من يجب أن يهرول إلي المصالحة الوطنية في سورية؟

 

القدس العربي

بقلم: سعيد أبو غنام

 

لا يكاد يمر يوم إلا ويطلق المثقفون السوريون (وأشقاؤهم العرب) النداء تلو الآخر متمنين أن يسمعهم أرباب النظام السوري ليشرعوا بالعمل علي ترتيب البيت الداخلي السوري كخطوة ضرورية ملحة للحمة الوطنية المطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضي ـ علي حد تشخيص الحريصين علي سلامة الوطن. والمتابع للنداءات هذه يدرك أنها، في الواقع، خجولة إذ تطالب بالحد الأدني من الإصلاحات السياسية ليس أكثر، فأبعد ما ذهبنا إليه في مطاليبنا يتمثل بإصلاحات طفيفة جداً (بمقاييس العالم الحر والتي لم يعد يختلف عليها اثنان في عالم اليوم) مثل إلغاء قانون الطوارئ، تبييض السجون، عودة المنفيين قسراً وطواعية بضمانات قانونية، رد المظالم وضمان حق وحرية العمل السياسي لكل أبناء الوطن. لم يرفع مثقفونا حتي الآن شعار إسقاط النظام وإنما تلخصت مطاليبهم بضمان حرية المشاركة السياسية للجميع واعتبار سورية لجميع السوريين دون هيمنة طرف علي آخر، بواضح العبارة لم تخرج مطاليب أبناء شعبنا عن، أو تتجاوز، ما يسمي بـ المصالحة الوطنية حتي الآن.
تنطلق نداءات مثقفينا من واقعين أحدهما خارجي ويتعلق بما آلت ـ وستؤول ـ إليه الأوضاع في العالم علي وجه العموم وفي المنطقة العربية علي وجه الخصوص، أما الواقع الآخر فهو داخلي ويسعي إلي المطالبة ببديهيات الحقوق المشروعة للفرد والمجتمع، خاصة وأننا نحيا الآن في عالم ما بعد انهيارالكتلة الشرقية، عالم تتساقط فيه الأنظمة الدكتاتورية والأوتوقراطية بشكل أو بآخر متهاوية واحدة بعد الأخري.
النظام السوري، من جانبه، يتعامل مع هذين الواقعين بأوجه متعددة. علي الصعيد الدولي وما يحصل ـ وما سيستجد ـ في المنطقة العربية، نجد أن تصريحات كبار المسؤولين السوريين تبدو تارة وكأنها تنم عن أنهم لم يستوعبوا أن قواعد اللعب قد تغيرت مع التغيرات العالمية وأخري وكأنهم يعتقدون أن رياح التغيير لن تطالهم وفقاً لمراهناتهم علي عوامل عدة منها: احتمال فوز الديمقراطيين في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني نهاية أجندة بوش الحربية، العامل الآخر يعتمد علي احتمالية أن الولايات المتحدة لن تقدم علي الخطوة التالية في حربها وهي مازالت تنزف في العراق دون أن تحقق ما أتت من أجله، وأما العامل الثالث، وهو الأكثر أهمية بالنسبة للنظام السوري، فيستند إلي توقع عدم التفريط بهذا النظام من قبل الولايات المتحدة جراء حقيقة تفانيه في تقديم الخدمات الإستخباراتية لها (باعتراف أعلي رموزه)، وكذلك لاعتقاده الخاطيء أن لديه أوراقاً تجعله أفضل بالنسبة لأمريكا من بدائل أخري علي الساحة السورية ـ إن وُجدت. انطلاقاً من العامل الأخير تتسارع وتيرة التحركات بدءاً من الزحف نحو قطر وغيرها من المحطات التي كان أحدثها تركيا ومروراً بتحميل الرسائل لهذا الوسيط أو ذاك، ومن ثم التصريحات المتكررة منها ما يوضح عدم التبرم من الوجود الأمريكي في العراق ومنها ما يبوح بإحباط محاولات استهدفت أرواح الأمريكيين في العراق، ثم السعي لكسب رضا الإدارة الأمريكية عبر القناة الإسرائيلية ومن خلال المفاوضات المرجوة من نقطة الصفر وبدون شروط مع حكومة أرييل شارون. من جهة أخري، ومن باب مساعيه لكسب رضا الخارج ينسج النظام السوري علاقات يعتقد أنها تشكل معبراً له للبوابة الأوروبية والأمريكية حين يعرض هذا النظام جزءاً من الأراضي السورية، بما فيه مرافقه الإقتصادية، ( الذي ما زالت الكتب المدرسية السورية ـ علي الأقل ـ تسميه اللواء السليب ) منطقة حرة لكل من تركيا وسورية. (جريدة النهار عدد الأحد 15 شباط).
علي عكس سلوكه مع الخارج، وبمقابل هرولة رموزه إلي كل الزوايا وتقليبهم كافة الحجارة بغية سد جميع منافذ الرياح، نجد أن النظام السوري لا يتلحلح قيد أنملة حيال الداخل، وفي الواقع، إنه يزداد فجاجة وتنكراً في تعامله مع الشعب السوري ومثقفي هذا الشعب. فهذا النظام ما زال يتجاهل المطالب المشروعة لنا في سورية، لا بل بقدر ما تتكرر مطالبنا بالحريات بقدر ما تزداد عنجهية وغطرسة النظام بالتعامل معنا والتعالي علينا، فنقرأ ونسمع التشكيك بنا وبمقدراتنا الفكرية والإدارية والتنظيمية من قبل رموزالنظام حيث يعتصرون أدمغتهم لانتقاء كلمات وعبارات التهكم ظناً أن ذلك يخدمهم.
من الواضح أننا نحن أبناء الشعب السوري نتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية إزاء تعامل النظام معنا بهذه الطريقة وذلك لأننا حتي هذه اللحظة لم نفكر بأنفسنا ولم نفكر بمصلحتنا الحقيقية بل نتمسك بأوهام ونحاول الوصول إلي السراب في تعاطينا مع هذا النظام. نتلقي الضربات من النظام وبدلاً من التفكير بالرد بالشكل الممكن عليها نبدأ بالتدريب علي كيفية التعايش مع الضربات القادمة وكأن تلقينا للضربات هو قدرنا. يخرج واحدنا من سجن اعتباطي استبدادي دام عقدا ونصفاً أو أكثر ليبدأ بالكلام عن المصالحة الوطنية والتغيير القادم ويفرغ شحناته بحملة كلامية وشعارات ضد عدو الأمة الخارجي والذي لم يسجنه ولم يسمع به بالأساس إلا عندما جيء باسمه كسجين إلي مقرات المنظمات الحقوقية في الدول الغربية لتطالب بالإفراج عنه. ويبدو أن استخفاف النظام بنا وقفزه فوق جدراننا يأتي من معرفته بنا أكثر مما نحن نعرفه أو نعرف أنفسنا أو ماذا نريد. فهذا النظام يدرك أننا نسير وفقاً لخرائطه ونعتمد قواميسه في الوطنية والقومية والأمانة والخيانة ونتقيد بما يرسمه راضين قانعين. ونطلق شعارات تفيد بعدم الإستقواء بالخارج علي الوطن. والمنفيون ما زالوا يقولون إنهم لن يعودوا علي دبابة أمريكية حتي ولو ماتوا في الغربة.
والآن: ماذا لو بدأنا بمراجعة أنفسنا كأفراد وجماعات، في داخل البلد وفي خارجه؟ ماذا لو تحررنا من خرائط النظام ورسوماته وتعابيره وبدأنا نفكر بديناميكية منبعها مصالحنا كبشر؟ والسيناريوات في هذا المجال تتعدد إن شئنا. ماذا لو فكرنا بطريقة تفكير رموز وحماة وحفظة النظام؟ ماذا لو قلنا بأعالي أصواتنا: إن كنتم أقوياء علينا فالعم سام أقوي منكم وسنسبقكم إليه ولن تستطيعوا وصفنا بالخونة وإلا فأنتم حفنة من الضالعين بالخيانة منذ زمن بعيد؟ وهل المطالبة بحقنا بالعيش بكرامة وحرية يعني خيانة؟ ماذا لو تحررنا مما علمتمونا إياه في المدارس ومن خلال وسائل إعلامكم أن أمريكا هي العدو وقلنا ليس لدينا عقدة اسمها أمريكا؟ ماذا لو قلنا إن الأرض واسعة وتتسع لنا جميعاً السوري والأمريكي والإسرائيلي؟ ماذا لو فكرنا بحيادية وبتجرد وسألنا أين، وما هو، الوطن؟ ماذا لو فكرنا أن العمر قصير ولن نعيش مرتين؟ ماذا لو فكرنا أننا في كل الأحوال حرمنا من كل شيء في هذه البقعة المسماة سورية فأيهما أنسب لدينا إن حكمتها المافيات المحلية وقالت إذهبوا إلي الجحيم أو جاء أجنبي ليقول سيكون لشركاتي حق الإستثمار في هذه المنطقة ولكم أيضاً حقوقاً وضمانات يكفلها لكم القانون؟ هل أفضل لنا أن نعيش في بلد أجمل بقاعه تحتلها العصابات الحاكمة وتضرب طوقاً علي مسافة عدة كيلومترات وتقول ممنوع الإقتراب أم إن كانت تلك الأماكن بيد شركات  رأسمالية تستثمرها لتربح ـ نعم ـ ولكنها لا تحظر علينا رؤيتها والتمتع بها؟ أيهما أنسب لنا أن تحكمنا مافيات وتقول الكلام الوحيد معكم هو في فرع فلسطين و سجن تدمر أم أن يحكمنا أياً كان علي وجه الأرض ويمنحنا الحق في العيش بكرامة وإنسانية ولا يستعلي علينا؟
في الواقع، بدأت الأصوات الشعبية في دمشق بالدعاء أن ينعم الله علينا بما أنعم علي العراقيين: بصواريخ كروز علي مقرات النظام أولاً ثم بحضور الضيف الأمريكي ثانياً. وبدأ البعض يشرب كأس أمريكا، وهناك من يشكر ربه أن الله أمن علينا بالأمريكان الذين يزرعون الرعب في قلوب المتسلطين، ولولا تهديدات أمريكا لتفرغ النظام لزجنا مجدداً وبعشرات الآلاف في السجون.
نعود لـ المصالحة الوطنية التي تبدو بالفعل أنها النداء الغلط ويصدر عن الجهة الغلط، فمن يستطيع أن يشرح لنا كيف يمكن لأسرة عبد الله الأقرع أن تتصالح مع قاتليه في داخل السجن؟ أو مع من يتصالح أقارب هيثم الخوجة؟ منير فرنسيس؟ عبد الله شوبك؟ عبد الرزاق أبا زيد؟ محمد عبود الشاب الصغير؟ كيف يمكن لمن ضاعت سنو شبابه في السجن أن يتصالح مع النظام القمعي التسلطي؟ مع من سيتصالح فرج بيرقدار؟ بدر الدين شنن؟
كيف يمكن أن تتصالح أسرة أبا زيد مع من عذب عبد الرزاق أبا زيد حتي الموت في داخل السجن؟ أم كيف يمكن لأسرة هاله عاقل أن تتصالح مع عصابات العائلة الحاكمة؟ و هاله عاقل ـ لمن لا يعرف قصتها ـ هي ابنة أسرة فقيرة من إحدي قري اللاذقية ماخوس سكنت أسرتها في حي الرمل الشمالي باللاذقية، كانت علي قدر من الجمال ولم تكن قد أكملت السابعة عشرة من عمرها عندما قتلتها العصابات ومثلت بجثتها لأنها رفضت الإنصياع لهم والذهاب معهم، وتم طمس الجريمة في حينها إذ شرعت عناصر المخابرات بإزالة أوراق النعي من الشوارع وتم تهديد أسرتها. هل هناك مجال لمصالحة أسرتها مع العصابات؟ وهل يستطيع حقاً من أبعد عن بلده لعقود وذاق الأمرين من مرارة الغربة أن يتصالح مع من هجره؟
ماذا لو بدأنا بقرع أبواب الناس بيتاً بيتاً من أقصي البلاد إلي أقصاها من الشمال إلي الجنوب ومن الشرق إلي الغرب وطلبنا من الجميع سرد حكاياتهم (وكل له حكاية مع هذا النظام) وجمعنا هذه الحكايات لتقديمها إلي محاكم العدل الدولية؟ ماذا لو جمعنا حكايات أخوتنا اللبنانيين معنا؟ ماذا لو أثرنا موضوع المبالغ الخيالية المودعة في بنوك غربية باسم من لم يعد علي قيد الحياة؟ ماذا لو فتحنا الأبواب المغلقة علي هذا النظام ونبشنا كل ما يعتقد هذا النظام أنه انتهي ومات أو سقط بالتقادم؟
آخذين بعين الإعتبار تاريخ وحاضر النظام السوري وسمعته الدولية ومذكرين بالدروس العراقية، نسأل أخيراً: من يجب أن يسعي لستر عورته؟ ومن يجب أن يطالب بالمصالحة الوطنية، نحن عموم الناس أم التشكيل الحاكم؟
كاتب من سورية