"[11]. فالبناء هو محصلة انفتاح الحاكم على النقد واستجابته له.

 

ثانيا- وجوب تطبيق المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية

 

انضمت سورية الى العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية بموجب المرسوم التشريعي رقم 3 تاريخ 12/1/1969[12]. وقد تم كذلك التصديق في نفس المرسوم على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

وقد جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مؤكدا ومفصلا للمبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان التي جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما جاء الدستور السوري موافقا لها.

 

1 )أولوية المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان على القانون العادي

 

إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية، بوصفه معاهدة دولية مصدقة أصولا، قد دخل في الجسم التشريعي في سوريا، فأصبح نافذا على جميع السلطات. وقد أجمع الفقهاء على أن المعاهدة الدولية لها قوة قانونية ترجح فيها على القوانين العادية. إن قوتها من حيث التدرج التشريعي راجحة على القوانين لسببين فهي "أولا مدعومة برباط دولي" و هي ثانيا "معززة داخليا بقانون عادي على اعتبار أنها لا تنفذ إلا بعد التصديق عليها من السلطة التشريعية". فإذا جاءت المعاهدة بنص عام لاحق على نص تشريعي خاص فإن المعاهدة واجبة الترجيح لأنها ذات "رتبة أقوى من حيث التسلسل التشريعي من رتبة القانون العادي"[13]. و في كل الأحوال فإن "الاجتهاد الحديث مستقر على اعطاء الأولوية للمعاهدات اطلاقا" عند تعارضها مع قوانين لاحقة[14].

 

كما أعتبر الفقهاء السوريون بأن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية له نفس القوة القانونية الراجحة، أو "الأولوية على القواعد الداخلية". و في كل الأحوال  فإن تطبيق القضاء للقوانين الداخلية اللاحقة التي تخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية "يعرض القاضي إلى مخالفة روح الدستور وإلى مخالفة ما التزمت به سورية بموجب معاهدة المعاهدات التي هي اتفاقية فيينا لعام 1969 و التي تنص مادتها الـ 27 بأن طرفا متعاقدا لا يستطيع أن يعتد بنصوص من قانونه الداخلي ليبرر عدم تنفيذ معاهدة ما"[15].

 

و قد أكدت الحكومة السورية في تقريرها الدوري الأخير الذي قدمته الى لجنة حقوق الإنسان بموجب المادة 40 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية برجحان هذا العهد و أولويته في القانون الداخلي. فقد جاء في الفقرة 29 من هذا التقرير ما نصه:

 

"لقد صدقت سورية على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في عام 1969، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا العهد جزءا من قانونها الداخلي. وعندما تم وضع دستور الجمهورية في عام 1973، فقد تقيد المشرع بنصوص هذا العهد وكذلك بنصوص المعاهدات التي كانت مصدقة. و عليه فإنه لا يوجد أي تعارض بين مواد الدستور ونصوص العهد. ومن الجدير بالذكر بأنه في حالة التنازع بين أي قانون داخلي و نصوص أية معاهدة دولية تكون فيها سورية طرفا، فإن نصوص المعاهدة تكون راجحة. وقد جاء في قرار محكمة النقض رقم 23 للسنة القضائية 31 ما نصه بأنه "لا يمكن لأي نص تشريعي أن يأتي بقواعد تتعارض مع نصوص معاهدة سابقة أو حتى تأثر على نفاذها"[16].

 

2 )الحضور الدائم للمبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان أمام قواعد القانون الداخلي

 

تجدر الإشارة بأن المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية تجيز للدول استعمال حق عدم التقيد ببعض نصوص العهد عند حالات الطوارئ الاستثنائية المعلنة رسميا والمبلغة أصولا إلى الأمين العام للأمم المتحدة. لقد تم إعلان حالة الطوارئ في سورية بدون التقيد بالاجراءات القانونية الواجبة بالاستناد إلى قانون حالة الطوارئ رقم 51 تاريخ 22-12-1962 أو متطلبات التبليغ الدولي الأصولي[17].

 

وعلى الرغم من إجازة عدم التقيد ببعض فقرات العهد في حالات الطوارئ الاستثنائية، فقد نص العهد صراحة في مادته الرابعة فقرة 2 بأن إعلان حالة الطوارئ لا يحل الدولة من التزامها ببعض الحقوق الوارد في العهد كالمادة 18 التي تؤكد بأن "لكل إنسان حق في حرية الفكر". كما أن العهد قد تطلب صراحة بأن تبقى الأعمال العرفية محصورة بمقتضيات الحالات التي تتضمن تهديدا كبيرا لحياة الأمة[18]، الأمر الذي لا ينفي حضور المبادئ الأساسية التي أقرها في كل الأوقات.

 

كما استقر الفقه و الاجتهاد القضائي في سورية على أن حالة الطوارئ تبقى مقيدة و تبررها حالة الضرورة القصوى[19]. وكذلك فإن الأوامر العرفية تخضع للرقابة القضائية الصارمة للتحقق من مشروعيتها[20]. و عليه فلم تكن حالة الطوارئ لتعطل، من حيث الموضوع، مفعول المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الموجودة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية طالما أن نص العهد قد انخرط في الجسم التشريعي السوري ليكون حاضرا في إنتاج مفاعليه لدى سن القوانين وتطبيقها.

 

وعليه فإن إعلان حالة الطوارئ لا ينفي تأصل المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواردة في العهد في النظام القانوني السوري طالما جرى التأكيد عليها نصا في دستور البلاد لعام 1973. و عليه فإنها تتمتع بقوتها القانونية الآمرة و كذلك برجحانها و أولويتها على القانون العادي. إن ذلك يجعل لهذه المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان حضورا دائما. إن الحضور الدائم لهذه المبادئ عند النظر في تطبيق أي قانون خاص، يوجب الإقرار بأنها تتخذ منزلة الأصل أبدا.

 

لقد أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، من جملة ما أقر، بالمبادئ الأساسية التالية الواجبة التطبيق على قضية الأستاذ رياض الترك:

 

آ- حق الإسهام في إدارة الشؤون العامة مباشرة و بحرية (المادة 25-1 من العهد):

 

 وقد نص التعليق العام على هذه المادة ذي الرقم 25 للجنة حقوق الإنسان والذي يتضمن القواعد التفسيرية الرسمية، على أن هذا الحق واسع النطاق[21]. وقد أكد التعليق أيضا على أن من متطلبات ممارسة هذا الحق بشكل كامل أن تؤمن الدولة التواصل الحر للأفكار والأنباء بين المواطنين في كل ما يتعلق بالشؤون العامة والسياسية (فقرة 25). و كذلك فإن حق الإسهام في إدارة الشؤون العامة يتطلب حرية الإنخراط في النشاط السياسي بشكل فردي أو جماعي و كذلك حرية التحاور و النقاش في الشؤون العامة بالإضافة إلى حرية النقد والمعارضة وحرية نشر المواد السياسية و الترويج للأفكار السياسية (فقرة 25). وقد أكدت الحكومة السورية في تقريرها الأخير أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بالتزامها بتطبيق المادة 25 من العهد، وقد اعتبرت كذلك بأن المادة 25 واجبة التطبيق و هي متوافقة مع المبدأ الأساسي الموجود في الدستور السوري الذي يعتبر أن "المساهمة في إدارة الشؤون العامة هو حق مقدس يتمتع به كل مواطن بشكل مباشر"[22].

 

ب- حق اعتناق الآراء دون أي تعرض (المادة 18 و 19 من العهد)

 

وقد نص التعليق العام على المادة للجنة حقوق الإنسان و الذي يتضمن التفسير الرسمي، على أن العهد لا يسمح بأي استثناء أو تقييد لهذا الحق[23]. وقد أكدت الحكومة السورية في تقريرها أمام لجنة حقوق الإنسان بالتزامها بهذه المادة. كما ذكرت بأن حرية الفكر والرأي مصونة لا يمكن التعرض لها بموجب الدستور (المادة 35(1) و المادة 38 من الدستور)[24].

 

3) الخلاصة

 

بالاستناد إلى ما سبق، فإنه يتوجب عند اعتبار التهم الموجهة للأستاذ رياض الترك بموجب قانون العقوبات العام النظر في المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواردة في كل من الدستور الدائم و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فهذه القواعد لها طبيعة راجحة تعقل قانون العقوبات، وتفسر قواعده الغامضة وخاصة في تلك المواد التي قد تفسر بشكل تعسفي يتجاوز الحقوق المدنية و السياسية للمتهم كما هو الحال مثلاً في المواد 286، 287، 291، و 293 من قانون العقوبات. بالإضافة إلى ذلك فإن المبادىء الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان الواردة في دستورنا الدائم و العهد الدولي حاضرة تقتضي اعمال مفاعيلها حتى عندما تتم المحاكمة خارج مجال اختصاص المحاكم الجزائية العادية

 

ثالثا- التذكير ببعض المبادئ العامة الإجرائية و التفسيرية التي تحكم القرار القضائي

 

لقد أشارت مجريات المحاكمة إلى أن فريق الدفاع عن الأستاذ رياض الترك كان قد طعن في مرحلة سابقة بعدم دستورية محكمة أمن الدولة العليا. و يبدو أنه كرر هذا الطعن أثناء الدفاع من حيث المضمون.

 

على الرغم من الدفع بعدم دستورية الإبقاء على محكمة أمن الدولة العليا، فإن ذلك لا ينفي الطبيعة القضائية لهذا الجهاز، طالما بقي موجودا فعليا. فالمحكمة تفصل في الجرائم المحالة إليها بمقتضى القانون، وهي بذلك تطبق القانون. و بالرغم من إشارة نص المادة 7 فقرة (أ) من المرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28/3/1968 المتضمن إحداث المحكمة على عدم التقيد بالإجراءات الأصولية المنصوص عليها في التشريعات النافذة، فقد احتفظ القانون بوجوب صيانة حقوق الدفاع، للتأكيد على صفتها القضائية المستقلة. إن الصفة القضائية للمحكمة التي توجب عليها تطبيق القانون، تفرض على محكمة أمن الدولة كذلك التقيد بالمبادئ الإجرائية العامة، التي تتجاوز قوانين الأصول الخاصة التي وردت فيها، لأن لها صفة عامة آمرة واجبة تطبيق من قبل أي محكمة تحت أي ظرف.

 

لا بد من التذكير ببعض من هذه المبادئ العامة الإجرائية و التفسيرية التي يتوجب على محكمة أمن الدولة العليا تطبيقها. ويذكر التقرير بشكل خاص شروط وحدود أعمال القناعة الوجدانية للمحكمة. كما سيتم التطرق إلى المبادئ العامة في الإثبات الواجبة التطبيق على قضية الأستاذ رياض الترك، قبل أن يتم الحديث عن قواعد التفسير التي يتوجب اتباعها لاستجلاء معنى الأقوال المدعى بها.

 

1 ) شروط وحدود اعمال القناعة الوجدانية للمحكمة

 

تتحلى نصوص التشريع الجزائي بصفات دقة التعبير ووضوح اللفظ و استخدام الكلم الصريح للدلالة على المعاني المحددة. أما النصوص القانونية المتضمنة للجرائم المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك، فالتعابير فيها غير واضحة المعالم ولا محددة الأطراف وظلال الألفاظ متموجة تتسع لكل شئ، كما أقر بذلك كبار الفقهاء السوريين[25]. غير أن الفقه أكد على أنه على الرغم من الحرية الواسعة في التقدير التي منحها المشرع للقاضي في مثل هذه الجرائم، فإن هذا الأخير مرتبط بشرف الضمير و نزاهة الوجدان ورهافة الحس في تمييز الغث من السمين، "فلا عاصم للمواطن من تعسف السلطة إلا شرف القاضي و نزاهته"[26].

 

يشكل وجدان المحكمة حصنا لدرء التعسف و هو ليس أداة تعسف. إن المحكمة، في اتخازها لقرارها، تتبع نطاق "العقل المتئد والتفكير الناضج والمنطق السليم والمنهجية المنتظمة"[27]، وتبنى على تمحيص الوقائع[28]، والمداولة وتسبيب أي قرار قضائي بناء على أدلة صحيحة تم النقاش حولها بين الخصوم في جلسة علنية.

 

كما أن اعمال القناعة الوجدانية محكوم بمبدأ التفسير الضيق للجرائم و العقوبات انطلاقا من المبدأ الدستوري أن "الإنسان برئ حتى يدان بحكم قضائي مبرم". فإذا اعتمد القضاء منطق التفسير الواسع لجرائم ذات نطاق تطبيق فضفاض أساسا، لتحول قانون العقوبات سيفا على المواطن بدلا من أن يكون ضامنا للسلم الأهلي[29].

 

2) المبادئ العامة الواجبة التطبيق في الإثبات

 

يقوم الإدعاء بالجرائم المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك على أقوال تمت كتابتها أو التصريح بها في مواضع متفرقة. و إذا أقام الأستاذ رياض الترك البينة على أن الأقوال المدعى بها تحمل في طياتها شكا أو شبهة باحتوائها المعنى المدعى به، بالنظر إلى أقواله في مجملها، فيتوجب على المحكمة إهمال الدليل الذي ساقه الإدعاء[30].

 

ومن نافلة القول بأن المبدأ العام الذي يتوجب على محكمة أمن الدولة العليا أن تطبقه هو أن عبء الإثبات يقع بكامله على الإدعاء المتمثل بالنيابة العامة لأمن الدولة. ويتوجب على النيابة العامة أن تقيم الدليل، في الجرائم المنسوبة للأستاذ رياض الترك، على كافة عناصر الجرائم المادية والمعنوية[31]. فإذا عجز الإدعاء عن إثبات ما زعمه وجب على المحكمة الحكم بالبراءة[32]. و إذا أنكر المدعى عليه الجرم المعز إليه أو اعتصم بالصمت، فيجب أن يعزى ذلك إلى الاحتجاج الصامت بأنه برئ، و على النيابة العامة أن تثبت خلاف البراءة بتقديم الدليل القاطع[33].

 

3) قواعد تفسير القول

 

لقد سبقت الإشارة بأن الجرائم المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك تقوم على أقوال كان الأخير قد أدلى بها كتابة أو بشكل شفهي في مواضع متفرقة. و المعلوم بأن الأقوال هي مجموعة الكلمات التي تتضمن معنى طبيعيا يجدر تحديده بشكل سليم عند النظر في وقوعه تحت طائلة التجريم. وحقيقة الأمر فإن البحث في المعنى الطبيعي الذي يرمي إليه القول يتطلب استجلاء مجموعة القواعد المنطقية في تفسير النصوص و الأقوال العامة. إذ قد يحمل القول على الوضوح أحيانا و على الغموض أحيانا أخرى. كما أن تعدد المتلقين للقول العلني قد يقود الى تعدد المعاني التي يستخلصها كل متلق من نفس القول. و المحكمة كجهاز قضائي حيادي، يلزم لها أن ترتكن الى المعنى الموضوعي للأقوال، لا الى الانفعال الذي يثيره القول في أي من الخصوم و خصوصا لدى الإدعاء. و المعنى الموضوعي لا يتم استخلاصه بمنطق سليم الا بالاعتماد على مجموعة قواعد تفسير القول التي أقر بها الفقهاء[34].

 

و تشير الوقائع بأن الأستاذ رياض الترك لم يستعمل حيلا بيانية للتخلص من المسؤولية، فقد اعتمدت أقواله المدعى عليها على الكلم الصريح.

 

و قد يمكن إجمال هذه القواعد التفسيرية للكلام بما يلي:

 

آ- التفسير على جملة القول بدون تجزئة

 

و تقتضي هذه القاعدة أن لا يتم اجتزاء عبارة من وسطها التعبيري بشكل يحملها معنى فيه مغالاة لمضمونها أو تغييرا في محتواها، أو تناقضا مع المعنى العام الذي يريد كامل القول إيصاله.

 

أما إذا تضمن القول تساؤلات طرحها قائلها في معرض الكلام، فإنها لا يمكن أن تتخذ على أنها يقينية إذا كان مجمل النص أو القول ينفيها. و إذا تضمن القول فرضيات أفضى البحث فيها على اعتبارها غير محققة، فلا يمكن اعتبارها أقوالا مثبتة من حيث الواقع على قائلها.

 

ب- اعتبار ظروف مجمل القول

 

و حين النظر في مجموعة أقوال تم التصريح بها على مرات متفرقة، فإنه يجدر الأخذ بجملة هذه الأقوال و بالنتائج النهائية التي خلصت إليها. وعند اعتبار جملة الأقوال، فإنه يجدر إعطاء الأولوية للأقوال التي سبق إعدادها فجاءت كتابة، عن الأقوال التي تمت بشكل شفهي. إذ أن الأولى تؤسس للثانية و تفسرها، كما أن الكتابة تطلب الروية في إيجاد التعبير الذي يبرز المعنى المراد، و عليه فإن قوة أكبر في الدلالة على المعنى المراد. أما الحديث الشفهي فيتميز بالعفوية، و عليه فمعناها ينجلي من مجمل القول الذي تفسره الكتابة.

 

لقد طلب الأستاذ رياض الترك أثناء جلسات المحكمة أن تؤخذ أقواله بمجملها بالنظر إلى النتائج التي وصلت إليها. و قد أكد في مرات عديدة بأن محاضرته في منتدى جمال الأتاسي تلخص وجهة نظره سابقا و لاحقا

 

سيتم الإشارة فيما بعد إلى أقوال الأستاذ رياض الترك كما يلي:

 

1-     مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2000

2-     مقابلة الموند تاريخ 27/6/2000

3-     مقال ملحق النهار تاريخ 22/7/2000، و الذي نشر أيضا في صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن تاريخ 26/7/2000

4-  مداخلة قناة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، تاريخ 13/3/2001، كما تم تفريغها في موقع قناة الجزيرة على الانترنت <www.aljazeera.net>

5-  محاضرة منتدى جمال الأتاسي تاريخ 5/8/2001، كما تم نشرها على حلقتين في صحيفة الحياة الصادرة في لندن بتاريخ 9 و 10/8/2001، و كذلك مداخلته في المنتدى كما تم نقلها من مصادر مختلفة من الحضور.

6-     مداخلة قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود تاريخ 15/8/2001، كما تم تفريغها في موقع قناة الجزيرة على الانترنت.

 

 

ج- اعتبار المعنى الطبيعي لمجمل القول بمعيار الرجل العادي

 

يجب أن يتم التفسير حسب المعنى الطبيعي المستفاد مباشرة من القول، بدون تكلف أو مبالغة أو تحريف. و يتضمن المعنى الطبيعي قصد القائل، فلا عبرة لفهم الطرف المشار اليه في القول.

 

و يؤخذ بمعيار الرجل العادي، أي يصرف المعنى إلى المعنى الذي يفهمه الرجل العادي من نفس الوسط الذي حدث فيه التعبير إذا سمع أو قرأ مجمل القول. وعليه فلا عبرة للانفعال الذي يمكن أن يحدثه التعبير في الطرف المشار إليه في القول. وعندما يشير القول إلى السلطة العامة وممارساتها، فإن على النيابة العامة التي تمثلها أن تقدم تكييفا للمعنى متوافقا مع المعنى الطبيعي الذي يمكن الوصول اليه بشكل موضوعي عند الإدعاء بالتجريم. و يرجع للمحكمة ولاية الرقابة على تكييف النيابة للمعنى و كذلك صلاحية استجلاء المعنى بشكل موضوعي.

 

د- تفريق فعل ابداء الرأي عن فعل نقل النبأ

 

إن الجرائم القائمة على الأقوال، تتطلب التشديد على التفريق البديهي بين نقل النبأ و إبداء الرأي.

 

(1)        أما نقل النبأ فهو إيراد واقعة أو حدث حال أو ماض غير معلوم تم على أرض الواقع بشكل مجرد عن أي تقييم، و قد يكون الحدث قد وقع فعلا أو لم يقع، كما و قد يعرف ناقل الخبر كذب الخبر أو لا يعرف و لكل حكمه.

 

(2)        و أما إبداء الرأي فهو يتضمن تقييما للحدث أو الواقعة الحالية أو الماضية المعلومة، بحيث يتم إسباغ الصفات عليها أو الحكم عليها من قبل القائل. و يكون مصدر هذا التقييم ذاتيا لقائله. في حالة الأستاذ رياض الترك، فإن أي تقييم أو حكم يعتمد أساسا على الأرضية العلمية عن الحقل السياسي و أصول الحكم التي ألم بها على مر السنين، و كذلك على الممارسة السياسية في الحقل السياسي

 

من الواضح بأن المبادئ الأساسية التي سبق تعدادها الواردة في الدستور الدائم لعام 1973 و في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية تتضمن مبدأ عاما يقضي بضمان حرية الرأي، بغض النظر عن الأرضية الفكرية لهذا الرأي.

 

إن انخراط مبدأ حرية الرأي في الجسم التشريعي يقتضي اعتباره الأصل. و ما النصوص التشريعية الخاصة التي تنظم بعض وجوه إبداء الرأي إلا استثناءات يقتضي حصرها في نطاقها الضيق.

 

إن الجرائم الواردة في قانون العقوبات العام التي استند إليها الإدعاء على الأستاذ رياض الترك ليست إلا بعضا من هذه الاستثناءات. فإذا ظهر بأن الوقائع المدعى بها خارجة عن النطاق الضيق لهذه الاستثناءات، فإن على القاضي تطبيق مبدأ حرية الرأي بكل مفاعليه القانونية. لقد جاءت المطالبة بالنيابة عن الأستاذ رياض الترك لتلتمس البراءة من التهم المدعى بها. غير أن القضية تطلب في كل الأحوال تطبيق مبدأ حرية الرأي كمبدأ قانوني ملزم. و يقتضي إعلان هذا التطبيق الحكم بالتعويض للأستاذ رياض الترك عن الضرر الذي سببه خرق أمر القبض و الإحالة العرفي لمبدأ حرية الرأي و ذلك بموجب القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية.

 

رابعا- انتفاء أي اعتداء من قبل الأستاذ رياض الترك بهدف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة

 

نصت المادة 291 من قانون العقوبات العام على ما يلي:

 

1-      يعاقب على الاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة بالاعتقال الموقت خمس سنوات على الأقل.

2-      و تكون العقوبة الاعتقال المؤبد إذا لجأ الفاعل الى العنف.

 

سيتناول التقرير تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة كما وردت في القانون قبل مناقشة الوقائع المدعى بها.

1 )في تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة

آ- فعل الاعتداء

 

من المتفق عليه فقها على أن استعمال المشرع لكلمة "الاعتداء" الواقع على الدستور يفيد تجريم سلوك طريق العصيان و العدوان، و العنف و الإكراه، و حيازة السلاح و حض الجماهير على القيام بأعمال الشغب باستنفار الجماعات للتظاهر ضد السلطات العليا، أو تجنيد و تطويع المواطنين، أو استعمال الذخائر و توسل الفتنة و الإرهاب"[35].

 

إن القانون يستهدف تجريم فعل القيام بتجهيز الوسائل و الأسلحة و العتاد[36]. و على الادعاء إقامة الدليل القاطع بأن الأستاذ رياض الترك قد قام بإعداد العدة بشكل مادي محسوس لذلك حتى يتحقق ركن الاعتداء، ولو لم يصاحب اعداد العدة العنف، إذ أن ذلك ظرف مشدد.

وقد يدخل في إعداد العدة التحريض على استعمال العنف أو العصيان أو الشغب أو الإرهاب. إلا أن فعل الاعتداء المجرم لا يمكن أن يشمل فعل الحث بالطرق السلمية على تغيير الدستور عبر المطالبة العلنية المعتدلة و المعقولة و المقبولة و الحوار الصريح، فهذا يضمنه مبدأ حرية الرأي.

ب- استعمال طرق غير مشروعة لهدف تغيير الدستور

 

لقد اتفق الفقهاء على أن هدف تغيير الدستور ليس بحد ذاته هدفا غير مشروع. وقد أجمع الفقه على أن من حق المواطنين المطالبة بتغيير الدستور لمواكبته ظروف الحياة، فالدستور "ليس كالناموس، لا ينتقض، بمعنى أنه يمكن و حتى يجب تعديل دستور الدولة"[37].

 

وحقيقة الأمر فقد أقر كبار الفقهاء بأن:

"مفهوم الدستور نفسه يستنتج امكان تعديله، فالدستور من الوجهة الحقوقية لا يعدو أن يكون قانونا و القانون بطبيعته يقبل التعديل دائما، و الدستور من الوجهة السياسية يحدد تنظيم الدولة بناء على الشروط السياسية و الاجتماعية القائمة في وقت معين و هذه الشروط قابلة للتغيير فلا يمكن تحديد تنظيم الدولة بشكل ثابت لا يقبل التبديل لأنه قد يغدو مع الزمن متعارضا مع حاجات الدولة و ضروراتها"[38].

 

وفي ظل تأصل المبادئ الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان في الضمير العالمي و تبنيها في دساتير سورية المتعاقبة و آخرها دستور سورية الدائم لعام 1973، فإن هذه المبادئ تبقى حاضرة عند كل تغيير. أما المبادئ التنظيمية فهي خاضعة للتبديل حسب الأحوال. ويدخل في هذه المبادئ التنظيمية مثلا شرط العمر لترشيح رئيس الجمهورية، ومبدأ قيادة حزب للدولة والمجتمع. وعليه فإن قانون العقوبات لا يجرم بشكل مطلق المطالبة بتغيير الدستور، ولكنه يستهدف فقط استخدام الوسائل غير المشروعة أثناء المطالبة بتغيير الدستور.

 

لقد أقر الفقهاء بأن تقدير مشروعية طرق استهداف تغيير الدستور لا ينحصر بالنص الحرفي لمواد الدستور فيما إذا نصت على طريقة للتعديل. و إنما يجري تقدير المشروعية بالاستناد إلى مدى انسجام هذه الطرق مع روح المادة التي تحكم التعديل.

 

و عليه، فعلى الرغم من حصر المادة 149 فقرة 1 طلب التعديل برئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس الشعب، فإن دعاوى المواطنين بتغيير الدستور، تكون مشروعة إذا جاءت متوافقة مع متطلبات و روح المادة 149.

 

إن الشعب هو مصدر السلطات. و عند انتخاب رئيس الجمهورية أو أعضاء مجلس الشعب، فإن العضو المنتخب أو رئيس الجمهورية يتبوأ منصبه ممثلا للشعب، في دائرته أو بكامله بحسب الحال. إن روح الدستور تقتضي كذلك تواصل عضو مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية مع المواطنين، بحيث يكون لكل مواطن سواء كان منظما في الأحزاب المرخصة أو المنظمات الشعبية أم لم يكن، الحق في مطالبة نائبه أو رئيسه بحسب الحال باقتراح أي تعديل على الدستور بحسب ما تقتضيه الظروف. إن المادة 149 تفترض أن ينبت اقتراح التعديل من التربة الشعبية ليأخذ طريقه عبر المطالبة العلنية الفردية أو المنظمة إلى وجدان النائب، فمجموعة النواب الى أن يتم التداول فيه تحت قبة مجلس الشعب. إلا إذا اعتبر بأن أعضاء مجلس الشعب منفصلون عن قاعدتهم الشعبية بحيث لا يحق لهم التواصل مع أبناء الدائرة الانتخابية أو سماع مطالباته، فإن في ذلك فهما منحرفا لروح الدستور و منطوقه.

 

وعليه، فقد أقر الفقه في مصر مثلا عند اعتباره للمادة 189 من الدستور المصري المتعلقة بتغيير الدستور و المشابهة للمادة 149 من الدستور السوري بما يلي:

 

"فاجتماع الناس في ندوات لتبادل الرأي و اقتراح تغيير الدستور، و التقدم بهذا الاقتراح فرديا أو جماعيا الى رئيس الجمهورية أو الى بعض من نواب الشعب، أمر لا ملامة فيه و يعتبر استخداما لحق مشروع"[39].

 

إن المطالبة العلنية بتغيير الدستور عن طريق القول أو الكتابة أو البيانات الجماعية هي مشروعة لأنها تنسجم مع روح الدستور السوري.

 

 و في كل الأحوال، فإن المطالبة العلنية بتغيير الدستور البعيدة عن أي فعل اعتداء تشكل بحد ذاتها قرينة على المشروعية.

 

ج- استهداف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة

 

بالإضافة إلى استخدام طرق غير مشروعة، التي يجب إثباتها كواقعة مادية، فإن على الإدعاء إقامة الدليل على القصد "باستهداف" تغيير الدستور بطرق غير مشروعة. إذ لا يكفي على الإدعاء إقامة الدليل على "استهداف" تغيير الدستور، الأمر الذي لا نزاع في مشروعيته من حيث المبدأ. بل يتوجب على الإدعاء إقامة الدليل القاطع على أن نية المدعى عليه استهداف تغيير الدستور تتجه إلى استعمال طرق غير مشروعة، تتجاوز المطالبة العلنية التي يكفلها مبدأ حقي الرأي و الإسهام المباشر في الحياة السياسية.

 

2) مناقشة الوقائع المزعومة

 

آ- وصف سورية بأنها سجن كبير بسبب هذا الدستور الذي جعل من حزب البعث مقرر للأمور

 

وردت الإشارة إلى السجن الكبير في مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2001. كما وردت الإشارة إلى تغيير الدستور في موضع آخر أثناء المقابلة مع جريدة الموند الفرنسية تاريخ 27/6/2000. نورد فيما يلي القولين كما جاءا في المصدرين:

 

مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2001

"بالمعنى العام لا أعتقد بأننا في سورية نتمتع (أو نستمتع بحريتنا). إنني حر بمعنى خروجي من السجن الصغير الى السجن الكبير. و علينا جميعا أن نسعى الى فتح أبوابه ليس بحثا عن الحرية القصوى و إنما سعيا الى استرداد الحريات العادية التي سلبت من الناس. و هذا لا يمكن أن يتحقق الا من خلال نضال شعبي و تعاون مختلف القوى ضمن اطار برنامج وطني ديموقراطي".

 

مقابلة مع جريدة الموند الفرنسية تاريخ 27/6/2000

"هو يتكلم عن اصلاحات اقتصادية و إدارية، و عن تطوير عبر ادخال التقنيات الحديثة. و لكن بنظري، فإن الإصلاح الملح في سورية هو الإصلاح السياسي، الذي يعطي للشعب كلمته، و هذا يسمح للبرلمان أن يشرف على شؤون الدولة من جديد. بدون هذه العودة الى المبادئ الجمهورية، فإن سوريا ستبقى على حالها الراهنة: نظام شمولي و جمهورية وراثية. قبل أن نتكلم عن الإصلاح الإداري، يجب تعديل و تغيير الدستور الذي يجعل حزب البعث مقررا للأمور..."

 

ليس في وصف سورية بأنها سجن كبير أي مطالبة لتغيير الدستور. أما المطالبة بتغيير الدستور الذي يجعل حزب البعث مقررا للأمور فقد تمت بمعرض المطالبة بالإصلاح. و قد جاء ذلك منسجما مع مطالبات عقلانية حفل بها المجتمع السوري اعتبرت ان صيغة الدستور قد تتضمن عوامل استبداد لحزب واحد[40]. و قد شدد الأستاذ الترك على الدعوى إلى "تعاون مختلف القوى"، دون استثناء. و قد حدد الإطار السلمي لهذا التعاون، على أنه "إطار وطني ديموقراطي" أو إطار حواري حقيقي. إن التصور الإصلاحي و التعاوني ينفي وجود فعل أو نية للاعتداء، كما ينفي استعمال الأساليب غير المشروعة الخارجة عن الإطار السلمي.

 

ب- اختصار المجتمع السوري بكلمتي موافق و غير موافق يدلي باحداهما المواطن المكبلة يداه بالخوف لاختيار مرشح وحيد لم يتضح برنامجه السياسي (مقال ملحق النهار 22/7/2000)

 

ليس في هذه المقولة دعوة لتغيير الدستور من حيث الواقع. وإنما تتضمن هذه العبارة توصيفا لحالة المجتمع السوري أثناء الاستفتاء على ترشيح رئيس الجمهورية، و كذلك وصفا لنفسية المواطن الخائفة، وأخيرا وصفا للبرنامج السياسي للمرشح الرئاسي. وقد يتفق المتلقي مع هذا التوصيف أو يرفضه، فيعتبره خاطئا. إن هذه المجموعة من التوصيفات تدخل ضمن نطاق مبدأ حرية الرأي المصونة قانونا، رغم امكان وجود اختلاف بشأنها.

 

ج- الشعب لا خيار له (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

ليس في هذه المقولة دعوة لتغيير الدستور من حيث الواقع. إن هذه المقولة تتضمن توصيفا لحال الشارع السوري غير المنتمي إلى حزب البعث الذي يمثل الأغلبية الساحقة من أفراد الشعب، في الخيارات المطروحة أمامه عند ترشيح رئيس الجمهورية. إن هذا القول ينتمي أساسا إلى نطاق الرأي المحصن قانونا، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

د- إن الإصلاح السياسي المنشود ينطلق من إقامة نظام وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية التي تنفي مقولة الحزب القائد (مقال ملحق النهار 22/7/2000)

 

تطالب هذه المقولة علنا بتغيير الدستور وخصوصا المادة الثامنة التي نصت على أن حزب البعث هو الحزب القائد في المجتمع و الدولة. و تعبر هذه المقولة عن حكم بضرورة حصول هذا التغيير، نظرا لاعتبار الأستاذ رياض الترك بأن المبادئ التنظيمية للمجتمع والدولة الواردة في الدستور لم تعد صالحة مما يستدعي تغييرها. ولم تخرج هذه المطالبة عن المطالبة العلنية. لقد جرت المطالبة تحت إطار العمل من أجل "الإصلاح"، كطريق لتغيير الدستور. وليس في الدعوة إلى الإصلاح أي فعل يتضمن إعدادا للعدة أو تجهيزا من أجل الحمل على العصيان لإحداث التغيير. كما أن الدعوة إلى نظام وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية يتضمن وصفا للهدف النهائي، الذي يعتقد الأستاذ رياض الترك بأنه أكثر عدلا، ذلك الهدف الذي يشمل برأيه جميع الأطياف السياسية في المجتمع السوري. يخرج هذا القول من نطاق التجريم، و يبقى مصون قانونا على أنه رأي حر، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

هـ النظام الشمولي (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

ليس في هذه المقولة مطالبة أو استهداف بتغيير الدستور. إن هذه المقولة تتضمن وصفا لمرحلة تاريخية في الحكم بناء على الأنماط العلمية لطرق الحكم المعروفة في ميدان العلوم السياسية، و التي لا يحملها المختصون عادة بعدا تقييميا’ بل يبقى مفهوما حياديا. يخرج هذا القول من نطاق التجريم، و يبقى مصون قانونا على أنه رأي حر، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

و- يمكن اختصار الوضع في البلاد بكونه أزمة ركود شامل و تأخر و انسداد افق في كافة الميادين

 

ليس في هذه المقولة مطالبة أو استهداف بتغيير الدستور. إن هذه المقولة تتضمن وصفا للمرحلة الحالية. يخرج هذا القول من نطاق التجريم، و يبقى مصون قانونا على أنه رأي حر، رغم إمكان وجود اختلاف بشأنه.

 

 

 

 

 

 

3) الخلاصة

 

تشير هذه الأقوال إلى انتفاء وجود أي اعتداء، كواقعة مادية. و كذلك فإنها لا تشير إلى استعمال الأستاذ رياض الترك للطرق غير المشروعة في مطالبته العلنية بتغيير الدستور، أو الى وجود نية باتباع الطرق غير المشروعة.

 

لم تخرج أقوال الأستاذ رياض الترك عن المطالبة العلنية بتغيير الدستور. وهي حق لكل مواطن بوصفه مصدرا لكل السلطات، وكذلك بمقتضى حقه المباشر بالإسهام في إدارة شؤون الدولة و كذلك حقه في التعبير عن الرأي.

 

خامسا -انتفاء أي فعل للأستاذ رياض الترك لإثارة عصيان مسلح

 

نصت المادة 293 من قانون العقوبات العام على ما يلي:

 

1-     كل فعل يقترف بقصد اثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور يعاقب عليه بالاعتقال الموقت.

2-     إذا نشب العصيان عوقب المحرض بالاعتقال المِؤبد و سائر العصاة بالاعتقال الموقت خمس سنوات على الأقل.

 

سيتناول التقرير تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة كما وردت في القانون قبل مناقشة الوقائع المدعى بها.

 

1 )في تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة

 

آ- فعل الإثارة

 

لقد عرف الفقهاء مجموعة الأفعال التي يمكن أن يشملها اصطلاح "الإثارة". و هي تشمل على وجه الخصوص "الدعوى إلى الامتناع و الرفض و عدم القبول أو الطاعة مرورا، بالمهرجانات و الاجتماعات العامة، التي تسيطر عليها عدوى الهيجان و الغليان إلى استثمار عواطف و نزوات الشعوب"[41]. وعليه فإنها تتميز بكونها توجه نفسها إلى استثارة العواطف أو الانفعالات السطحية. و يجدر تفريق الإثارة المجرمة عن الأقوال التي تطرح نفسها كوصف للواقع الاجتماعي أو كفرضيات علمية للتحقق منها عبر الملاحظة و التجربة. إن مثل هذ الأقوال لا توجه نفسها الى العواطف، و إنما تسعى الى طرق باب العقل عند متلقيها. و هي و إن كانت تتضمن وصفا للواقع فإنها لا تلزم الا صاحبها، إذا أنها تطرح نفسها على الحقل العام، فيجري التحقق منها من قبل البعض و رفضها من قبل البعض الآخر. و هي في كل حال تتنمي الى عالم الرأي الحر المصون قانونا.

 

كما أن الإثارة تتميز عن المطالبة العلنية. إذ في حين أن الأولى تتوجه إلى العواطف السطحية لتستثيرها على فعل شئ، فإن المطالبة العلنية، تتوجه إلى العقل بروح حوارية و بناء على قراءة هادئة لما هو عليه واقع و ما يجب عليه أن يكون.

 

يقع على الإدعاء إثبات أن الأفعال المدعى بها توجه نفسها ألي العاطفة لتأججها بشكل سطحي. كما يقع على الإدعاء إقامة الدليل على أن الأقوال المدعى بها غير موجهة آلي العقل.

 

ب- إثارة العصيان المسلح

 

يتطلب إثارة العصيان المسلح التوجه آلي الجماهير باستثارة عواطفها السطحية من أجل حملها على "رفض الوضع الكامل برمته"[42]. و لا يكتفي المشرع، في وصفه لحالة العصيان، بمجرد فعل إثارة حالة رفض سلبية، و إنما يتجاوزها ليتطلب وجود حالة إثارة الرفض الكامل بشكل منظم و منهجي. إن ذلك يتحقق بنظر المشرع عندما يصاحب حالة العصيان تسليح جماعة معينة، و إن لم يفض ذلك آلي النشوب الفعلي للعصيان، الذي يعتبره القانون مجرد ظرف مشدد.

 

و عليه فإن على الإدعاء إقامة الدليل على أن الأستاذ رياض الترك قد تجاوز في أقواله حدود الوصف المعقول للواقع، ليتخذ شكل الحض على الرفض الكامل، المنظم الذي يتخذ طابعا صداميا و تسليحيا.

 

ج- ضد السلطات القائمة بموجب الدستور

 

و قد أقر الفقه بأن المشرع اقتصر على حماية السلطات العليا القائمة بموجب الدستور[43].

 

د- نية إثارة العصيان المسلح

 

يتوجب على الإدعاء إثبات انصراف نية المدعى عليه آلي إثارة العصيان المسلح. إذ لا يكفي إقامة الدليل على أن الأقوال كان من شأنها أن تلهب العواطف السطحية، و إنما يتوجب اثبات أن نية المدعى عليه انصرفت الى الحمل على القيام بعصيان مسلح. أما إذا أظهرت الوقائع بأن المدعى عليه قصد في دعواته ما هو مناف للعصيان، فإن في ذلك قرينة على انتفاء وجود النية الجرمية.

 

 

2) مناقشة الأقوال المدعى بها

 

آ الدعوة الى النضال الشعبي

 

فيما يلي عرض للنص الذي ذكر فيه الأستاذ رياض الترك مفهوم النضال الشعبي:

 

مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2001

"إنني حر بمعنى خروجي من السجن الصغير الى السجن الكبير. و علينا جميعا أن نسعى الى فتح أبوابه ليس بحثا عن الحرية القصوى و إنما سعيا الى استرداد الحريات العادية التي سلبت من الناس. و هذا لا يمكن أن يتحقق الا من خلال نضال شعبي و تعاون مختلف القوى ضمن اطار برنامج وطني ديموقراطي".

 

لقد ورد مفهوم "النضال الشعبي" سابقا مباشرة لمفهوم "تعاون مختلف القوى". يبدو من السياق بأن تصور الأستاذ رياض الترك المثالي لمفهوم النضال الشعبي هو في ظل إطار تعاوني بين مختلف القوى، بدون استثناء بما في ذلك السلطة القائمة. و النضال هو نضال الكل في موقعه، من أجل النهوض بالمجتمع. إن الإطار التعاوني المحدد ينفي وجود نية أو تصور أو فعل إثارة لعصيان مسلح، حيث لا يمكن الحديث عن تعاون و إنما مقاومة و اقتتال.

 

ب- وصف السلطات العليا بأنها قائمة على القمع و الاستبداد

 

 

لقد جاء الحديث عن الاستبداد في معرض التقييم الهادئ الذي يتوجه آلي عقل المتلقي لمرحلة تاريخية مضت برحيل الرئيس حافظ الأسد. ليس في الإشارة إلى الاستبداد و الشمولية إثارة بمقتضى المادة 293 من قانون العقوبات العام. وإنما يتضمن القول وصفا لطريقة ممارسة الحكم في مرحلة تاريخية مضت من تاريخ سورية. وقد جاء تعبير الاستبداد بشكل توصيفي لظاهرة معينة ولكنه غير محمل بتقييم أخلاقي. فقد أشار في محاضرته في منتدى جمال الأتاسي إلى أن الاستبداد من وجهة نظر علم الاجتماع "يمكن أن يكون فيه بعض القبول لمرحلة طبيعية في تاريخ الدول". وقد برز ذلك في وصفه لذهنية الحكم الحالي بأنها قائمة على فكرة "المستبد العادل"، حيث لم ينازع في وجود المستبد طالما فسح المجال للحوار الحقيقي حول مفهوم العدل. و عند التوافق على هذا المفهوم يتحول الاستبداد آلي سيادة القانون الذي جرى التعاقد عليه بالطرق السلمية. إن هذا التوصيف هو من قبيل الرأي، الذي يتوجب احترامه قانونا عملا بمبدأ حرية الرأي، رغم إمكان وجود اختلاف عليه.

 

و في مقابلة قناة الجزيرة تاريخ 15/8/2001 وصف الحال التي يعتبر أن الشعب السوري يريدها وهي "الخلاص من الاستبداد" إذ أن "الناس يتطلعون إلى حياة أفضل". وعندما سئل عن الطريقة، أجاب بإشارته آلي التسامح: "مجتمعنا يمكن أن يتسامح إذا جرت مصالحة وطنية". إن الحديث عن التسامح كطريقة للخلاص من الاستبداد، تنفي، بما لا يدع مجالا للشك، وجود أية فعل أو نية لإثارة حالة عصيان مسلح.

 

ج- الشعب لا خيار له (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

لقد جاءت هذه العبارة في سياق وصفي لما كانت عليه عملية الترشيح الرئاسية. و يتفق المرء مع هذا الوصف و قد يختلف، و لكن يبقى هذا القول في نطاق الرأي الحر المصون قانونا، رغم إمكان وجود عليه.

 

د- السجن الكبير (مقابلة الحياة تاريخ 17/1/2001)

 

يتضمن هذا التعبير وصفا لحال الحريات الموجود في سورية. وهو جاء في معرض المقارنة مع تجربة السجن الطويلة و غير العادلة التي عاشها الأستاذ رياض الترك. و قد استعار الأستاذ رياض الترك صورة السجن ليصف شعوره أمام حال الحريات في البلاد. إن هذا التوصيف هو من قبيل الرأي، الذي يتوجب احترامه قانونا عملا بمبدأ حرية الرأي، رغم إمكان وجود اختلاف عليه.

 

هـ حرية الشعوب لا تستجتدى و إنما تنتزع انتزاعا

 

وردت هذه العبارة في موضعين:

 

مقابلة الحياة 17/1/2001

"لكنني مع ذلك لا أعتبر اطلاقي منحة من السلطة أو حالة من التسامح (كما قال بعضهم)، إذ أن خروجي من السجن كان حقي. و الحقوق تنتزع و لا تستجدى. من حقي أن أكون حرا، و من حقي أن أصرح بما أقتنع به في كل القضايا السياسية و الاجتماعية و سواها".

 

مقال ملحق النهار 22/7/2000

"و مع ذلك يظل من الملح أن يكسر حاجز الخوف و أن يفتح باب الحوار داخل المجتمع و أن تتضامن الجهود لاخراج الناس من حالات الإحباط و الامتثال التي يعيشونها، و يخطئ من يتوهم أن المبادرة في هذا الإتجاه تهبط من السماء أو تمن بها السلطة على الشعب. إن مهمة كل سياسي و نقابي و مثقف و كاتب، بما يملكه من رأس مال رمزي و ثقل معنوي، هي المساهمة في اخراج شعبنا من بحر الأكاذيب الى بر الحقيقة. و ذلك بشتى الطرق السلمية كالنضال العلني و البيانات الموقعة و الرأي الحر الفردي و الجماعي، الواضح و الصريح... و قد علمتنا السنوات الطويلة المديدة معنى الحرية و معنى التمتع بها و الحفاظ عليها. لكنها علمتنا أيضا أن حرية الشعوب لا تستجدى و لكنها تنتزع انتزاعا".

 

 
يشير سياق النصوص الى أن لهذا القول بعدين أحدهما شخصي و الآخر عام. يتضمن هذا التعبير، في بعده الشخصي، حكما على تجربة السجن التي مر بها الأستاذ رياض الترك. فقد حجزت حريته طوال عشرات السنين بشكل غير شرعي، بسبب ممارسته لحقه في الإسهام في الحياة العامة، و كذلك حقه في التعبير عن الرأي. و انتزاع الحرية بالنسبة للأستاذ رياض الترك جاء بعد المقاومة الصامتة لظروف الاعتقال القاسية، مع الثبات على الحق في قول الرأي بحرية. إن ذلك يتضمن وصفا لحالة اطلاقه من الاعتقال، فهي لم تأت، بالنسبة للأستاذ الترك، بعد استجداء و توسل لرفع اعتقال غير شرعي، و إنما بعد الثبات الصامت على مبدأ الحق في التعبير بحرية. فحرية الرأي، بالنسبة للأستاذ رياض الترك، هي الأصل و ما الاعتقال بدون محاكمة لعشرات السنين الا اجراءا يعتبره تعسفيا و مخالفا للقانون.

 

و ينقل الأستاذ رياض الترك حكمه على تجربته الشخصية إلى الحقل العام. ففي ظل وصفه لحالة الخوف التي يعتقد أنها مسيطرة على النفوس، فإنه يتوجب انتزاع الحق في حرية التعبير، عبر ما يشير إليه صراحة "بالحوار"، والمطالبة العلنية "بالطرق السلمية" من قبل كل من يملك المعرفة وملكات التعبير الموجه إلى العقل. إن رسم الأستاذ رياض الترك للإطار الحواري بالطرق السلمية الذي يعتقد بأنه الوسيلة لأي فعل انتزاع لحرية التعبير عن الرأي، ينفي أي فعل أو نية بأن يكون في هذا القول حض على العصيان المسلح.

 

و- الوحدة الوطنية غير موجودة و يجب استعادتها

 

وردت الإشارة إلى الوحدة الوطنية في معرض مطالبة الأستاذ رياض الترك بإشاعة الديموقراطية، على النحو التالي:

 

مقالة ملحق النهار 22/7/2000

"إن اشاعة الديموقراطية كمبدأ ناظم للحياة السياسية والاجتماعية تسمح بحل تناقضات المجتمع بالوسائل السلمية، وتداولا سلميا للسلطة، وترسي استقرار لا تحميه الأجهزة القمعية بل برضى الشعب الذي يجد مصلحة حقيقية تحقق له الأمن و العمل و الحياة الكريمة. هذا الاستقرار هو الذي يعيد الى المجتمع وحدته الوطنية التي بالاستناد اليها نستطيع أن نؤمن لسورية مكانة عربية ودولية لائقة وتضامنا معها في مواجهة التحديات والاستحقاقات المختلفة..."

 

يشير القول صراحة، إلى السعي من أجل حل التناقضات "بالوسائل السلمية". كما يتطلع القول إلى "التداول السلمي" للسلطة. إن اصرار مجمل قول الأستاذ رياض الترك، في مواضع مختلفة، على كلمات الاصلاح والحوار والسلم والتداول ينفي تماما أي سعي من قبله لاستثارة العواطف السطحية من أجل الحض على العصيان المسلح. فدعوات الإصلاح والحوار والطرق السلمية تتوجه الى العقل عند المتلقي من السلطة وغيرها من القوى السياسية، لتطالب بإرساء أرضية سلمية  للمناقشة العقلانية بغية تعزيز الوحدة الوطنية.

 

ز- طرح طريقة العنف للإطاحة بالنظام السائد

 

وردت فرضية التغيير عن طريق العنف في سياق مناقشة علمية لأنماط التحول في ممارسات الحكم، وذلك على الشكل التالي:

 

محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001

"والتغيير على أنواع في السياسة: تغيير عن طريق العنف للإطاحة بالنظام السائد... و لم يعد هناك مقومات للنجاح في مثل هذا التغيير...

وتغيير عن طريق البرلمان...

وتغيير من قبل الحاكم ذاته...

وتغيير عن طريق "التعاقد"...

هنالك احتمال بأن يتم التغيير على الطريقة الرابعة، وربما كان الناس أغلبهم يفضلونها...

 

وفي حديثه الهاتفي مع قناة الجزيرة في 15/8/2001 تطرق الأستاذ رياض الترك، بعد إصرار، إلى الشكل الأمثل للتغيير كما يراه:

 

"أنا قلبت في المحاضرة مجمل إمكانات التغيير، عرضت 5 إمكانات، يعني بدءاً من انقلاب إلى تغيير عن طريق برلمان، إلى آخره، لكنني وصلت في النهاية انطلاقاً من علاقتي بالناس ورؤيتي في الوضع أن التغيير عن طريق التعاقد هو الطريق الأسلم..."

 

من الثابت بأن فرضية التغيير عن طريق العنف ورد في سياق عرض نظري علمي لأنماط التغيير في الحكم كما تدرسها كتب العلوم السياسية وعلم الاجتماع. كما أنه من الثابت قولا بأن الأستاذ رياض الترك قد أزاح سريعا نمط التغيير عن طريق العنف من أي اعتبار. وقد فضل على ذلك، بإصرار أحيانا، طريق "التعاقد". والتعاقد يفترض الحوار العقلاني بين الجميع. وعليه فإن الأستاذ رياض الترك يطالب بإعمال الحوار العقلاني كطريق لإحقاق تعاقد صحي بين مختلف أطياف المجتمع. إن في المطالبة بالتعاقد نفيا لأي فعل لاستثارة العواطف السطحية للقيام بعصيان مسلح. كما أن الإصرار على التعاقد ينفي انصراف نية الأستاذ رياض الترك إلى الدفع بالأمور من أجل القيام بحالة عصيان مسلح. وعليه يبقى نبذ العنف والدعوة إلى التعاقد رأيا، يجدر ضمان الحق في إبدائه.

 

ح- الانتقال من حالة الاستبداد و التسلط الى الديموقراطية معركة طويلة و الدعوة الى وحدة المعارضة

 

وردت هذه الدعوة في المحاضرة التي ألقاها الأستاذ رياض الترك في منتدى جمال الأتاسي تاريخ 5/8/2001 في سياق نداءه بالتعاقد بين السلطة و قوى الشعب الأخرى "التي تجتمع على العقد و تتحاور و تبدأ بالتغيير بشكل يتم التوافق عليه". وقد طالب بوحدة المعارضة و"مركزة نشاطها السياسي و إصرارها العنيد على الحلقة المركزية التي هي الإصلاح الديموقراطي الشامل". وقد سبق ذلك أن قيم الأستاذ رياض الترك أداء المعارضة و تخبطها بشكل هادئ ورصين. لقد جاءت الدعوة إلى وحدة المعارضة تحت إطار حدده صراحة بالإصلاح، وذلك من أجل إنجاح عملية التعاقد التي تطلع إليها. إن الإصرار على التعاقد و الإصلاح ينفي أي فعل أو نية استثارة للعواطف السطحية من أجل القيام بعصيان مسلح. إن المطالبة بالإصلاح عن طريق التعاقد تتطلب الحوار العقلاني، و لا يمكن لها أن تنمو في ظروف عصيان مسلح. إن هذه الرؤية هي من قبيل الرأي، الذي يتوجب احترامه قانونا عملا بمبدأ حرية الرأي، رغم إمكان وجود اختلاف عليه

 

ط- التغيير قادم لا محالة

 

لقد وردت هذه العبارة في سياق الخلوص إلى نتيجة مفادها بأن التغيير عن طريق التعاقد هو الأسلم. والتغيير عن طريق التعاقد بالنسبة للأستاذ رياض الترك ليس الخيار الأفضل فقط، بل يبدو له حتميا، ضمن جدلية للتاريخ، تبدو ذاتية لصاحبها. و لم يكن من الأستاذ رياض الترك إلا أن يحث جميع القوى في المجتمع، بما في ذلك السلطة القائمة، إلى سلوك طريق التعاقد للوصول إلى مستقبل أفضل. إن التطلع إلى التعاقد على أنه حتمي يجدر اللحاق به سريعا من قبل الجميع، ينفي أي فعل أو نية لدى الأستاذ رياض الترك للقيام بعصيان مسلح.

 

ي- الحض على العنف و انتزاع السلطة

 

إن مجمل أقوال الأستاذ رياض الترك تؤكد الدعوة إلى التعاقد والإصلاح. فقد أكد الأستاذ رياض الترك في مقابلته مع الحياة تاريخ 17/1/2001 بأنه غير مهتم بانتزاع أي سلطة من أحد:

 

"نحن لم نزاحم السلطة على شئ من مكاسبها. وموقعنا أقل من أن يدفعنا الى التطلع الى السلطة. نحن نتطلع الى نظام وطني ديموقراطي يتيح للناس الحرية الكاملة في التعبير عن مصالحهم المتناقضة في إطار توافق اجتماعي و تنافس سلمي يجري من خلال انتخابات تسمح بالتداول السلمي للسلطة".

 

إن نبذ الأستاذ رياض الترك السعي إلى أي سلطة ينفي أي فعل أو نية لاستثارة فئة على القيام بعصيان مسلح من أجل هذا الهدف.

 

ك- الأزمة تهز المجتمع هزا عنيفا وتهدد لحمته وهي أزمة نظام قاد البلد الى وضع كارثي

 

لقد وردت هذه العبارة في مقال الأستاذ رياض الترك لدى ملحق النهار تاريخ 22/7/2000 كما يلي:

 

"إننا نعيش في سوريا اليوم أزمات عميقة ومستعصية تراكمت خلال الثلاثين السنة الماضية، و يعترف بها القاصي و الداني بما في ذلك بعض أطراف السلطة. وهي أزمات تطاول مختلف جوانب حياتنا، و تهز مجتمعنا هزا عنيفا. ومن غير المعقول تجاوزها باصلاحات فوقية. فهي لا يمكن أن تحل إلا في اطار اصلاح سياسي أولا، يكون وحده الضامن لكل اصلاح اقتصادي أو اداري أو قانوني..."

 

لقد تضمن وصفا للحال التي يعتقد الأستاذ رياض الترك بأنها تميز سورية اليوم. و قد استند في هذا الوصف إلى مجموع ما قيل عن الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد من مصادر مختلفة، يمكن أن يذكر منها الأبحاث التي أنتجتها ما عرف بندوة الثلاثاء الاقتصادي[44]، فجاء، على طريقته، مكملا لها. و قد اتبع هذا التوصيف بوصفة الإصلاح التي نادى بها دائما، حيث أصر على إقران الاقتصادي منه بالسياسي. إن وصف الوضع الاقتصادي السياسي بأنه في أزمة أو أنه كارثي، لا يمكن اعتباره تأليبا للعواطف من أجل استثارتها على العصيان المسلح، طالما بقيت دائما مقرونة برؤية "إصلاحية" لا تدميرية. إن الحث على الإصلاح عبر وصف الواقع الراهن ينفي أي فعل أو نية لإثارة العصيان المسلح بموجب المادة 293 من قانون العقوبات.

 

ل- القطع مع النظام السابق و كبريات الكبائر

 

وردت هذه العبارة في مداخلة مع قناة الجزيرة تاريخ 15/8/2001 في سياق دعوة السلطة إلى انتهاج خط فيه قطع مع الممارسات اللاإنسانية، التي طبعت برأي الأستاذ رياض الترك المرحلة التاريخية السابقة، والتي ذاق طعم لا عدالتها بنفسه، عند بقائه في السجن بدون محاكمة لعشرات السنين، حيث اعتبر الحالات المماثلة لتجربته الشخصية من كبريات الكبائر. وفي كل الأحوال فإن السياق يشير إلى دعوة السلطة إلى الحوار والمصالحة. وقد توج بشكل خاص في نفس الحديث و بعد إصرار بدعوته هذه إلى "رجال النظام المقتنعين بخطأ المرحلة السابقة، و باستعدادهم لإيجاد نهج جديد ديموقراطي يتصالح فيه الناس".

 

و كان قد أكد على دعوته التصالحية، الموجهة إلى العقل بشكل صريح، في حديثه مع قناة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، تاريخ 13/3/2001:

 

"نحن نعتقد أن هناك إمكانية للمصالحة بين السلطة والشعب...إن ما يجري الآن في سوريا هو عملية تحول من حال إلى حال، من الحالة القديمة إلى حالة الحرية والديمقراطية، وما تحرك هيئات المجتمع المدني والمنتديات إلا الإرهاصات الأولى لعملية التغيير هذه، إن إمكانية تجاوز الأزمات القائمة في سورية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذه الإمكانية واردة إذا استطعنا أن نعالج الأمور بمنطق العقل... أنا أعتقد أن هذه الإمكانية في مصلحة الجميع، و أؤمن أيضاً بأن هناك قوى داخل السلطة لها مصلحة في هذا التغيير، ومع الأسف فكل عملية انتقال لابد أن تخلق بعض المخاضات، وبعض الهزات، لكننا نرجو أن ننتقل إلى حلها بالأسلوب الديمقراطي والسلمي."

 

3) الخلاصة

 

إن استبيان النية بإثارة عصيان مسلح يتطلب الأخذ بالنتائج النهائية التي خلص إليها الأستاذ رياض الترك، والتي أصر عليها في أكثر من موضع. إن الوقائع تشير بشكل لا يدع مجالا للشك بأن التأكيد المتكرر على الإصلاح، والمصالحة الوطنية، والحوار بين مختلف القوى، وذلك عبر الطرق السلمية ينفي وجود أي نية لإثارة أي عصيان.

 

لقد جاء في محاضرة الأستاذ رياض الترك في منتدى جمال الأتاسي في وصفه للتصور المثالي الذي يقوم عليه فكره حول طبيعة التغيير التعاقدي ما يلي:

 

"البحث في أسس الحوار وعناصره والمشاركين به من جميع المهتمين بالشأن العام من معارضين وموالين ومثقفين جميعا...

الإستقرار على مبدأ المصالحة الوطنية...

هذه المصالحة مطلوبة ما بين الشعب وأهل النظام، وما بين السلطة والمعارضة بأشكالها، وهي تحتاج الى الثقة التي لا يمكن بناؤها الا بخطى ملموسة تتعزز من خلالها ميول التسوية و تتراجع ميول العداء والخوف والثأر.

الاعتراف المتبادل بالجميع من قبل الجميع، ولتتقدم القوى كلها نحو دائرة الفعل وإرادة التغيير. ليحاول حزب البعث إصلاح نفسه وقوى الجبهة المختلفة وفصائل التجمع الوطني الديموقراطي والحركات الإسلامية وغيرها من القوى...

صياغة برنامج التغيير الوطني الديموقراطي من حيث بنيته و ترتيبه و تزمينه، ومن حيث توافقه مع الحاجة الموضوعية والمعاصرة والمصلحة الوطنية الحقيقية. ولا يختلف أحد كما أظن على التدرج في تطبيقه

نحن ندعم الإصلاح أو أية خطوة اصلاحية..."

 

إن المناداة بالإصلاح الدستوري لا تتضمن حضا على العصيان المسلح. فلو أراد الأستاذ الترك الحض على العصيان لما كان لتكرار استعمال كلمة الإصلاح معنى. فمن أراد الإصلاح فهو يبغي تدعيم الشيء الموجود لا إلقاؤه بما فيه إلى غير رجعة. و كذلك فإن الأستاذ رياض الترك طالب "بالمصالحة الوطنية" و بالحوار و تعزيز ميول التسوية بين كافة الأطراف، على أساس تدريجي. إن في الدعوة للحوار و المصالحة من أجل تحقيق الإصلاح التدريجي ما ينفي عن مجمل قول الأستاذ رياض الترك و مفصله جرم إثارة عصيان مسلح.

 

سادسا- انتفاء نقل الأستاذ رياض الترك لأنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة

 

نصت المادة 286 من قانون العقوبات العام على ما يلي:

 

"1- يستحق العقوبة نفسها من نقل في سورية في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة.

2- إذا كان الفاعل يحسب هذه الأنباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر على الأقل."

 

و قد جاءت هذه المادة لاحقة للمادة 285 التي جرمت الدعاوة "في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها" التي ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية. لم يبن الإدعاء أية مطالبة على أساس المادة 295 من قانون العقوبات العام.

 

1) في تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة

 

آ- فعل نقل الأنباء

 

لقد جرى التفريق في وقت سابق بين فعل نقل النبأ من حيث أنه إعلام بحدوث واقعة غير معلومة بدون أي تقييم لذلك، وفعل إبداء الرأي من حيث أنه تقييم للواقع بإسباغ الصفات أو الحكم عليه.

 

وقد اتفق الفقهاء بأن إبداء الرأي لا يدخل ضمن نطاق تجريم نقل الأنباء الكاذبة. فقد جاء في تعليق كبار الفقهاء اللبنانيين على المادة 296 من قانون العقوبات اللبناني المطابقة في نصها للمادة 286 من قانون العقوبات العام السوري ما يلي:

 

"ومن المسلم به أن التعبير عن فكرة خاصة أو الإفصاح عن رأي شخصي أو الجهر بعقيدة معينة أو التنبؤ بما قد يكون، أو التكهن عما يقع في المستقبل البعيد، كل ذلك لا يعتبر من قبيل الأنباء الكاذبة أو المبالغة فيها حتى ولو جسمها صاحبها. وذلك على اساس أن الإعراب عن رأي شخصي و الإخبار عن واقعة معينة، فالأول لا يقع تحت العقاب لأنه مباح، وأما الآخر فيعاقب بحسب النص"[45].

 

وكذلك فقد اعتبر الفقه في مصر بأن صاحب الرأي لا يسأل ولو كان رأيه خاطئا[46].

ب- نقل الأنباء الكاذبة أو المبالغ فيها

 

أما إذا تضمنت الأقوال نقل وقائع أو أحداث معينة، فإن التجريم يقع عندما تكون هذه الأنباء كاذبة. وعليه، لا يسأل المدعى عليه عند نقله لأنباء صحيحة. ولمعرفة صحة النبأ من كذبه، "يرجع إلى واقعة حديثة حدثت فعلا و لم يقترف ناقله في روايته كذبا أو مبالغة تخرجه من طبيعته فلا عقاب على ناقل النبأ البتة"[47].

 

أما تحديد المبالغة في نقل الأنباء التي يكون أساسها صحيحا فهو عمل صعب جدا[48]. مع الاحتفاظ بالإباحة في إبداء الرأي، فإنه قد يكون من الممكن القول بأن نقل كل الوقائع التي لا يمكن أن يفهم بدونها النبأ تشكل المطرح الذي يخضع لمراقبة المحكمة للتأكد من وجود المبالغة أو عدمها. كأن يرد النبأ مثلا بالقول: "اندحر جيشنا ليل أمس"، في حين أن الواقعة كما حدثت تشير إلى "تراجع تكتيكي للجيش" أما إسباغ الوصف الخارجي على النبأ فيعتبر من قبيل الرأي المباح، كالقول: "إن تراجع الجيش غير مبرر تكتيكيا".

 

ج- في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها

 

عرفت المادة 10 من قانون الجيش السوري رقم 74 تاريخ 4/3/1953 حالة الحرب بأنها حالة "التعبئة الجزئية أو العامة استعدادا لاشتباكات مسلحة قادمة". كما عرفت نفس المادة الحرب بأنها "الاشتباكات المسلحة بين دولتين أو أكثر.

 

و قد بقي تعبير "زمن الحرب" الذي استعملته المادة 286 من قانون العقوبات غامضا. فهو قد يدخل في إطار تعريف "حالة الحرب" حيث تقوم تعبئة جزئية أو عامة استعدادا لاشتباكات مسلحة قادمة. و هو قد يدخل في نطاق تعريف "الحرب" حيث تنشب اشتباكات مسلحة بين دولتين أو أكثر. و كذلك فإن توقع نشوب الحرب غير واضح المعالم فهل تدخل تحت نطاق "حالة الحرب" أم "الحرب" بحسب تعريف قانون الجيش. و بشكل عام، يتوجب على الإدعاء إثبات قيام حالة تعبئة أو اشتباكات فعلية ليتسنى له الاحتجاج بالمادة.

 

و في كل الأحوال فإن مناقشة تفسير المواد القانونية الواجبة التطبيق على ضوء التعريف القانوني لحالة الحرب و الحرب يبقى ذو قيمة محدودة عمليا، في ظل وجود اتفاقيات الهدنة و فصل القوات الموقعة بين سوريا و إسرائيل و كذلك استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان.

 

غير أن الإشارة إلى "زمن الحرب أو توقع نشوبها" في المادة 286 من قانون العقوبات، يحصر نطاق الأنباء الكاذبة الخاضعة للتجريم بتلك التي تتعلق بحالة التعبئة استعدادا للحرب أو الاشتباكات المسلحة أو العمليات الحربية.

 

د- نقل الأنباء الكاذبة التي من شأنها أن توهن نفسية الأمة

 

لقد اتفق الفقه بأن الوهن الذي يصيب نفسية الأمة يشمل "إضعاف المعنويات و إلقاء الرعب أو اليأس و إشاعة روح الانهزام و الاستسلام"[49]. ولا يشترط القانون حدوث هذا الوهن و إنما يكفي بأن يكون هذا الوهن ممكنا أو محتمل الوقوع.

 

هـ نية خلق وهن في نفسية الأمة

 

يتطلب ذلك إثبات القصد العام في سعي ناقل الخبر إلى "تحطيم المعنويات". فإذا أقيم الدليل على أن سعي ناقل الخبر قد قرن أقواله بعبارات تفيد الحث على تجاوز المحن أو رفع المعنويات، فإن الركن المعنوي للجرم يبقى غير محقق. و يؤخذ العلم بكذب الخبر قرينة على وجود النية. أم في كل الأحوال فإن القانون يجرم ناقل النبأ الكاذب، و لو لم يكن يعرف بكذب النبأ و إن كان عدم المعرفة سبب مخفف.

 

2) مناقشة الأقوال المدعى بها

 

آ- كيف يمكن للمواطن أن يصدق عفوية مسيرات البيعة (مقابلة المــوند 27/6/2000)

 

ليس في هذا القول نقل لأي نبأ. إذ أن القول يتضمن تقييما شخصيا، خاص بقائله، لمدى عفوية مسيرات المبايعة الرئاسية، و كذلك لمسار عملية الاستفتاء على الترشيح الرئاسي. و هو بذلك ينضوي تحت مضمار الرأي المصون قانونا بموجب القانون السوري.

 

و كذلك فإن تقييم عملية مسيرات البيعة أو الاستفتاء لا يتعلق بوقائع تخص التعبئة استعدادا للحرب أو اشتباكات مسلحة أو عمليات حربية.

 

ب- إننا نعيش في سوريا أزمات مستعصية يعترف فيها القاصي و الداني (مقال ملحق جريدة النهار 22/7/2000)

 

يتضمن هذا القول تقييما لواقع الاقتصاد السوري. وهو، لكونه يقيم ذلك الوضع بأنه في "أزمة مستعصية"، فإنه ينتمي إلى نطاق الرأي المصون بموجب القانون السوري. وقد جاء هذا الرأي بشكل يتفق مع مجموعة دراسات متخصصة حول الوضع العام في سورية[50]. كما شهد الحقل العام في سورية مناقشة لآراء مغايرة. وكلا الرأيين مصون بموجب القانون.

 

و كذلك فإن الحديث عن الأزمات المستعصية لا يتعلق بوقائع تخص التعبئة استعدادا للحرب أو اشتباكات مسلحة أو عمليات حربية.

 

ج- المطالبة باستقرار يعيد للمجتمع وحدته الوطنية و يؤمن لسوريا مكانة دولية لائقة (مقال ملحق جريدة النهار 22/7/2000

 

لا يتضمن القول أي نقل لوقائع معينة بذاتها. و القول يحمل في جوهره وصفا لتصور مثالي، خاص بقائله، لمعنى الاستقرار و لأبعاده. وعليه فإن هذا القول يخرج من نطاق تجريم الأنباء الكاذبة ويدخل في نطاق الرأي المصون بموجب القانون السوري.

 

وفي كل الأحوال، فإن هذا القول يتضمن حثا على تلمس أفضل السبل التي تزيد من استقرار البلاد بشكل أفضل، في رأي قائله، و عليه فإنه لا يتخذ طابعا هداما مثبطا للمعنويات.

 

د- الحديث عن الركود الشامل في جميع الميادين (محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001)

 

يتضمن اصطلاح "الركود" وصفا للحالة التي يعتقد الأستاذ رياض الترك بأنها تسود البلاد. وعليه فإنها لا تنقل وقائع مجردة، و إنما تضفي على الواقع وصفا شخصيا. إن القول يخرج من نطاق تجريم الأنباء الكاذبة، ويبقى في نطاق إباحة التعبير عن الرأي. أما إذا جرى اعتبار الحديث عن الركود على أنه نبأ، فإن على الإدعاء عبْء إثبات كذب هذا النبأ.

 

و كذلك فإن الحديث عن الركود الشامل لا يتعلق بوقائع تخص التعبئة استعدادا للحرب أو اشتباكات مسلحة أو عمليات حربية.

 

هـ الإشارة المتكررة الى الاستبداد و الشمولية و النظام الجمهوري الوراثي (محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001)

 

لا يتضمن استعمال مصطلحات الاستبداد و الشمولية و النظام الجمهوري الوراثي نقلا لأي نبأ من حيث الواقع. إن طبيعتها و السياق الذي جاءت فيه يشير إلى أنها مصطلحات وصفية لطرق ممارسة الحكم في فترة تاريخية سابقة. كما إنها تتضمن وصفا علميا حديثا لطريقة انتقال الحكم في مرحلته الحالية. لقد جرى استعمال هذه المصطلحات المعمول بها في مجال العلوم السياسية، بشكل لا يتميز بطابع تقييمي. وفي كل الأحوال فإن الوصف، باستعمال أنماط علمية حيادية وكذلك التقييم، يخرج هذه الأقوال من دائرة التجريم الاستثنائية، ليدخلها في دائرة إبداء الرأي التي يصونها القانون السوري.

 

و- مجئ رئيس الجمهورية الى سدة السلطة العليا في ظروف عدم وجود تعبير عن إرادة الشعب (محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001)

 

يتضمن هذا القول وصفا للإرادة الشعبية عند تسلم رئيس الجمهورية سدة الحكم. و قد اعتبر الأستاذ رياض الترك، بأن هذه الإرادة كانت مفقودة. فالواقعة هي مجئ السيد رئيس الجمهورية، و كذلك عملية الاستفتاء، و حدوثهما من حيث الواقع لا نزاع فيه، أما الشكل الذي كانت عليه الإرادة فقد وصفه السيد رياض الترك بالمعدوم. إن ذلك يدرج في جميع الأحوال هذا القول في نطاق التعبير عن الرأي المصون قانونا، رغم إمكان وجود الاختلاف حوله. كما أن الحق المباشر في الإسهام في الحياة السياسية، يترك للأفراد و قادة الأحزاب الفاعلة في المجتمع وكذلك زعماء التيارات الفكرية الحرية الكاملة في التعليق على أي عملية استفتاء، من أجل تأمين رقابة فعالة على نزاهة العملية. وفي كل الأحوال فإن هذا القول خارج عن نطاق التجريم.

 

ز- الحديث عن القصور في تحقيق الاجماع حول القضية الوطنية و ضياع الموقف في الخارج (محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001)

 

ليس في هذا القول نقل لأي نبأ من حيث الواقع. و إنما يتضمن الحديث تقييما للأداء الحكومي على مستوى السياستين الداخلية و الخارجية. وهذا بدوره يخرج من نطاق التجريم و يدخل في مضمار الرأي.

 

ح- الحديث عن توازن الضعف (محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001)

 

لا يتضمن هذا القول نقلا لوقائع محددة بعينها. وإنما يتضمن قراءة وصفية لتوازن القوى السياسية. ويبدو هذه المصطلح جديدا استحدثه الأستاذ رياض الترك في المحاضرة المذكورة. وهو لا يشير إلى ضعف إجمالي للمجتمع، و إنما يصف حالة ضعف نسبي لجميع القوى التي يعتبرها الأستاذ الترك متواجدة على الساحة السياسية الحالية. و قد يتفق المحللون مع هذا الرأي كما قد يختلفون، الا أن الحديث عن حالة توازن الضعف يخرج عن نطاق التجريم و يدخل في نطاق التحليل العلمي و الرأي المصون قانونا.

 

ط- الحث على العمل على تخفيف الام الشعب (محاضرة منتدى جمال الأتاسي 5/8/2001)

 

لا يتضمن هذا الحديث نقلا لأي نبأ من حيث الواقع. و هو يتضمن في جوهره توصية في سياق دعوة الأستاذ رياض الترك للتعاقد و المصالحة. و قد بدا السيد الترك مناشدا لمبادرة تصالحية تأخذ بعين الاعتبار معاناة الكثيرين ممن يعتبر الأستاذ الترك بأنهم تحملوا السجن أو التشريد. وفي كل الأحوال فإن هذه التوصية تخرج هذا القول من نطاق التجريم، و تدخله في نطاق الرأي أو المطالبة السياسية المصونين قانونا.

 

 

سابعا- انتفاء إذاعة الأستاذ رياض الترك في الخارج لأنباء كاذبة من شأنها أن تنال من هيبة الدولة أو من مكانتها المالية

 

نصت المادة 287 من قانون العقوبات العام على ما يلي:

 

1-     كل سوري يذيع في الخارج وهو على بينة من الأمر أنباء كاذبة أو مبالغا فيها من شأنها أن تنال من هيبة الدولة أو من مكانتها المالية يعاقب بالحبس ستة أشهر على الأقل و بغرامة تتراوح بين مائة و خمسمائة ليرة سورية.

2-     و يمكن المحكمة أن تقضي بنشر الحكم.

 

تنص هذه المادة على جرم ذي طبيعة جنحية.

 

1 )في تحليل عناصر الركن المادي و المعنوي للجريمة

 

آ- فعل الإذاعة

 

و هو يختلف عن فعل النقل الوارد في المادة  من 286 قانون العقوبات السوري، من حيث أنه يتطلب انتشارا و تواترا و تداولا بين الناس[51]، بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة لهذه الإذاعة كالصحافة، أو التلفزيون أو مواقع الانترنت. ويبدو بأنه لا يوجد نزاع على أن الأقوال المدعى بها و المثبتة في العديد من وسائل الإعلام قد جرت إذاعتها بمفهوم المادة 287 من قانون العقوبات.

 

و في كل الأحوال فإنه لا يعتد بالأقوال التي تم التفوه بها أمام عدد محدود في لقاءات اجتماعية منزلية، لعدم توفر شرط الإذاعة، إذ أنها غير معدة للتداول الواسع فيها.

 

ب- إذاعة الأنباء الكاذبة أو المبالغ فيها

 

تشترك هذه المادة مع سابقتها في وقوعها كذلك على الأنباء الكاذبة. و بالتالي يبقى التفريق الواضح بين النبأ والرأي مطبقا أيضا.

 

ج- شرط إذاعة الأنباء الكاذبة في الخارج

 

لقد اعتبر الفقهاء بأن هذه الجرم يتناول "المواطنين الذين يغادرون البلاد بصورة مؤقتة أو نهائية". وعليه فإن الجريمة "لا تطبق ما لم تكن الجريمة قد اقترفت في البلاد الأجنبية"[52]. و يثور تساؤل ملح حول مدى تطبيق هذه المادة على الأشخاص الذين يكتبون أو يدلون بأقوالهم من داخل البلد، و إن كان عبر وسائل إعلامية تؤمن انتشار الأقوال في الخارج.

 

و قد يبدو هذا التساؤل أكثر إلحاحا في ظل ظروف انعدام الحرية الإعلامية، التي يمكن في حال وجودها أن تؤخذ بعين الاعتبار، كسبيل متاح لا يبرر للمدعى عليه إقدامه على الإذاعة في الخارج. من الواضح بأن وجود المدعى عليه الشخصي في الداخل يؤدي إلى انتفاء الركن المادي من حيث إذاعة الأنباء في الخارج. كما أن تواجد الشخص في داخل البلد قد يكون قرينة على عدم توافر النية الجرمية على ما سيأتي التفصيل فيه لاحقا.

 

د- النيل من هيبة الدولة و من مكانتها المالية

 

لقد اعتبر الفقهاء بأن مفهوم النيل من هيبة الدولة أو مكانتها المالية هو مثال واضح على اللغة الفضفاضة في الصياغة التشريعية، التي يمكن أن تكون موضوع لكل تعسف تنفيذي[53]. و عليه فإنه يترتب على القاضي أن يفرض رقابته لدرء أي تعسف.

 

وفي كل الأحوال، فإن نطاق التجريم يشمل، بحسب الصياغة التشريعية، الأنباء الكاذبة المتعلقة بالوضع السياسي والاقتصادي الحالي للدولة و يشمل ذلك بشكل خاص الأنباء، التي يمكن صياغتها بإحصاءات أو أرقام، والتي من شأنها أن تزعزع الثقة بنقد الدولة، أو بسلامة اقتصادها الوطني أو بضعف اعتبارها المالي أو التجاري في الأسواق العالمية. وعليه فإن النيل من هيبة الدولة لا يتحقق إذا جرى تقييم لسياسات متبعة في مراحل تاريخية سابقة على الوضع الحالي، إذ أن التقييم التاريخي لمراحل مضت، ليس له أثر على سياسات حالية تنظر إلى المستقبل. فتلك تتأثر بالأنباء الكاذبة بشكل يمكن أن يجهضها قبل أن تتبين مفاعيلها.

 

ومن نافلة القول بأن لا يشترط لتحقق هذا الركن المادي وقوع النيل من هيبة الدولة أو من مكانتها المالية، إذ يكفي أن يكون الضرر ممكنا أو محتمل الوقوع[54].

 

هـ نية النيل من هيبة الدولة أو من مكانتها

 

يتوجب على الإدعاء إقامة الدليل بأن نية المدعى عليه قد اتجهت الى زعزعة علاقات البلاد الخارجية. و يكون في علم المدعى عليه بكذب النبأ قرينة على هذه النية.

 

غير أن تواجد المدعى عليه في داخل البلاد موضوع الأقوال، في ظل ظروف تجعله مدرك بأنه معرض للمساءلة المباشرة، يمكن اعتبارها قرينة على عدم العلم بكذب الخبر أو الاعتقاد بصحته و قرينة على انعدام النية في النيل من هيبة الدولة، إذ أن النية تنصرف في مثل هذه الحالات إلى إرادة كشف حقائق مختبئة أو مغيبة في نظر صاحبها و ليس الإضرار بهيبة الدولة الخارجية.

 

كما أن ثبوت الأقوال عبر وسائل إعلامية يمكن تلقيها في الداخل والخارج، يشكل قرينة على انصراف النية إلى التوجه إلى داخل البلاد أساسا، الأمر الذي ينفي وجود نية تستهدف زعزعة هيبة الدولة أو مكانتها المالية في الخارج.

 

2) مناقشة الأقوال المدعى بها

 

آ- الحديث عن افراغ الرئيس حافظ الأسد لمؤسسات الدولة من مضامنيها (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

لقد أدلى الأستاذ رياض الترك بجميع أقواله المدعى بها في سورية. و يتضمن الحديث مع صحيفة الموند الفرنسية وصفا شخصيا لطريقة ممارسة الحكم في مرحلة تاريخية أو سابقة على الحديث الذي جرى مع صحيفة الموند. وهي لا تتضمن إذاعة لأية وقائع محددة بعينها. إن التقييم الحالي لمرحلة تاريخية يخرج هذا القول من نطاق التجريم و يدخله في مضمار الرأي المصون قانونا.

 

ب وصف عملية تعديل الدستور و تنظيم الاستفتاء الرئاسي بالمهزلة أو المسخرة (مقابلة الموند 27/6/2000)

 

يتضمن تقييما صريحا لعملية تعديل الدستور والاستفتاء الرئاسي. و قد استعمل الأستاذ رياض الترك لذلك أسلوبا بيانيا مباشرا معبرا عن سخط سياسي للعملية، التي لم يعتقد بأنها ديموقراطية. إن ذلك يخرج القول من نطاق النبأ و يدخله في نطاق الرأي. إن هذا الرأي مصون قانونا بموجب مبدأ حرية التعبير وبموجب مبدأ حق الإسهام المباشر في الحياة السياسية، الذي يشمل حق النقد و ذلك من أجل تحقيق ظروف مراقبة فعالة لأية عملية انتخابية.

 

ج- الحديث عن النظام الشمولي و الجمهورية الوراثية

 

لقد ورد التفصيل سابقا عن أن الحديث عن النظام الشمولي أو الجمهورية الوراثية لا يتضمن أنباء عن وقائع مجردة و إنما آراء حول طرق ممارسة الحكم. إن ذلك يخرج هذين القولين من دائرة التجريم بموجب المادة 287. و قد يتفق المختصون مع هذه التوصيفات كما قد يختلفون، لكن هذه الآراء مصونة قانونا.

 

د- وصف الرئيس الراحل حافظ الأسد بالديكتاتور (مداخلة قناة الجزيرة 15/8/2001)

 

يتضمن ذلك القول وصفا لطريقة ممارسة الرئيس الراحل حافظ الأسد للحكم. و هو بالتالي لا يتضمن نقلا لنبأ عن واقعة معينة. كما أن السياق يشير بأن إسباغ صفة الديكتاتورية لم يكن بالضرورة محملا بتقييم على المستوى الأخلاقي بل جاء حياديا لوصف ممارسة شخص للحكم في مرحلة تاريخية معينة. وفي كل الأحوال فإن وصف و تقييم ممارسة الحكم في مرحلة تاريخية محمي قانونا لأنه يدخل في نطاق حق إبداء الرأي، بالرغم من أن هذا التوصيف قد يكون عرضة للخلاف بين المختصين.

 

هـ الحديث عن كارثة وطنية و إرادة الناس الخلاص من الاستبداد (مداخلة قناة الجزيرة 15/8/2001)

 

لقد جاء هذا القول في سياق الحديث عن طبيعة الانتهاكات العامة لحقوق الإنسان، التي يعتقد الأستاذ رياض الترك بأنها طبعت ممارسات الحكم في مرحلة تاريخية. و قد جاء تعبير الكارثة الوطنية و الرغبة في التخلص من الاستبداد ليصف حالة فقدان الرغبة السياسية لإغلاق هذا الملف بالرغم ضرر الكثيرين. لا يتضمن هذا القول نقلا لأي نبأ. وهو يتضمن في سياقه تعبيرا عن رأي و كذلك مطالبة سياسية من قبل رجل سياسي. وفي كلتا الحالتين فإن ذلك مصون بموجب مبدأ حرية التعبير عن الرأي وكذلك حق الإسهام في الحياة السياسية.

 

الخاتمة

 

تعرض هذا التقرير إلى مختلف القواعد القانونية النافذة في سورية والتي يجب أن تدخل بعين الاعتبار أثناء النظر في قانونية أقوال الأستاذ رياض الترك. فمن جهة هناك القواعد الضامنة لحقوق الإنسان والتي رسخها القانون السوري من خلال التصديق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1969 ومن خلال إدراج أحكامها في الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية لعام 1973.  ومن جهة أخرى هناك قواعد قانون العقوبات العام التي تم على أساسها تحريك الدعوى ضدالأستاذ رياض الترك.

 

أما عن القواعد الضامنة للحقوق المدنية والسياسية فقد بين التقرير بأنها تتمتع من الناحية الشكلية بطييعة راجحة لأنها قواعد دستورية، وقواعد الدستور بطبيعتها ترجح على مختلف القوانين النافذة.  وهي راجحة من الناحية الشكلية أيضاً لأنها قواعد متضمنة في معاهدة دولية مصدقة أصولاً من قبل حكومة الجمهورية العربية السورية. وقد استقر الفقه والقضاء في سورية على أن المعاهدة واجبة الترجيح لأنها ذات رتبة أقوى من حيث التسلسل التشريعي من رتبة القانون العادي.

 

بالإضافة إلى طبيعتها الراجحة من الناحية الشكلية، فإن القواعد الضامنة للحقوق المدنية والسياسية لها طبيعة آمرة من الناحية الموضوعية. فحماية الحقوق المدنية والسياسية هي من النظام العام في الجمهورية العربية السورية.

 

وعلى هذا الأساس فإن قواعد قانون العقوبات التي تم على أساسها تحريك الدعوى ضد الأستاذ رياض الترك، لا بد أن تفسر في ظل القواعد الضامنة للحقوق المدنية والسياسية. فهذه الحقوق هي الأصل وما قواعد قانون العقوبات إلا استثناء.  وعلى هذا ينبغي على القاضي أن يفسر العبارات الفضفاضة للمواد 286، 287، 291، و 293 من قانون العقوبات بشكل لا يتعارض مع القواعد الراجحة والآمرة التي تضمن الحقوق المدنية والسياسية.

 

انطلاقاُ من هذه المبادىء القانونية البديهية، فإن المسألة القانونية في قضية الأستاذ رياض الترك تنحصر في الحكم في ما إذا كانت الأقوال المنسوبة إليه تخرج عن نطاق الرأي الذي ضمن الدستور حرية التعبير عنه . فإذا تبين أن الأقوال المنسوبة إلى الأستاذ رياض الترك تتمتع بالحماية القانونية لأنها تدخل في نطاق مبدأي حرية التعبير والحق في المساهمة في الحياة السياسية، فإن ذلك قرينة على انتفاء تحقق أركان الجرم  ويتطلب رد الدعوى.

 

لقد بين هذا التقرير من خلال استعراض أقوال الأستاذ رياض الترك على أنها تتمتع بالحماية القانونية الكاملة ضمن النظام القانوني السوري، لأنها موافقة لمبدأ حرية التعبير و مبدأ حق الإسهام في الحياة السياسية، و هي بذلك تخرج تماما عن نطاق التجريم بموجب مواد قانون العقوبات المدعى بها. إن هذه الحماية القانونية تعطيالأستاذ رياض الترك الحق في المطالبة بالتعويض أمام الجهات المختصة نتيجة الضرر الذي تعرض له من أمر القبض و الإحالة العرفي الذي ترتب عنه خرق لهذه المبادئ العامة.

 

كما استعرض التقرير أقوال الأستاذ رياض الترك حيث تبين بأنها لا تحقق الأركان المادية و المعنوية للجرائم المنسوبة إليه. فأقوال الأستاذ رياض الترك  تتضمن بمجملها دعوات تصالحية، عن طريق التعاقد والحوار، مع التشديد على الطرق السلمية المعززة للتسوية في تصوره المثالي لأي تحرك سياسي وأي تغيير. وهي بذلك لا تستهدف تغييرا للدستور بطرق غير مشروعة، غير مطابقة لروح الدستور السوري. كما أنها لا تتضمن أي إثارة من قريب أو بعيد لأي عصيان مسلح.

 

إن مجمل أقوال الأستاذ رياض الترك تعبر عن آراء شخصية في ماضي وحاضر ومستقبل سورية. وهي تخرج بتفصيلها عن نطاق التجريم لأنها لا تتضمن أنباء كاذبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



ملحـق (1)

   وزارة الداخلية

شعبة الأمن السياسي

    فرع التحقيق

 

ورقة ضبط بإفادة المدعو رياض الترك :

في هذا اليوم السبت الواقع بتاريخ الأول من شهر أيلول عام 2001 في الساعة الثانية عشر* نحن المحقق النقيب سامر بارودي والمحرر المساعد ابراهيم العتيق بناء على المعلومات الواردة إلينا حول قيام المذكور بالتهجم على الحزب والثورة والمسؤولين من خلال إقامة الندوات والاجتماعات والإساءة لسمعة وهيبة الدولة خارج القطر وبناء على تكليفنا بالتحقيق معه من قبل السيد رئيس الشعبة فقد باشرنا باستجوابه على الشكل التالي :

_______________________________________________________________

س1    أفدنا عن مفصل هويتك :

ج1      اسمي رياض بن محمد علي الترك والدتي آمنة من مواليد عام 1930 في حمص ـ حميدية خانة /44/ ومقيم

فيها شارع سعد الدولة هاتف 224230/031مهنتي محام متأهل لي ابنتان، عربي سوري، غير محكوم سابقاً .

س2    أفدنا بلمحة موجزة عن نشأتك :

ج2     لا علاقة لهذا السؤال بتوقيفي .

س3    ما هي الأحزاب السياسية التي تنتمي إليها ؟

ج3     أنا عضو في الحزب الشيوعي السوري .

س4    ما هو نشاطك داخل الحزب ومسؤوليتك فيه ؟

ج4     أعتذر عن الجواب.

س5    في بداية عام 2000 تحدثت في حوار مع المدعو محمد علي الأتاسي قلت فيه أننا في سورية لا نتمتع بحريتنا، إنني حر بمعنى خروجي من السجن الصغير إلى السجن الكبير وعلينا جميعاً أن نسعى إلى فتح أبوابه ليس بحثاً عن الحرية القصوى وإنما سعياً إلى استرداد الحريات العادية التي سلبت من الناس وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نضال شعبي وتعاون مختلف القوى، فما تعني بذلك ؟

ج5     نعم، تحدثت  بهذا الحديث، وأعني بمختلف القوى هي هؤلاء الذين حرموا من الحرية .

س6    تحدثت بتاريخ 27/6/2000 مع جريدة اللموند الفرنسية متهجماً على السيد الرئيس حافظ الأسد قائلاً بأن سورية أصبحت ملكاً شخصياً له وأنه سيقوم بتوريثها، أفدنا عن ذلك :

ج6     نعم، لقد تحدثت فعلاً قائلاً أن نفسية حافظ الأسد جعلت سورية ملكية شخصية له وبالتالي فمن المفترض أن يقوم بتوريثها كما لو أنها ميراث، خلال ثلاثين عاماً من الحكم قام حافظ الأسد بإفراغ مؤسسات الدولة من مضامينها وانتقلت السلطة الفعلية إلى القصر الرئاسي.

 

 

 

س7    تحدثت بنفس التاريخ أنك لن تصوت للسيد الرئيس بشار الأسد لأن الأمر عبارة عن مهزلة، أفدنا عن صحة ذلك :

ج7     نعم، لقد تحدثت بذلك، ولكنني أتحفظ على عبارة مهزلة لحين قراءة النص الأصلي للصحيفة، عندها أوافق على العبارة فيما إذا كانت مثبتة في الصحيفة .

س8    بتاريخ 22/7/2000 تحدثت إلى جريدة النهار متهجماً على دستور الدولة والاستفتاء وصرحت بأن المواطن في سوريا شارك بمظاهرات التأييد بدافع الخوف على لقمة عيشه، أفدنا عن صحة ذلك :

ج8     نعم، لقد صرحت إلى ملحق جريدة النهار بتاريخ 22/7/2000 بما يلي: في سوريا اليوم لا يزال الخوف جاثماً على الصدور ولا تزال تتولد عنه طقوس الطاعة والإذعان، يعرف القيّمون عليها والمشاركون فيها زيفها وبطلانها فكيف يمكن للمواطن أن يصدق عفوية مسيرات البيعة وهو نفسه يشارك فيها مرغماً، وكيف له أن يتجنب المشاركة فيها وهو مهدد بلقمة عيشه ووظيفته ومستقبله ... لا أحد في سوريا يصدق هذه المسرحية الكئيبة التي عنوانها تركيع الوطن، إن مشكلتنا ليست مع الدكتور بشار الأسد فالرجل لم يتبوأ في الماضي أي منصب رسمي، أما اليوم فالمشكلة آتية من آلية وصوله إلى السلطة عن طريق الوراثة، إنها سابقة خطيرة ويمكن أن تتكرر مع أخوته وأبنائه لا يمكن أن يستمر اختصار المجتمع السوري بكل مشاربه وتنوعاته في كلمت /موافق/ و /غير موافق/ يدلي بإحداها المواطن المكبلة يداه بالخوف.

س9    لدينا معلومات تفيد بأنك قمت بعقد اجتماعات وندوات بأكثر من مدينة بدون إذن رسمي للسعي لإثارة البلبلة، والإخلال بالأمن وإضعاف الشعور الوطني وتفكيك الوحدة الوطنية للوصول إلى قلب النظام الذي وصفته بالاستبدادي، أفدنا عن ذلك :

ج9     أرفض هذا الاتهام وأستنكره، فأنا شيوعي، واجبي أن أتصل بالناس ولا آخذ إذناً من أحد.

س10  لقد تهجمت على القائم من خلال ندوة عقدتها بمنزل محمد نذير دباغ بالقامشلي بحضور أكثر من عشرة أشخاص قلت فيه بتاريخ 30/11/2000 أن ما يشاع حول تحسين الأوضاع المعيشية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما هو إلا هراء وأن هذه الأمور تتطلب تغييراً واسعاً في كل هياكل الدولة وتغيير رموز النظام، أفدنا عن ذلك :

ج10   أنا لا أذكر ماذا قلت هناك، ويمكن استدعاء شهود الحديث لبيان ذلك .

س11  في منتدى جال الأتاسي بدمشق بتاريخ 5/8/2001 تهجمت على طريقة تعديل الدستور بنصف ساعة، فما صحة ذلك : 

ج11   إن هذا الكلام أخذته استشهاداً من بيان التجمع الوطني الديمقراطي بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد .

س12  لقد تحدثت إلى قناة الجزيرة أثناء مقابلة المدعو نزار نيوف وأيدته في طروحاته ووصفت الرئيس الراحل حافظ السد بالديكتاتور، أفدنا عن ذلك :

 

ج12   نعم، لقد تحدثت مع قناة الجزيرة أثناء الحوار مع المدعو نزار نيوف، ووصفت الرئيس الراحل حافظ الأسد بالديكتاتور

س13  ألا ترى في أحاديثك هذه داخل القطر وخارجه ما يسيء إلى هيبة الدولة ويحث على العصيان، وارتكبت بذلك جرائم يعاقب عليها القانون :

ج13   كلا ، لا أرى ذلك .

 س14 هل لديك ما تضيفه إلى أقوالك ؟

ج14   أرى أن كلامي مفيد للمرحلة الحالية، وألفت النظر إلى محاضرتي التي ألقيتها في منتدى الحوار الوطني في 5/8/2001 فهي تلخص وجهة نظري سابقاً ولاحقاً وهذه إفادتي .

تليت عليه إفادته فأيدها ووقعها

دمشق 1/9/2001

محــرر                      محقــق                               مسـتجوب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*علماً أن ابن العم اعتقل في طرطوس الساعة 15 ظهرا.

 

ملحــق (2)

 

( رياض الترك / ملف* )

 

_ بتاريخ 17/1/2000 نشر في صحيفة (الحياة) حوار أجراه محمد علي الأتاسي مع رياض الترك، قـال فيـه  هذا

   الأخير: "إننا في سورية، لا نتمتع بحريتنا، إنني حر بمعنى خروجي من السجن الصغير إلى السجن الكبير، وعلينا  جميعاً   أن نسعى إلى فتح أبوابه ليس بحثاً عن الحرية القصوى وإنما سعياً إلى استرداد الحريات العادية التي سلبت من  الناس،   وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نضال شعبي وتعاون مختلف القوى..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أرسلته شعبة الأمن السياسي الى محكمة أمن الدولةالعليا لتتم محاكمة "ابن العم" بناء عليه.

 

 

 

وقال أيضاً في نفس المقابلة :  "أمـا  أزمة المجتمع فهي نتيجة ومحصلة لما مارسه النظام خلال فترة حكمه الطويلة .. فقد أقصى السياسة عن المجتمع  وأفقر  شرائح واسعة من الناس وخلق تمايزاً اجتماعياً رهيباً وأزمة اقتصادية خانقة، في وقت انتشرت فيـه البطالـة  وبات  المواطن العادي مشغولاً باللهاث وراء لقمة العيش بعيداً عن السياسة وهمومها..." .

_ بتاريخ 27/6/2000 وفي مقابلة مع جريدة (الليموند) الفرنسية قال رياض الترك :"إن نفسية  حافظ الأسد جعلت

   سورية ملكية شخصية له، وبالتالي فمن المفترض أن يقوم بتوريثها كما لو أنها ميراث.. خلال  ثلاثين  عاماً من الحكم

   قام حافظ الأسد بإفراغ مؤسسات الدولة من مضامينها وانتقلت السلطة الفعلية إلى القصر الرئاسي حيث يعمــل

   العديد من الأشخاص المكلفين بملفات غاية في الأهمية والمجهولة هويتهم تماماً بالنسبة للشعب، كما انتقلت السلطة إلى

   أجهزة المخابرات" .. كما قال في نفس الصحيفة :"إنه  لن يصوت لبشار الأسد المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية في

   سوريا، و:"أقول هذا علناً لأن الأمر عبارة عن مهزلة" ..

_ بتاريخ 22/7/2000 وفي مقال نشر في جريدة (النهار) انتقد رياض الترك الدستور ونسبة الاستفتاء للسيد الرئيس

   بشار الأسد ووصف مسيرات التأييد بأنها نابعة عن الخوف من السلطة  وأجهزتها القمعية، وفي هذا الصدد يقول:"في

   سوريا اليوم لا يزال الخوف جاثماً على الصدور ولا تزال تتولد عنه طقوس من الطاعـة والإذعـان يعرف  القيّمون

   عليها والمشاركون فيها زيفها وبطلانها فكيف يمكن للمواطن أن يصدق عفوية مسيرات البيعة وهو نفسه يشارك فيها

   مرغماً.. وكيف له أن يتجنب المشاركة فيها وهو مهدد بلقمة عيشه ووظيفته ومستقبله ..لا أحد في سورية يصـدق

   هذه المسرحية الكئيبة التي عنوانها_ تركيع الوطن"..  وتابع قائلاً :"إن مشكلتنا ليست مع الدكتور بشـار الأسـد

   فالرجل لم يتبوأ في الماضي أي منصب رسمي... أما اليوم  فالمشكلة آتية من آلية وصوله إلى السلطة عن طريق الوراثة،  

   إنها سابقة خطيرة ويمكن أن تتكرر مع أخوته وأبنائه .. لا يمكن أن يستمر اختصار المجتمع السـوري بكل مشـاربه  وتنوعاته في كلمتي /موافق/ و /غير موافق/ يدلي بإحداهما المواطن المكبلة يداه بالخوف.." ، وفي نفـس  المقال يقول  رياض الترك :"إننا نعيش اليوم في سورية أزمات عميقة ومستعصية تراكمت خلال الثلاثين سنة الماضية وهي تطـال مختلف جوانب حياتنا وتهز مجتمعنا هزاً عنيفاً .. إنها في الأساس أزمة نظام قاد البلاد والناس إلى هذا الوضع الكارثي  وفي غياب الإصلاح السياسي الحقيقي سيبقى أي حل عبارة عن محاولة فاشلة لترويج وجوه جديدة  في ظل نظـام  ستعيد مؤسساته _ الباقية على حالها _ إنتاج الفساد والمفسدين .." ، وقال أيضاً :"إن مهمـة كل سياسـي ونقابي ومثقف وكاتب بما يملكه كل في مجاله من رأس مال رمزي  وثقل معنوي هي المساهمة في إخـراج شـعبنا من بحـر  الأكاذيب إلى بر الحقيقة .. فمن غير الممكن  أن تبقى سورية مملكة صمت في وقت أصبح فيـه من المسـتحيل كمّ الأفواه وخنق الكلمة الحرة .. قد يتصور  البعض أن النضال من أجل إقامة نظام وطني ديمقراطي بديل، هو في ظـل   الأوضاع والتوازنات الراهنة  نوع من أنواع التطرف أو شكل من أشكال محاربة طواحين الهواء، لكن الوطن لم يكن  قط طاحونة هواء  ونحن لسنا انتحاريين وعاشقي سجون، فقد علمتنا السنون الطويلة بما فيها سنوات السجن المديدة  معنى الحياة والحرية  ومعنى التمتع بهما والحفاظ عليهما لكنها علمتنا أيضاً أن حرية الشعوب لا تسـتجدى ولكـن  تنتزع انتزاعاً"...  وفي نهاية المقال شبه رياض الترك حالة وصول السيد الرئيس بشار الأسد إلى السلطة بحالة معاوية  الثاني بعد وفاة والده يزيد الذي نصحه أحد الحكماء في عصره إما أن يعدل أو يعتزل فاعتزل وترك للناس أن يختاروا  للخلافة من يشاؤوا ..

_ بتاريخ 30/11/2000 وفي ندوة فكرية بمنزل محمد نذير دباغ في القامشلي حضرها /11/ شخصاً، تحدث رياض

   الترك عن ظاهرة الفساد الإداري وانتشار الرشوة، وطالب بضرورة محاربتها وإلغـاء قانـون الطـوارئ وإتاحـة

   الديمقراطية، وقال :"إن ما يشاع حول تحسين الأوضاع المعيشية اجتماعية والسياسية والاقتصادية ما هو إلا هراء ..

   وإن هذه الأمور تتطلب تغييراً واسعاً في كل هياكل الدولة، وتغيير ما أسـماه رموز النظـام ..إن الوصفـات التي

   يتحدثون عنها ما هي إلا لتخدير الجماهير .." .

_ بتاريخ 5/8/2001 قام بإلقاء محاضرة ضمن فعاليات (منتدى الأتاسي) في دمشـق، بدأهـا بانتقاد طريقة  انتقال

   السلطة إلى السيد الرئيس بشار الأسد، وتهجم على طريقة تبديل الدستور بنصف ساعة وتفصيله _حسب تعبيره_

   على مقاس شخص واحد، ووصف ذلك بأنه يتنافى مع أبسط مبادئ الديمقراطية، ووصف النظام في سورية بأنه نظام

   استبدادي وأصبح وراثياً، كما انتقد الدور السوري في لبنان وطالب بعدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية، ثم انتقل  إلى مهاجمة النظام من كل إيجابياته، وشكك بإمكانية الإصلاح، وانتقد حزب البعث  العربي الاشـتراكي وأحـزاب  الجبهة ووصفها بأنها أفرغت من أي مضمون، وبشر بأن التغيير قادم لا محالة، وأن التاريخ  لن يرحم من يقف بطريقه 

  وفي نهاية محاضرته ختمها بالقول :"الحديث عن الديمقراطية ليس صحيحاً كما قاله بشار الأسد وكما قاله أبوه ..أريد

   أن أبرهن ..هل نجحت؟..ربما..خرجت باستنتاجات أن الديمقراطية أفضل الأساليب للحياة  المستقرة .. وأقترح على

   الآخرين أن يتحدثوا عن الديمقراطية التي كان ينتهجها حافظ الأسد وعن ديمقراطية هذا العهد ..  أتحدى المخابرات،

   وأتحدى حافظ الأسد، وأتحدى ابنه إذا كانت لديهم وثيقة عن تعاملنا مع الأخوان المسلمين .. وأتحداهم أن  ينشروا

   أقوالي في الفرع العسكري .. لم يسألوني عن الأخوان، ولا عن العراق .. كانوا يريدون معرفة علاقة الحزب بالاتحاد 

   الســوفييتي .." .

_ بتاريخ 9/8/2001 وفي لقاء على الهاتف مع إذاعة (مونتي كارلو) قال رياض الترك :"أي إنسان يزور سورية يرى

   بوضوح أن هناك فوارق في المواقف في مختلف قوى السلطة .. السلطة هناك فيها قوى فعلية، والذين يمسكون بالقرار

   مثل مؤسسة الرئاسة التي هي الآن ليست تماماً ماسكة للقرار، أظن أن الرئيس بشار الأسد استلم منصباً ولم يسـتلم

   سلطة، فهناك مؤسسات مثل مؤسسة حزب البعث ومثلها مثل باقي المؤسسات لا يعرفون ما يجري فوق .. فالعمـل

   السلطوي يجري تهيئته في الغرف المظلمة " ..

_ بتاريخ 15/8/2001 جرى اتصال هاتفي بينه وبين قناة (الجزيرة) في الوقت الذي كانت فيـه تلك المحطـة تجري

   حواراً مع نزار نيوف وقد أيد كل منهما الآخر في طروحاته المعادية، وتحدث الترك خلال ذلـك  عن المحاضرة  التي

   ألقاها في منتدى جمال الأتاسي وتطرق بحديثه للرئيس الراحل ووصفه بالديكتاتور ..

 

§  يتضح من استعراض وقائع مقالات وأحاديث رياض الترك أن ما أقدم عليه يشكل بحقه الجرائم المنصوص عليها في المواد:/286، 291، 293/  من قانون العقوبات العام والفقرة (هـ) من المرسوم التشريعي رقم /6/ المادة الثالثة منه .

 

ملحـق (3)

 

أساس /3/ لعام ‏2002‏‏                                                  قرار/90/     

_ باسم الشعب العربي في سورية _

_ نحن القاضي حبيب نجمة _ عضو النيابة العامة لدى محكمة أمن الدولة العليا بعد الاطلاع على

1_ أمر الإحالة العرفي رقم /138/9/2 الصادر عن نائب الحاكم العرفي بتاريخ 1/9/2001م، والمتضمن إحالة المدعو رياض بن محمد علي الترك إلى محكمة أمن الدولة العليا لمحاكمته أمامها عن الجرائم المعزوة إليه .

2_ ضبط فرع التحقيق لدى شعبة الأمن السياسي التابعة لوزارة الداخلية المـؤرخ في 1/9/2001 والمتضمـن للتحقيقات الأولية الجارية مع المذكور .

3_ كافة المقالات والمحاضرات الصادرة عن المذكور المرفق صورة عنها في الملف.

4_ ادعائنا رقم /234/ون المؤرخ في 2/9/2001 والمتضمن تحريك دعوى الحق العام بحق رياض بـن محمـد علي الترك بجرائم القيام بنقل أنباء في سورية يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمـة وفق المادة  /286/ عقوبات عام وإذاعة أنباء كاذبة في الخارج من شأنها أن تنال من هيبة الدولة وهو على بينة من الأمر وفق المادة /287/ من قانون العقوبات العام والقيام باعتداء يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشـروعة وفـق  المادة /291/ عقوبات عام والقيام بإلقاء الخطب والكتابات بقصد إثارة عصيان مسـلح ضد السلطات القائمـة بموجب الدستور وفق أحكام المادة /293/ من قانون العقوبات العام .

5_ التحقيقات الجارية مع المدعى عليه أمامنا.

6_ كافة أوراق الدعوى والتحقيقات الجارية فيها وكافة تفرعاتها .

فقـد تبين لنا مـا يلي :

 

في الوقائع :

تتلخص وقائع هذه الدعوى بأن المدعى عليه رياض بن محمد علي الترك قام بإلقاء الخطب والمحاضرات وأجرى لقاءات صحفية وتلفزيونية وألقى محاضرة بتاريخ 5/8/2001 أمام عدد كبير من الأشخاص وهذه الخطب والكتابات و المحاضرات تتلخص وفق مايلي:

أولاً: بتاريخ ل 17/1/2000 قال المدعى عليه في حوار له مع صحيفة الحياة التي تصدر خارج القطر و توزع فيه أننا في سورية لانتمتع بحريتنا انني حرّ بمعنى خروجي من السجن الكبير وعلينا جميعاً أن نسعى إلى فتح أبوابه ليس بحثاً عن الحرية القصوى وإنما سعياً إلى استرداد الحريات العادية التي سـلبت من النـاس وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نضال شعبي وتعاون مختلف القوى .

ثانياً: بتاريخ 30/6/2000 وفي حوار جرى معه في صحيفة اللموند الفرنسية والتي تصدر بطبعة خاصة بالشــرق الأوسط قال المدعى عليه "في نفسية حافظ الأسد أصبحت سورية ملكية شخصية له وبالتالي فمن المفتـرض أن يورثها كما لو أنها ميراث، خلال ثلاثين عاماً من الحكم قام حافظ الأسد تدريجياً بإفراغ مؤسسات  الدولة مـن مضامينها، السلطة التشريعية الممنوحة للبرلمان تلاشت وكذلك هو الحال مع السلطة التنفيذية وكذلك فإن حزب البعث الذي يشكل أحد دعائم النظام لم يعد له أي دور فعلي كتشكيل سياسي" .

  _ ولدى سؤاله عن الاستفتاء حول رئاسة الدكتور بشار الأسد للجمهورية أجاب في الحوار نفسه قائلاً:"هذا يدعو للضحك إنهم يسخرون من الشعب وهذا دليل أن لاشيء قد تغير لن أذهب للتصويت لبشار الأسد وأقول هذا علناً هذه مسخرة (مهزلة) بكل الأحوال هو ليس بحاجة إلى صوتي .

Cela fait plutôt sourire : on se moque du peuple, c'est bien la preuve que rien n'a changé. Je n'irai pas voter pour  Bashar AL Assad et je le dis publiquement, c'est une mascarade. De toute façon il n'a pas besoin de ma voix.  

  _ وصف بنفس الحوار أن الحالة الراهنة في سورية : نظام شمولي وجمهورية وراثية.

  _ وفي معرض رده على موضوع الإصلاحات في سورية قال : قبل أن نتكلم عن الإصلاح الإداري يجب تعديـل وتغيير الدستور الذي يجعل حزب البعث مقرراً للأمور وهذا ما نراه اليوم في موضوع انتخاب رئيس الجمهورية فهذا الحزب هو الوحيد الذي يختار المرشح فيما الشعب لا خيار له .

  _ أسلوب النظام الذي يحتكر السلطة أضعف كثيراً الأطر التشريعية والقانونية.

  _ الدولة أصبحت نظاماً من الاقطاعات والمافيات الصغيرة التي يترأسها ديكتاتوريون صغار.

  _ إن الميل للفساد والرشوة موجود في كل مكان وحتى في أوروبة لكن النتائج والعواقب هي أكثر حدة في سورية.

ثالثاً: بتاريخ 22/7/2000 صدر له مقال (مملكة الصمت) في ملحق جريدة النهار التي تصدر في لبنان جاء فيه :

   _ في سوريا اليوم لا يزال الخوف الحاضر الأكبر في علاقة الناس بالسلطة والجميع يخافون السلطة وأجهزتها القمعية.

   _في سوريا اليوم لا يزال الخوف جاثماُ على الصدور ولا تزال تتولد عنه طقوس من الطاعة والإذعان يعرف القيّمون عليها والمشاركون فيها زيفها وبطلانها فكيف يمكن المواطن أن يصدق عفوية مسيرات البيعة؟! وهو نفسه يشـارك فيها مرغماً ومذعناً وكيف له أن يتجنب المشاركة فيها وهو مهدد بلقمة عيشه ووظيفته ومسـتقبله إن هو فعـل لا أحد في سورية يصدق من هذه المسرحية الكئيبة التي عنوانها (تركيع الوطن).

   _ وصف تسلم الرئيس بشار الأسد لرئاسة الجمهورية بالمشكلة حيث قال (فالمشكلة آتية من آليـة وصولـه إلى السلطة عن طريق الوراثة أنها سابقة خطيرة ويمكن أن تتكرر مع أخوته وأبنائه) وأضاف قائلاً: (فمن غير المعقول في ظرفنا الراهن أن يستمر اختصار المجتمع السوري بكل مشاربه وتنوعاته في كلمتي موافق وغير موافـق يدلي بإحداهما المواطن المكبلة يداه بالخوف لاختيار مرشح وحيد لم يتضح بعد برنامجه السياسي .

  _ إننا نعيش اليوم في سوريا أزمات عميقة ومستعصية تراكمت خلال الثلاثين سنة الماضية ويعترف بها القـاصي والداني بما في ذلك بعض أطراف السلطة وهي تطاول مختلف جوانب حياتنا وتهز مجتمعنا هزاً عنيفاً وتهدد لحمته الوطنية إنها في الأساس أزمة نظام قاد البلاد والناس إلى هذا الوضع الكارثي.

 _ إن الإصلاح السياسي المنشود ينطلق من إقامة نظام وطني ديمقراطي يقوم على التعددية الحزبية التي تنفي مقولة الحزب القائد.

 _ إن لإشاعة الديمقراطية كمبدأ ناظم للحياة السياسية والاجتماعية تسمح بحل تناقضات المجتمع بالوسائل السلمية وتتيح تداولاً سلمياً للسلطة وترسي استقرار لا تحميه إلا الأجهزة القمعية.

_ هذا الاستقرار هو الذي يعيد إلى المجتمع وحدته الوطنية التي بالاستناد إليها نستطيع أن نؤمن لسوريا  مكانة عربية ودولية لائقة وتضامناً معها في مواجهة التحديات والاستحقاقات المختلفة وخصوصاً استحقاق التسوية مع اسرائيل والانفتاح على العالم الخارجي وكذلك حل كل الإشكالات الناجمة عن الوجود السوري في لبنان بما فيـه مصلحة الشعبين من البلدين الشقيقين.

 _ في حديثه عن الإصلاح الاقتصادي قال : لا بد أن يترافق ويتوازن مع الإصلاح السياسي هذا إذا كـان لـدى السلطة الجديدة نيات صادقة في هذا المجال.

 _ إن حرية الشعب لا تستجدى ولكن تنتزع انتزاعاً.

رابعاً : وبتاريخ 5/8/2001 ألقى المدعو عليه محاضرة في منتدى جمال الأتاسي بدمشق وصف فيها دخـول الجيش السوري إلى لبنان بأنه خاطئ وقد جاء فيها أيضاً :

 _ في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ساد الركود جميع الميادين من السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغدا اسمه الاستقرار .

 _ وكان هذا الركود الشامل نتيجة لذلك الاستبداد وتلك الشمولية .

 _ مع وفاة الرئيس الراحل حافظ السد ومجيء الدكتور بشار الأسد إلى سدة الرئاسة دخلت سورية مرحلة جديدة .

 _ أصبحنا أمام نظام هجين لا هو بالنظام الجمهوري تماماً ولا هو بالنظام الملكي تماماً، هو بين بين أو ما اصطلح على تسميته بالنظام الجمهوري الوراثي.

 _ جاء الرئيس إلى سدة السلطة العليا في ظروف عدم وجود تعبير عن إرادة الشعب.

 _ يمكن اختصار الوضع في البلاد بكونه أزمة ركود شامل وتأخر وانسداد أفق في الميادين الاقتصادية والاجتماعيـة والسياسية.

 _ في السياسة قصور في تحقيق الإجماع حول القضية الوطنية وضياع في الموقف من الخارج.

 _ يمكن توصيف الحالة الراهنة من الحالة السياسية على أنها توازن الضعف القائم في جزء منه على الخوف المتبـادل استعارة من تعبير توازن القوى فالقوى الموجودة جميعها ضعيفة في النظام وقواه المتعددة  من جهة  وفي المعارضـة وقواها المختلفة من جهة أخرى.

 _ في معرض مناقشة المدعى عليه لموضوع الإصلاح خلص إلى ضرورة التغيير حيث قال حـول التغيير :"التغيير على أنواع في السياسة :

    1_ عن طريق العنف للإطاحة بالنظام السائد ولم يعد هناك مقومات للنجاح في مثل هـذا التغيير أو حتى استعداد للتضحية أو ميل للمغامرة بالقفز في المجهول أو إمكانات لوجستيه كما في القرن الماضي.

    2_ عن طريق البرلمان في بلد تفرض سلطته نواباً لا يمثلون الناس فيه.

    3_ تغيير من قبل الحاكم ذاته أو ثورة من فوق كما سماه ماركس حين وصف التغيير في ألمانيا القرن التاسع عشر.

     4_ تغيير عن طريق التعاقد ما بين سلطة تسلم بعجزها عن الاستمرار بالحكم على الطريقة ذاتها أمام أزمة مستفحلة تحتاج إلى جهد جماعي، واستطرد قائلاً:"جوهر المسألة حالياً هو الانتقال من حالة الاسـتبداد أو التسـلط  إلى الديمقراطية الأمر الذي يعني أن معركة التغيير معركة طويلة وصعبة ومعقدة ومع الأخذ بعين الاعتبار كل المعاني السابقة للتغيير وكل المخارج المحتملة من المأزق البنيوي العميق للوضع السوري فإن الحاسم والجوهري  في كل ذلك وعلى طول الخط هو وحدة المعارضة ومركزة نشاطها السياسي وإصرارها العنيد على الحلقة المركزية التي هي حلقة الإصلاح الديمقراطي الشامل.

  _ بعد ذلك طرح المدعى عليه وعلى شكل احتمال، التغيير على الطريقة الرابعة قائلاً: هنالك احتمال بأن يتم التغيير على الطريقة الرابعة وربما كان الناس أغلبهم يفضلونها عن تعب وإرهاق وطول نصب على الأقل.

     وفي ختام محاضرته أفاد أنه أو أنهم يدعمون الإصلاح ولكن دعمهم لا يكفي ما لم يدعم أهل الإصلاح أنفسهم 

     وأضاف قائلاً :"غير ذلك التغيير قادم لا محالة ولن يرحم التاريخ من يقف في طريقه أو يتردد في سـلوك دربه .

  _ لماذا لا نعمل على تخفيف آلام شعبنا فقد اكتوى الشعب بالألم إلى درجة لم تعد تطاق وأصبحـوا يتوقـون إلى مستقبل مفعم بالحرية والكرامة والأمن ؟!

خامساً: بتاريخ 15/8/2001 أجرى المدعى عليه اتصالاً هاتفياً بإحدى القنوات الفضائية التي كانت تبث برنامجاً بشكل مباشر على الهواء حيث تهجم فيه على شخص الرئيس الراحل حافظ الأسد وعلى الوضع في سورية وتكلم عن محاضرته التي ألقاها في 5/8/2001 حيث قال :

   _ عشرون سنة من  الاضطهاد في سورية بمختلف الأشكال جعلت بلدنا يعيش في كارثة وطنية هذه حقيقـة الآن مات الديكتاتور وجاء عهد جديد، هل علينا أن نفتح هذا الماضي بهذا الشكل؟! هذا سـؤال يطرحـه النـاس يريدون الخلاص من الاستبداد الناس يتطلعون إلى حياة أفضل وأعتقد أن مراكز القوى هي العنصر العميق في هذه العملية.

   _ أنا رأيي تغيير حقيقي لم يحصل لأن المسألة معقدة والمعركة طويلة والأزمة عميقة.

   _ أنا قلبت في المحاضرة مجمل إمكانات التغيير عرضت خمسة إمكانات يعني بدءاً من انقـلاب إلى تغيير عن  طريق البرلمان إلى آخره، لكنني وصلت في النهاية انطلاقاً من علاقتي بالناس ورؤيتي في الوضـع أن التغيـير عن طريق التعاقد هو الطريق الأسلم.

   _ تبقى القضية الأساسية بالنسبة لي كسياسي هو القطع مع النظام السابق والقطع أقصد به نحن قاطعين مع النظام منذ زمن طويل وقبل أن يأتي حافظ الأسد تنبأنا بكل ما فعله من كبريات .. ما يمكن أن تسمى كبريات الكبائر وهي أكبر من ذلك بكثير.

 

في الأدلـــــة :

ولقد تأيدت الوقائع المذكورة والمسرودة أعلاه بالأدلة التالية :

1_ النص الكامل للمحاضرة المؤرخة في 5/8/2001 بعنوان مسار الديمقراطية وآفاقها في سورية والتي ألقاها المدعى عليه على الحاضرين في منتدى جمال الأتاسي بدمشق.    

2_ النص الكامل للمقابلة الجارية مع المدعى عليه المنشورة في جريدة اللموند الفرنسية طبعة الشرق الوسط بتاريـخ 30/6/2000م.

3_ النص الكامل لمقالة المدعى عليه بعنوان (من غير الممكن أن تظل سورية مملكة الصمت) المنشورة في ملحق جريدة النهار المؤرخ في 22/7/2000م.

4_ التفريغ الكامل للحوار الهاتفي الذي تم مع المدعى عليه بناء على اتصاله بإحـدى القنـوات الفضائية بتاريـخ 15/8/2001م.

5_ أقوال المدعى عليه واعترافاته الواردة خلال التحقيق الأولي الذي جرى معه بموجب ضبط فرع التحقيـق  لدى شعبة الأمن السياسي التابعة لوزارة الداخلية المؤرخ في 1/9/2001م، والتي جاءت متوافقة ومتطابقة مع ما جـاء فـي وقائع الدعوى حيث تم سؤاله عن حديثه المؤرخ في 17/1/2000م، مع صحيفة الحياة والوارد في الفقرة الأولى من الوقائع فأجاب : نعم تحدثت بهذا الحديث وأعني بمختلف القوى هي هؤلاء الذين حرموا من الحرية ، وأجاب حول حديثه مع جريدة اللموند الفرنسية بتاريخ 27/6/2000 قائلاً: نعم لقد تحدثت فعلاً قائلاً أن نفسية حافظ الأسد جعلت سورية ملكية شخصية له وبالتالي من المفترض أن يقوم بتوريثها كما لو أنها ميراث، خـلال ثلاثين عاماً من  الحكم قام حافظ الأسد بافراغ مؤسسات الدولة من مضامينها وانتقلت السلطة الفعلية إلى القصر الرئاسي.

ولدى سؤاله حول قوله انه لن يصوت للسيد الرئيس بشار الأسد لأن الأمر عبارة عن مهزلة أجاب: نعم تحدثت بذلك ولكنني اتحفظ على عبارة مهزلة لحين قراءة النص الأصلي للصحيفة عندها أوافق على العبارة فيما إذا كانت مثبتة في الصحيفة.

      واعترف المدعى عليه بما جاء وصدر عنه في  جريدة النهار بتاريخ 22/7/2000 وأنكر إقـدامـه على عقـد الاجتماعات والندوات بدون إذن رسمي للسعي  لإثارة البلبلة والإخلال بالأمن وإضعـاف الشعـور الوطـني وتفكيك الوحدة الوطنية للوصول إلى قلب النظام  حيث أجاب قائلاً: أرفض هذا  الاتهام وأستنكره فأنا شيوعي واجبي أن أتصل بالناس ولاآخذ إذناً من أحد، واعترف المدعى عليه بإجرائه الحوار مع القناة الفضائية التلفزيونية ووصفه الرئيس الراحل حافظ الأسد بالديكتاتور.

6_ أقوال المدعى عليه أمامنا والتي تضمنت اعترافـاته في محضر استجوابه المؤرخ في 8/10/2001 وبحضور وكيله المختار المحامي خليل معتوق بعد أن رفض ولعـدة مرات حضور رئيس فرع نقابة المحامين بدمشق المفوض من قبل رئيس فرع نقابة المحامين في مدينة حمص للاستجواب، وحضور المحامي حسن عبد العظيم للاستجواب أيضاً مصراً على حضور وكيله المختار حيث أفاد المدعى عليه قائلاً : إنني لا أنظر إلى الأمر كجرائم أو جنح وإنما هو لا يعدو

خلافاً سياسياً كسياسي طرح وجهة نظره حول الأوضـاع  القائمة في بلدنا وهذه الآراء يبدأ تاريخها مؤخراً منذ خروجي من السجن في أيار عام 1998. حيث أنني منذ ذلك التاريخ أطرح أفكاري وآرائي وبنفس الوتيرة  ولم أسمع عن أي اعتراض عليها من قبل السلطة ولم يتم اتخاذ أي إجراء قانوني سابقاً حول هذا الموضوع وبالتالي  فإن  موضوع توقيفي الحالي يرتبط برمته ويدور حول الرأي السياسي فقط وإنني أنكر بشكل مطلق ما أسند إلي  مـن ادعاء يتعلق بنص المادتين /291/ و /293/ من قانون العقوبات العام، وإنني أنكر أيضاً ما أسـند إلي بالـمادتين   /286/ و /287/ كون الأفكار التي طرحتها لم أقصد من خلالها أن أوهن نفسية الأمة أو أن أنال من هيبة الدولة وإنما كان هدفي هو الحوار والمصالحة الوطنية وعلى أن يتم أي تغيير عن طريق الحوار وهذا الحوار  هو الذي  يمكن عن طريقه الوصول إلى التعاقد الذي تكلمت عنه في محاضرتي وان التحقيقات التي جرت معي أمام الأمن السياسي لا تعبر عن وجهات نظري بشكل واضح وجلي وإن كافة أجوبتي في التحقيقات المذكورة يمكن العثـور عليـها بشكل سهل وواضح فيما إذا تم الاطلاع من قبلكم على المستندات الأساسية لهذه الأقوال وهذه المستندات  هي محاضرتي في منتدى جمال الأتاسي بتاريخ 5/8/2001 ومقالي لملحق جريدة النهار بتاريخ 22/7/2000  إضافة إلى الاتصال الذي جرى معي من قبل قناة الجزيرة الفضائية خلال المقابلة التي تمت مع السيد نزار نيوف في برنامج بلا حدود إضافة إلى حديثي مع جريدة اللموند الفرنسية بتاريخ 27/6/2000 وإن هذه الكتابات والأحـاديث ليست بحاجة إلى سؤال حولها كونها موجودة ويمكن الحصول عليها بأسهل الطرق أي أن أقـوالي  أمـام الأمـن السياسي كانت مختصرة ومقتضبة وهي تحتاج إلى تدقيق ولا تفيد الحقيقة شيئاً طالما أن الأصل ليس سرياً أو مخفيـاً فالمحاضرات موجودة والجرائد موجودة ويمكن الرجوع إليها.

   وبعد ذلك تم اطلاع المدعى عليه على نص محاضرته المؤرخ في 5/8/2001 والتي ألقاها أمام منتدى جمال الأتاسي نصاً وحرفاً والمرفقة بالملف حيث أيد ما جاء فيها وأجاب قائلاً : بعد اطلاعي على المحاضرة المذكورة المؤلفـة من عشر صفحات المرفقة بملفكم فإنني أؤيد ما جاء فيها وهذه المحاضرة هي التي ألقيتها نصاً وحرفاً ومسـتعد للتوقيع عليها، وتم اطلاع المدعى عليه على ما ورد في جريدة اللوموند بتاريخ 30/6/2000 حيث أجاب قائـلاً : نعم وإنني اطلعت على الحوار أمامكم والصورة المرفقة بالملف هي صحيحة وان مقالي في ملحق جريدة النهار بتـاريخ

22/7/2000 هو صادر عني أيضاً وإن ما ورد في حلقة الجزيرة مع نزار نيوف هو صحيح أيضاً بعدما تليتمـوه علي نصاً وحرفاً.

7_ أقوال الشاهدين ناصر عبيد الناصر وسليم ناصر بركات أمامنا.

8_ كافة أوراق الدعوى والتحقيقات الجارية فيها وتفرعاتها.

 

في المناقشة والتطبيق القانوني :

حيث ثبت وبما لا يدع مجالاً للشك من خلال وقائع هذه الدعوى وأدلتها المسرودة أعلاه والتي بلغت حد الكفاية من الثبوت إقدام المدعى عليه رياض بن محمد علي الترك على إلقاء الخطب والمحاضرات وإجراء الحوارات الصحفية والتلفزيونية وكتابة المقالات في الجرائد والتي يتهم فيها السلطات العليا في القطر بشكل مغرض ويتهجم عليها داعياً إلى تغيير الدستور واصفاً سورية بأنها سجن كبير بسبب هذا الدستور الذي جعل من حزب البعث مقرراً للأمور.

وحيث ثبت من وقائع الدعوى وأدلتها وأقوال واعترافات المدعى عليه خلال مرحلة التحقيق الأولي معه وأمامنا أيضاً أنه قال أنه من غير المعقول أن يستمر اختصار المجتمع السوري في كلمتي موافق وغير موافق يدلي بإحداهما المواطن المكبلة يداه بالخوف لاختيار مرشح وحيد لم يتضح بعد برنامجه السياسي.

وحيث أن المادة /84/ من دستور الجمهورية العربية السورية والذي تم الاستفتاء عليه والموافقة عليه بالنتيجة من قبل الشعب العربي في سورية بكافة فئاته تنص على آلية انتخاب رئيس الجمهورية وحيث أن ما جاء في أقوال المدعى عليه إنما فيه دعوة إلى تغيير هذه المادة من الدستور حول هذه النقطة بالذات والتي هي انتخاب رئيس الجمهورية وكيفية ذلك إلا أن المدعى عليه أردف في قوله هذا عبارات تحريضية مغرضة حين وصف بأن المواطن يدلي برأيه وهو مكبلة يداه بالخوف لاختيار مرشح وحيد.

وحيث ثبت أن المدعى عليه قال أنه قبل أن نتكلم عن الإصلاح الإداري يجب تعديل وتغيير الدستور الذي يجعل حب البعث مقرراً للأمور هذا ما نراه اليوم في موضوع انتخاب رئيس الجمهورية فهذا الحزب هو الوحيد الذي يختار المرشح فيما الشعب لا خيار له.

وحيث أنه من استقراء العبارات المذكورة يتبين أن المدعى عليه وبنفس الطريقة السابقة أردف قوله بعبارات تحريضية سيئة حينما قال أن الشعب لا خيار له متناسياً في ذلك القاعدة الشعبية العريضة والواسعة التي يشكلها حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر العربي السوري حتى تكاد تستغرق المجتمع السوري بأكمله.

وحيث ثبت أن المدعى عليه قال أيضاً أن الإصلاح السياسي المنشود ينطلق من إقامة نظام وطني ديمقراطي يقوم على التعددية الحزبية التي تنفي مقولة الحزب القائد وهذا ما يخالف المادة الثامنة من الدستور التي نصت على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية، وبالتالي فإن دعوة المدعى عليه إلى الإصلاح السياسي رابطاً ذلك بإقامة نظام وطني ديمقراطي يقوم على التعددية الحزبية إنما تعني أن النظام القائم في سورية ليس وطنياً ولا ديمقراطياً، وبعد ذلك جعل كل ذلك يدور حول فكرة الحزب القائد إنما فيه دعوة تقوم على التهويل والتحريض والإساءة بهدف تغيير الدستور في البلاد سيما وأنه أقرن دعواته هذه لتغيير الدستور بالتهجم على السلطات العليا في القطر واصفاً إياها بالاستبداد والشمولية وإن الوضع في البلاد يمكن اختصاره بأنه أزمة ركود شامل وتأخر وانسداد أفق في كافة الميادين مفصلاً فيها وداعياً للتغيير طارحاً أساليب لهذا التغيير الذي وصفه بأنه قادم لا محالة.

وحيث أن الدستور هو دعامة كل مؤسسات الدولة وهو الذي تنبع منه القواعد والشرائع في كافة المجالات وهو المصدر الوحيد والأصيل للقوانين والمراسيم وكافة الأعمال الإدارية والتشريعية والقضائية.

وحيث أن المشرع عاقب على الاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة بالاعتقال المؤقت في الفقرة الأولى من المادة /291/ من قانون العقوبات العام، ثم شدد العقوبة بالنسبة لهذا الاعتداء إلى الاعتقال المؤبد إذا لجأ الفاعل إلى العنف، وعليه فإن الاعتداء المقصود بالمادة /291/ له عدة أوصاف وطرق فهو يكون عن طريق العنف وقد يكون بغير ذلك وبالتالي فإنه لا يشترط استعمال العنف لقيام وتحقيق الجرم المذكور وإنما يكفي فيه ابتداءاً قيامه على أسس معنوية قائمة على خطب وكتابات يتوجه بها الفاعل إلى الجمهور بحيث يؤثر فيها على نفوس الأشخاص اللذين يتلقون أفكاره وعباراته وأقواله وذلك بما يضمن هذه الأقوال والعبارات من معاني التحريض والتهويل والاستياء حيال دستور الدولة داعياً إلى تغييره ومستهدفاً النيل منه.

وعليه ومن خلال ما سبق بيانه فإن الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور يتحقق ركنه المادي كجرم جزائي دون أن يلجأ الفاعل إلى العنف فإذا لجأ إلى العنف كان العنف ظرفاً مشدداً لعقوبة الجرم الأساسي والذي هو الاعتداء دون عنف المنصوص عنه بالفقرة الأولى من المادة /291/ والذي يتحقق ركنه المادي طالما كانت طرق التغيير غير مشروعة كحض الجماهير واستنفار الجماعات للتظاهر ضد السلطات العليا القائمة في البلاد والمعارضة المكشوفة العلنية لدستور البلاد والدعوة إلى النضال الشعبي وهذا ما هو عليه حال المدعى عليه في دعوانا هذه.

وحيث أن المادة /149/ من دستور الجمهورية العربية السورية والتي تشكل الباب الثالث من الدستور قد نصت حول تعديل الدستور على ما يلي :

( المادة /149/  1_ لرئيس الجمهورية كما لثلث أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح تعديل الدستور.

                  2_ يتضمن اقتراح التعديل النصوص المراد تعديلها والأسباب الموجبة لذلك .

                  3_  يشكل مجلس الشعب فور ورود اقتراح التعديل إلى لجنة خاصة لبحثه.

                  4_ يناقش المجلس اقتراح التعديل فإذا أقره بأكثرية ثلاثة أرباع أعضائه اعتبر    التعديل نهائياً شريطة  اقترانه بموافقة رئيس الجمهورية وأدخل في صلب الدستور ).

وحيث المادة /149/ المذكورة حددت الطريقة الدستورية المشروعة لتغيير أو تعديل الدستور وبالتالي فإن أية دعوة للتغيير تخرج عن هذا النطاق وعن هذه الطريقة إنما تشكل طريقة غير مشروعة، فإذا اقترنت بالتحريض والتهويل وحض الجماهير بعبارات وأقوال علنية تنال من دستور الدولة وتسيء إلى نصوصه أضحت تشكل اعتداءاً وهو الاعتداء المنصوص عنه بالفقرة الأولى /291/ من قانون العقوبات العام وبالتالي فإن ما قام به المدعى عليه من حوارات صحفية وتلفزيونية وإلقاء الخطب والمحاضرات التي تضمنت جميعها عبارات وأقوال تنال من دستور الدولة وتدعو إلى تغييره وفقاً لما سبق سرده أعلاه وهي عبارات وأقوال تحريضية أقرنها بالإساءة إلى نظام الحكم القائم في سوريا زاعماً أنه ليس وطنياً ولا ديمقراطياً ومدعياً أن الشعب لا خيار له، وهذه الأقوال والعبارات قد استهدفت وبشكل مباشر إلى تغيير الدستور، مما يشكل بحقه جناية القيام بالاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة المنصوص عنها والمعاقب عليها وفق أحكام الفقرة الأولى من المادة /291/ من قانون العقوبات العام.

وبالتالي فإن ماقام به المدعى عليه من حوارات صحفية وتلفزيونية وإلقاء الخطب والمحاضرات التي تضمنت جميعها عبارات وأقوال تنال من دستور الدولة وتدعو إلى تغييره وفقاً لمل سبق سرده اعلاه وهي عبارات وأقوال تحريضية أقرنها بالإساءة إلى نظام الحكم القائم في سورية زاعماً أنه ليس وطنياً ولا ديمقراطياً ومدعياً أن الشعب لاخيار له, وهذه الأقوال والعبارات قد استهدفت وبشكل مباشر إلى تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة المنصوص عنها والمعاقب عليها وفق أحكام الفقرة الأولى من المادة /291/ من قانون العقوبات العام.

وحيث أ،ه ثبت بما لايدع مجال للشك من خلال وقائع هذه الدعوى والأدلة المساقة فيها أقدام المدعى عليه على الدعوة إلى النضال الشعبي واصفاً للسلطات العليا في البلاد بأنها قائمة على القمع والاستبداد وان الشعب لاخيار له وهو ليس حراً في اتخاذ قراره وأنه يعيش في سجن كبير وأن حرية الشعوب لا تستجدى ولكن تنتزع انتزاعاً زاعماً أن الوحدة الوطنية غير موجودة ويجب استعادتها داعياً إلى التغيير وطارحاً عدة طرق لهذا التغيير منها طريقة التغيير عن طريق العنف للإطاحة بالنظام السائد آخذاً بعد ذلك بعين الاعتبار كل معاني التغيير المطروحة من قبله ومنها طريقة التغيير عن طريق العنف واصفاً الانتقال من حالة الاستبداد والتسلط التي يزعمها في أقواله وعباراته إلى الديمقراطية أنه معركة طويلة وصعبة ومعقدة داعياً إلى وحدة المعارضة المزعومة ومستنتجاً في النهاية بأن التغيير قادم لا محالة حيث قام إضافة إلى كل ذلك بدعم أقواله هذه المليئة بالحض على العنف وانتزاع السلطة بأقوال تسيء للسلطات العليا وبأسلوب تحريضي يستهدف من ورائه استنفار الجمهور ضد السلطات القائمة واستعداء هذه السلطات عند ما زعم أن الأزمة تهز المجتمع هزاً عنيفاً وتهدد لحمته الوطنية وهي في الأساس أزمة نظام قاد البلاد والناس إلى هذا الوضع الكارثي داعياً إلى مقاطعة النظام عن طريق قوله بأنه قاطع من النظام السابق قاصداً بذلك مرحلة رئاسة الرئيس الراحل حافظ الأسد ومردفاً بأنه كان قد تنبأ بكل ما فعله الرئيس الراحل واصفاً ذلك بالكبريات ثم بعد ذلك وبعبارة استفزازية مضيفاً عبارة (ما يمكن أن تسمى كبريات الكبائر وهي أكبر من ذلك بكثير).

وحيث أنه ومن خلال ما سبق بيانه من أقوال وخطب تحريضية ضد السلطات القائمة في القطر قام بها المدعى عليه داعياً إلى التغيير للإطاحة بالنظام السائد وواصفاً إياه بالاستبداد والتسلط وأنه قائم على القمع مدعياً عدم وجود وحدة وطنية وأنه يعيش في سجن كبير وأن الشعب لا خيار له وليس حراً في اتخاذ قراره وأن التغيير معركة وأن الحرية أي حرية الشعوب لا تستجدى ولكن تنتزع انتزاعاً فإن هذه الأقوال والخطب والعبارات إنما يستنتج منها ومن معانيها أن المقصود منها هو إثارة الشعب واستنفاره وحضه على القيام بالعصيان المسلح ضد السلطات القائمة.

وحيث أن الهدف الذي يتوخاه الفاعل في هذا الجرم هو إثارة العصيان المسلح ضد السلطات القائمة قد يتحقق وقد لا يتحقق إلا أن ركن الجرم المنصوص عنه بالمادة /293/ يكون قد تحقق بمجرد إلقاء الخطب والكتابات من أجل هذا الهدف وبهذا القصد ولا يتعدى ذلك إلى حصول هذا العصيان فعلاً، وبالتالي فإن دعوة المدعى عليه للتغيير عن طريق العنف ولو بشكل احتمالي ضمن عدة احتمالات ووصفه هذا التغيير بالمعركة ودعوته إلى النضال الشعبي ووصفه سوريا بأنها سجن كبير ثم انتقاله إلى الحرية بأنها تنتزع انتزاعاً ووصفه نظام الحكم والسلطات العليا في القطر بالاستبداد والشمولية وإنها قائمة على القمع وذلك من خلال محاضرته وكتاباته وحواراته التلفزيونية والصحفية إنما يشكل بحقه جرم القيام بإلقاء الخطب والكتابات بقصد إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور المنصوص عنه والمعاقب عليه وفق أحكام المادة /293/ عقوبات عام الفقرة الأولى منها.

وحيث يتضح ويتبين من خلال وقائع هذه الدعوى وأدلتها التي بلغت من الثبوت حد الكفاية إقدام المدعى عليه رياض بن محمد علي الترك وفي مقال له في جريدة النهار بتاريخ 22/7/2000 والتي توزع في سوريا على القول حول المسيرات المؤيدة لترشيح السيد الرئيس بشار الأسد لمنصب رئيس الجمهورية ( كيف يمكن أن يصدق عفوية مسيرات البيعة؟ وهو نفسه يشارك فيها مرغماً ومذعناً وكيف له أن يتجنب المشاركة فيها وهو مهدد بلقمة عيشه ووظيفته ومستقبله إن هو فعل) إضافة إلى أنه وفي نفس المقال وصف الوضع القائم في سورية قائلاً (إننا نعيش اليوم في سورية أزمات عميقة ومستعصية تراكمت خلال الثلاثين سنة الماضية ويعترف بها القاصي والداني بما في ذلك بعض
أطراف السلطة وهي تطاول مختلف جوانب حياتنا وتهز مجتمعنا هزاً عنيفاً وتهدد لحمته الوطنية إنها في الأساس أزمة نظام قاد البلاد والناس إلى هذا الوضع الكارثي) وفي كلامه عن الاستقرار وعن مكانة سوريا العربية والدولية وعن موضوع دخول الجيش السوري إلى لبنان أضاف في نفس المقال ما يلي: ( هذا الاستقرار هو الذي يعيد إلى المجتمع وحدته الوطنية التي بالاستناد إليها نستطيع أن نؤمن لسورية مكانة عربية ودولية لائقة وتـضامناً معهـا في مواجهـة

 

 

التحديات والاستحقاقات المختلفة وخصوصاً استحقاق التسوية مع اسرائيل والانفتاح على العالم الخارجي وكذلك حل كل الإشكالات الناجمة عن الوجود السوري في لبنان بما فيه مصلحة الشعبين بالبلدين الشقيقين) ولما كان المدعى عليه وبنفس الاتجاه وبنفس الأغراض وفي محاضرة ألقاها في منتدى جمال الأتاسي بتاريخ 5/8/2001 قال بأنه في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ساد الركود خميع الميادين السياسية والاقتصادية وغدا اسمه الاستقرار وأردف قائلاً: وكان هذا الركود الشامل نتيجة لذلك الاستبداد وتلك الشمولية وواصفاً النظام بالقطر أنه أصبح نظام جمهوري وراثي وأن الرئيس بشار الأسد جاء إلى سدة السلطة العليا في ظروف عدم وجود تعبير عن إرادة الشعب.

وحيث أن المدعى عليه وبنفس المقال وصف الوضع في سوريا بأنه أزمة ركود شامل وتأخر وانسداد أفق في الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وإن في السياسة قصور في تحقيق الإجماع حول القضية الوطنية وضياع في الموقف من الخارج وبأن القوى السياسية الموجودة في سوريا جميعها ضعيفة والوضع أشبه بتوازن الضعف استعارة من تعبير توازن القوى خالصاً من حيث النتيجة إلى نصيحة مليئة بالمغالطات ومفعمة بروح الضعف ومليئة بالمعاني المحطمة للنفوس التي قد تبعث بنفوس سامعيها روح الانهزامية والاستسلام التي تؤدي إلى إضعاف هذه النفوس من حيث النتيجة حين قال (لماذا لا نعمل على تخفيف آلام شعبنا فقد اكتوى الشعب بالألم إلى درجة لم تعد تطاق وأصبحوا يتوقون إلى مستقبل مفعم بالحرية والكرامة والأمن ؟!) وحيث أن نقل الأنباء يتجلى بروايتها وإبلاغها ويتم ذلك بالكتابة أو الخطابة أو الحديث الشفهي، والأنباء الكاذبة هي جميع الأخبار والبيانات والإشاعات والمعلومات التي لا حقيقة لها أصلاً أو التي طرأ عليها التحريف فطمس معالم الحقيقة فيها، وينبغي أن تكون هـذه الأنباء الكاذبة في معرض تحقيق الجرم المنصوص عنه بالمادة

/286/ عقوبات عام مما يوهن نفسية الأمة وحيث أنه لا يستلزم الشارع أن يحدث نقل النبأ الكاذب أو المبالغ فيه الوهن في النفوس فعلاً.

والشارع في المادة /286/ إنما يعاقب من يسعون إلى تحطيم صمود الشعب ومقاومته ويعاقرون الدعوة إلى الهزيمة بترويج الأخبار الكاذبة وترديد الشائعات المبالغ فيها والتي ينجم عنها إضعاف لطاقات النضال والجلد لدى الأمة، ولما كان ما أقدم عليه المدعى عليه من وصف الوضع  في البلاد بأنه كارثي وغير مستقر وفاقد للوحدة الوطنية وأن سورية ليس لها مكانة عربية ودولية لائقة وأن في السياسة قصور وضياع وبأن القوى السياسية في سوريا ضعيفة وأن الشعب اكتوى من الألم ويتوق إلى مستقبل مفعم بالحرية والأمن وذلك من خلال خطبه وكتاباته وأحاديثه إنما فيه من المعاني ما يوهن نفوس الشعب العربي في سوريا ويحبطها ويحطم صمود الشعب ومقاومته سيما وأن سوريا في حالة حرب وهذا ما يشكل بحقه جناية نقل أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها والتي من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب المنصوص عنها والمعاقب عليها وفق أحكام المادة /286/ من قانون العقوبات العام.

ولما كان قد ثبت من خلال وقائع الدعوى وأدلتها ومن اعترافات المدعى عليه إقدامه وفي حوار جرى معه في صحيفة اللوموند الفرنسية التي تصدر في فرنسا على القول أن الرئيس الراحل حافظ الأسد قام خلال ثلاثين سنة تدريجاً بإفراغ مؤسسات الدولة من مضامينها وأن السلطة التشريعية الممنوحة للبرلمان تلاشت.

وحول موضوع انتخاب الرئيس بشار الأسد أجاب محاوره قائلاً : هذا يدعو للضحك واصفاً السلطات بأنها تسخر من الشـعب وأن الموضوع مسخرة أو مهزلة حيث وصف الحالة الراهنة في سوريا بأنها نظام شمولي وجمهورية وراثية.

ولما كان المدعى عليه أقدم أيضاً على الاتصال بإحدى القنوات الفضائية والتي تبث برامجها في معظم أرجاء العالم حيث تهجم وعلى الهواء مباشرة على شخص الرئيس الراحل حافظ الأسد واصفاً إياه بالديكتاتور ومشيراً إلى أهن سورية تعيش كارثة وطنية ومضيفاً بنفس الحوار بأن الناس يريدون الخلاص من الاستبداد، ولما كانت صحيفة اللوموند هي صحيفة فرنسية وتصدر في فرنسا وتوزع في معظم أرجاء العالم ولما كانت القنوات الفضائية تشاهد في معظم أرجاء العالم أيضاً ولما كان إذاعة الأنباء هو تداول روايتها وبثها ونشرها بين الناس ويستوي فيها أن تتم بالمقالات أو الخطب بالكتابة أو القول أو أن تستخدم محطات الإذاعة أو التلفزيون وغير ذلك من الوسائط التي تستعمل في نشر الأخبار.

ولما كان ينبغي أن يكون من شأن هذه الأنباء الكاذبة أو المبالغ فيها أن تنال من هيبة الدولة السورية بالخارج وأن ما ينال من هيبة الدولة يتجلى في كل ما يسيء إلى سمعة نظام الحكم أو ينتقص من سلامة الأوضاع الداخلية في البلاد أو من سير الإدارة الحكومية ولا يستلزم القانون أن يقع الضرر فعلاً وأن تنال الأنباء المذاعة في الواقع من هيبة الدولة وإنما يكتفي أن يكون ذلك ممكناً أو محتمل الوقوع وبالتالي فإن ما قام به المدعى عليه  من مقال في جريدة اللوموند وحوار في المحطة الفضائية واصفاُ النظام بأنه شمولي ومستبد وإن السلطة تسخر من الشعب وأن سورية تعيش في كارثة وطنية وأن النظام في سورية أفرغ مؤسسات الدولة من مضامينها، إنما يشكل بحقه جرم إذاعة أنباء كاذبة في الخارج من شأنها أن تنال من هيبة الدولة المنصوص عنه والمعاقب عليه وفق أحكام المادة /287/ من قانون العقوبات العام .

وحيث أن المدعى عليه قد اعترف صراحة وبكل وضوح بكافة الأدلة التي جرى مواجهته فيها خلال استجوابه أمامنا إضافة إلى أقوال الشاهدين المستمعين أمامنا.

وحيث أن أدلة هذه الدعوى تعتبر كافية وبشكل تام لاتهام المدعى عليه والظن عليه بما أسند إليه من جرائم وفقاً للادعاء .

_ لـذلــــك _

وعملاً بأحكام المواد /286/ و /287/ و /291/ و /293/ عقوبات عام والمرسومين التشريعيين وقم /6/ لعام 1965 و/47/ لعام 2968.

   _ أقـــــرر:

1_ اتهام المدعى عليه رياض بن محمد علي الترك والدته آمنة مواليد حمص 1930 مسجل بالمسكن /44/ حميدية ومقيم في حمص حي المسلخ _ عربي سوري .

بجنايـــات :

    _ القيام باعتداء يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة المنصوص عنها والمعاقب عليها وفق أحكام المادة /291/ الفقرة الأولى عقوبات عام .

     _ القيام بإلقاء الخطب والكتابات بقصد إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور المنصوص عنها والمعاقب عليها وفق أحكام المادة /293/ عقوبات عام .

     _ القيام بنقل أنباء في سورية بزمن الحرب يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة وفق أحكام المادة /286/ من قانون العقوبات العام .

2_ الظن عليه بجنحة إذاعة أنباء كاذبة في الخارج من شأنها أن تنال من هيبة الدولة وهو على بينة من الأمر. وفق أحكام المادة /287/ عقوبات عام.

3- إحالته إلى محكمة أمن الدولة لمحاكمته أمامها بالجرائم المسندة إليه.

4- إصدار مذكرتي قبض ونقل بحقه.

5- تضمينه رسم القرار.

- قراراً مبرماً صدر بتاريخ ل 10/4/2002م.

                                                                        عضو النيابة العامة

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]           انظر نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المنشور في المحامون، العدد 1 و 2، السنة 64، 1999، ص. 7-13، ص. 13.

 

[2]           انظر عدنان القوتلي، "حقوق الإنسان بين القديم والحديث والمبادئ والتطبيق"، المحامون، العدد 12، السنة الثلاثون، 1965، ص. 3-6، ص. 5؛ عبد الوهاب الأزرق، "حقوق الإنسان أمام القضاء"، القانون، العدد 1، السنة 2، 1951، ص. 3-14. انظر كذلك فؤاد شباط، الحقوق الأساسية، (دمشق: مطبعة الجامعة السورية، معهد الحقوق العربي، 1946)، ص. 219: "إن الهدف الرئيسي من الدستور هو حماية الحريات التي يجب أن يتمتع بها الفرد في الدولة... إن الحريات العامة من الأمور الأساسية البديهية التي نص عليها بيان حقوق البشر".

 

[3]           انظر لوقا جميل لوقا، "الذكرى الخمسون للإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، المحامون، العدد 1 و 2، السنــة 64، 1999، ص. 7-13، ص. 8: إن حقوق الإنسان "ليست منحة أو منة من أحد و لا يؤذن بها من أية دولة، لأنها معترف بها كحقوق معلنة و مقررة في القانون الدولي وعلى كل دولة بصرف النظر عن نظامها السياسي أو الاقتصادي أن تكيف أنظمتها القانونية بحيث تعكس احترام و تطبيق مواد القانون الدولي الخاصة بحقوق الإنسان في الحياة و الحرية و الكرامة و المساواة أمام القانون، فهذه كلها حقوق طبيعية و أساسية للإنسان في كل المجتمعات لا يجوز انتهاكها أو الافتئات بها"؛ نزار بقدونس، "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، المحامون، العدد 12، السنة 31، 1966، ص. 512-516.

 

[4]           انظر عدنان القوتلي، الوجيز في الحقوق المدنية، (دمشق: مطبعة الجامعة السورية، 1957)، ص. 154.

 

[5]           المرجع السابق.

 

[6]           انظر أحمد الرشيدي، "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الدلالات، النجاحات، الإخفاقات"، قضايا حقوق الإنسان، المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الإصدار الخامس، ايلول 1999، ص. 89-100، ص. 96.

 

[7]           هذا ما قضى به رئيس المحكمة الدستورية العليا الاستاذ نصرت منلا حيدر في معالجته للمبادئ الأساسية الموجودة في الدستور و ضرورة تقيد القوانين بها. فقد اعتبر مثلا بأن النصوص المتعلقة بمحكمة أمن الدولة العليا التي تحجب الضمانات الأساسية للتقاضي المقررة في الدستور تشكل خرقا دستوريا لمبدأ المساواة أمام القضاء. انظر على سبيل المثال: نصرت منلا حيدر، "مبدأ المساواة أمام القضاء"، المحامون، العد 1 و 2، السنة 58، 1993ة ص. 7-36، ص. 19؛ نصرت منلا حيدر، "مدى دستورية القوانين التي تحجب حق التقاضي"، المحامون، العدد 10 و 11 و 12، السنة 41، 1967، ص. 225-253، ص.249، 252: "إن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد فرض النظام و استتباب الأمن إذا لم تحمل هذه السيادة في جنباتها معنى تقييد الحكام و الزامهم باحترام القانون، إذ تغدو السيادة في هذه الحالة ذريعة لتبرير الاستبداد. كما أنها لا تتحقق بمجرد خضوع الدولة للقانون، لأن السلطة التشريعية قد تطلق يدها في وضع ما تشاء من التشريعات التي تضحى واجبة الاحترام بغض النظر عن مضمونها متى توافرت شروطها الشكلية...إن الدولة في المجتمعات الحرة تخضع لقانون، ولا يخضع القانون فيها للدولة، يخضع للقانون كل من الحاكم و المحكوم، مهما كان شأن الحاكم...و الدولة في المجتمعات المتخلفة تخضع القانون لها، فيغدو سيفا مصلتا على الحقوق و الحريات في حين ينبغي أن يكون خادما لهذه الحقوق و الحريات"؛ نصرت منلا حيدر، "طرق المراقبة على دستورية القوانين"، المحامون، العدد 10 و 11 و 12، السنة 40، 1975، ص. 275-333، ص، 310.

 

[8]           نصرت منلا حيدر، "دور القضاء في حماية الحقوق و الحريات العامة"، المحامون، العدد 9 و 10، السنة 61، 1996، ص. 805-815، ص. 806: "غير أنه لا يجوز للقانون، وهو في سبيله لتنظيم الحقوق والواجبات أن يمحق هذه الحقوق والحريات بحجة التنظيم"؛ عبد الإله الخاني، "القانون الإداري وحقوق الإنسان"، المحامون، العدد 12، السنة 43، 1978، ص، 313-325، ص. 315.

 

[9]           انظر عبد الهادي عباس، "حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق"، المحامون، العدد 9، السنة 29، 1964، ص. 42-47؛

 

[10]          انظر في النقد المباح طارق سرور، دروس في جرائم النشر، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1997)، ص. 107 و ما بعد.

 

[11]          انظر عبد الهادي عباس، "حق الحرية في التفكير و الرأي و محنته"، المحامون، العدد 6، السنة 31، 1966، ص، 137-141، ص. 139: "إن التفكير الحر وسيلة لتنظيم الحياة في اتجاه السعادة، و بفضله يستطيع الناس أن يصلوا الى معرفة الحياة البشرية تمام المعرفة...إن كل ضغط على الأفكار و كل قمع من السلطة للآراء المعارضة لها لا يمكن أن يستأصل هذه الآراء و لكنه يؤدي بدوره الى طمس ذوي الأخلاق الصريحة الجريئة و العقول النيرة الحصيفة. ولن يظهر أو يطفو عندئذ على وجه المجتمع غير أولئك الرعاع الانتهازيين الذين يجترون كل مبتذل مألوف يرضي الطاغية ويبعد العقل عن التفكير الحر الجرئ، في المواضيع السامية. إن غاية حرية التفكير ليست فقط ايجاد مفكرين عظماء بل انها لازمة للبشر العاديين لتمكنهم من النمو العقلي. فقد أثبتت التجربة أن شعبا تسوده روح القمع والعبودية الفكرية لن يكون الا شعب رعاع، لأن النشاط الفكري و الابداع متلازم مع صيانة حرية التفكير وضمانها، ولأن الثقافة بدون حرية لم ولن تستطيع مطلقا تكوين عقل متحرر، وكل مذهب أو مبدأ لا يخضع للبحث الجرئ و النقد الحر من آن لآخر، يبقى مذهبا جامدا متحجرا لا حياة فيه".

 

[12]          الجريدة الرسمية السورية، العدد رقم 6، 1969، ص. 2698-2720.

 

[13]          انظر وحيد الدين سوار، "تدرج القواعد التشريعية و أثر التعارض بينها"، المحامون، العدد 6، السنة 29، 1964، ص.32-36، ص، 32، 35؛ انظر كذلك عدنان القوتلي، الوجيز في الحقوق المدنية، الحاشية 4، ص. 157.

 

[14]          انظر محمد عزيز شكري، مدخل الى القانون الدولي العام، (دمشق: جامعة دمشق، طبعة 1995)، ص. 440.

 

[15]          انظر رياض الداودي، "ملاحظات حول ندوة حقوق الإنسان المنعقدة في استــنبول فيما بين 28/3 و 1/4/1979"، المحامون، العدد 2 و 3، السنة 44، 1979، ص. 62-67، ص. 65؛ انظر كذلك جورج رضوان، "الأوامر العرفية التعسفية و الالتزامات الدولية"، المحامون، العدد 3 و 4، السنة 43، ص. 111-113، الذي يتحدث عن أولوية التعهد الدولي في مجال حقوق الإنسان، ص. 113؛ نزار عرابي، "المحامون... و الأوامر العرفية"، المحامون، العدد 5-8، السنة 43، ص، 151-161، ص، 154.

 

[16]          انظر تقرير سورية أمام لجنة حقوق الإنسان، وثيقة الأمم المتحدة رقم CCPR/C/SYR/2000/2، المقدم بتاريخ 22 آب 2000، ص. 7، فقرة 29. فيما يلي النص في الانكليزية كما قدم: Syria ratified the International Covenant on Civil and Political Rights in 1969، since »which time it has formed part of the country’s domestic legislation. When the Republic’s Constitution was drafted in 1973، the legislature showed due regard for the provisions of that Covenant and of other conventions and treaties which it had ratified.  Accordingly، there is no conflict between the articles of the Constitution and the provisions of the Covenant.  It is noteworthy that، in the event of conflict between any domestic legislation and the provisions of an international treaty to which Syria is a party، the provisions of the international treaty prevail.   In its ruling No. 23، judicial year 31، the Court of Cassation stipulated that:  “No domestic legislative enactment can lay down rules that conflict with the provisions، or even indirectly affect the enforceability، of a prior international treaty.”

 

[17]          الأمر العسكري رقم 2 لمجلس قيادة الثورة تاريخ 8-3-1963، الجريدة الرسمية رقم 21 تاريخ 21-3-1963 ص 2431.

 

[18]          انظر التعليق العام رقم 29 للجنة حقوق الإنسان حول المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية: وثيقة الأمم المتحدة CCPR/C/21/Rev. 1/Add.11 تاريخ 31/8/2001، فقرة رقم 6.

 

[19]          نصرت منلا حيدر، "مدى قانونية قرار الحاكم العرفي أو نائبه الذي يتجاوز فيه الصلاحيات المعطاة له في قانون الطوارئ،" المحامون، 1971، ص. 319-328؛ جورج رضوان، "الأوامر العرفية التعسفية و الالتزامات الدولية" المحامون، عدد 2 و 3 و 4، 1978، ص. 111-113؛ مروان صباغ، "الرقابة القضائية على الأوامر العرفية"، المحامون، نفس العدد، ص. 118-124.

 

[20]          قرار دائرة فحص الطعون لدى مجلس الدولة رقم 334 تاريخ 4-12-1978، المحامون عدد 6 و 7 و 8، السنة 44، 1979، ص. 435؛ قرار محكمة القضاء الإداري رقم 284-1 تاريخ 29-4-1997، المحامون العددان 5 و 6 1999، ص. 543؛ قرار رقم 798-2 تاريخ 19-10-1997 المحامون العددان 7 و 8 لعام  1999، ص. 741.

 

[21]          انظر التعليق العام للجنة حقوق الإنسان رقم 25 تاريخ 12/7/1996، فقرة 5.

 

[22]          انظر تقرير سورية أمام لجنة حقوق الإنسان، الحاشية رقم 16 أعلاه، فقرة رقم 332: النص بالإنكليزية: " the fundamental principle that participation in the conduct of public affairs is a sacred right which every citizen must exercise in person ".

 

[23]          انظر التعليق العام للجنة حقوق الإنسان رقم 10 على المادة رقم 19 من العهد تاريخ 29/6/1983، فقرة 1: النص بالانكليزية: " Paragraph 1 requires protection of the "right to hold opinions without interference". This is a right to which the Covenant permits no exception or restriction. ".

 

[24]          انظر تقرير سورية أمام لجنة حقوق الإنسان، الحاشية رقم 16 أعلاه، فقرة رقم 274.

 

[25]          محمد رياض الخاني، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، الجزء الأول، الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي، (دمشق: جامعة دمشق، 1981)، ص. 53. والجدير بالذكر بأن الفقرات المتعلقة بالصياغة التشريعية للجرائم الواقعة على أمن الدولة الموجودة في هذا الكتاب مأخوذة بكاملها من كتاب الدكتور محمد الفاضل، الجرائم الواقعة على أمن الدولة، طبعة 1963.

 

[26]          المرجع السابق، ص. 54.

 

[27]          محمد الفاضل، أصول المحاكمات الجزائية، الجزء الأول، (دمشق: مطبعة جامعة دمشق، 1963)، ص. 439.

 

[28]          عبد الوهاب حومد، أصول المحاكمات الجزائية، (دمشق: المطبعة الجديدة، 1987)، ص. 534.

 

[29]          نصرت منلا حيدر، ، "دور القضاء في حماية الحقوق و الحريات العامة"، الحاشية رقم 8 أعلاه، ص. 812.

 

[30]          انظر قرار محكمة النقض رقم 1074 تاريخ 30/12/1981، ياسين الدركزللي، المجموعة الجزائية، الملحق الدوري الأول (1) لقرارات عام 1981، القاعدة رقم 3710، ص، 475؛ انظر كذلك في نفس المرجع القاعدة رقم 2979، ص. 19.

 

[31]          محمد الفاضل، أصول المحاكمات الجزائية، الحاشية رقم  27 أعلاه، ص. 369، 373.

 

[32]          عبد الوهاب حومد، أصول المحاكمات الجزائية، الحاشية رقم 28 أعلاه، ص. 542.

 

[33]          المرجع السابق.

 

[34]          انظر على سبيل المثال في قواعد تفسير الأقوال: محسن فؤاد فرج، جرائم الفكر و الرأي و النشر، النظرية العامة للجرائم التعبيرية، (القاهرة: دار الفدا العربي، 1987)، ص. 74 و ما بعده و خصوصا ص. 85.

 

[35]          إن مواد قانون العقوبات السوري المدعى بها مؤخوذة بحرفيتها من تلك الموجودة في قانون العقوبات العام اللبناني. و مع شح الفقه في سوريا عن المواد المدعى بها، فإن الفقه و القضاء السوريين يلجأون الى أخواتهما في القانون اللبناني لتفسير هذه المواد. انظر بشكل خاص: فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية اللبنانية الحديثة، الكتاب العاشر، الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي، (بيروت: 1991)، ص. 29.

 

[36]          المرجع السابق، ص. 36.

 

[37]          المرجع السابق، ص. 28.

 

[38]          انظر مصطفى البارودي، الحقوق الدستورية، الجزء الأول (دمشق: مطبعة الجامعة السورية، 1952)، ص. 253.

 

[39]          رمسيس بهنام، شرح الجرائم المضرة بالمصلحة العمومية، (الاسكـندرية: منشأة المعارف، 1989)، ص. 146.

[40]          انظر على سبيل المثال يوسف سلامة، "الإصلاح السياسي في سوريا: معناه و حدوده"، النهار 20/2/2001.

[41]          فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية الحديثة، الحاشية رقم 35 أعلاه، ص. 58.

 

[42]          المرجع السابق، ص. 54.

 

[43]          المرجع السابق، ص. 56.

 

[44]          انظر على سبيل المثال عصام الزعيم، التنمية في سورية وتحديات الاندماج الاقتصادي الإقليمي في إطار العولمة، محاضرة ندوة الثلاثاء الإقتصادية، 18/1/2000: "لا أحتاج إلى التوقف طويلاً عند خصائص الوضع الراهن، وأعتقد أن ثمة اتفاق بين الاقتصاديين والمعنيين حول مشاكل التنمية في سورية، فسورية تعاني كما تعلمون عدداً من المصاعب تتعلق بضعف النمو الاقتصادي، وبالهوة بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني وبتدهور القوة الشرائية لدى العاملين بأجر، وضعف التراكم الداخلي، وندرة أو شح التمويل الخارجي للتنمية، وبهذا نلاحظ انخفاضاً في الاستثمار الإجمالي، وانخفاضاً في الاستثمار الحكومي بالمقارنة مع ما كان عليه الاستثمار قبل عقد مضى، وثمة حاجة ماسة لتحديد العملية الاقتصادية وبنية سياسات، ولست في هذا بمجتهد منفرد، وإنما هناك رأي عام باعتقادي يقوم على ضرورة مراجعة الواقع القائم، وسبر أسباب علله، وسبر وسائل التغيير ومناهيه"، "أعتقد من جانبي أن هناك مشاكل حقيقية في الاقتصاد السوري وأنها تحتاج إلى معالجة جادة وملحة ومهما اختلفنا حول الأرقام، فإنه من المؤكد أن هناك أزمة الاستثمار الذي تحقق في سنوات التسعين..."؛ نبيل سكر، الإصلاح الاقتصادي في سورية، محاضرة ندوة الثلاثاء الإقتصادية، 22/3/2000: "في رأي أننا أخفقنا لأربعة أسباب رئيسية...لأن الإصلاحات التي تمت لم تكن نابعة من نهج فكري واضح، يتعامل مع الجمودات التي برزت في البنية الإنتاجية للاقتصاد ومع التوجه الجديد نحو نظام السوق والدور الأكبر للقطاع الخاص، كما لم تكن نابعة من برنامج تصحيحي شامل. بل كانت إصلاحات جزئية من منطلق إدارة الأزمة، عاكسة فكر حائر بين التخطيط ونظام السوق...لأن لم يكن هناك مجتمع مدني فاعل ومنابر صحفية حرة تشارك في القرار وتراقب وتساءل وتحاسب وتدل على الخطأ حالما يظهر" انظر موقع ندوة الثلاثاء الاقتصادية على الانترنت:<www.syrianeconomy.org>

[45]          فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية اللبنانية الحديثة، الكتاب التاسع، الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي، (بيروت: 1991)، ص. 270.

 

[46]          انظر طارق سرور، دروس في جرائم النشر، الحاشية رقم 10، أعلاه، ص. 175.

 

[47]          المرجع السابق.

 

[48]          المرجع السابق.

 

[49]          المرجع السابق، ص. 270.

 

[50]          انظر على سبيل المثال المصادر الواردة في الحاشية 44 أعلاه.

[51]          المرجع السابق، ص. 273.

 

[52]          المرجع السابق، ص. 272.

 

[53]          انظر محمد رياض الخاني، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، الحاشية رقم 25 أعلاه، ص. 54.

 

[54]          انظر بشكل عام فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية اللبنانية الحديثة، الحاشية رقم 45 أعلاه، ص. 273.