'كأس أميركا' المرفوعة في مقهى دمشقي


من يجلس في مقاهي المثقفين هذه الايام, او يحضر الجلسات الضيقة لبعض المحسوبين على احزاب المعارضة, او يصغي لهمس العاطلين عن العمل, واولئك الذين تضررت مصالحهم بسبب تردي الحالة الاقتصادية, سينتبه الى التغير - التحول, في طريقة تناول سياسات دولة كانت حتى الامس القريب في نظر غالبية السوريين محسوبة في خانة "الاعداء". دولة, قلما ميز السوريون بينها وبين اسرائيل العدو التاريخي, هذه الدولة هي الولايات المتحدة.

واذا كان من الصعوبة بمكان, ان تتم ملاحظة هذا التحول في خطاب القيادات القديمة لمجمل الاحزاب السورية "القومية واليسارية", سواء من كان منها منضويا تحت سلطة حزب البعث في الجبهة الوطنية التقدمية, ام من كان محسوبا على "التجمع الوطني الديموقراطي" (ائتلاف الخمسة احزاب) فان من السهولة ملاحظته عند القواعد والناس العاديين.

لقد اصبحت الولايات المتحدة منذ فترة وجيزة, وسياساتها وخطابها, محل اخذ ورد. وصارت "في الميزان" بعد عقود من المواقف والافكار المسبقة, والآراء المتطرفة والمشككة بكل ما يصدر عنها. نعم ثمة "اميركا جديدة" تسللت الى طاولات نقاش السوريين للمرة الاولى منذ الستينات وبعيدا عن مؤثرات قضية الصراع العربي- الاسرائيلي. اليوم ثمة اتجاه يطلب سماعها وآخر صار يثق بها ويعول عليها. نقول اتجاهاً وليس تيارا عريضا وواسعا. لكن يبقى ان هذا جديد ومهم وتحول تاريخي عند السوريين.

واذا كان الاعتقاد ان ما قامت به الولايات المتحدة في العراق حين خلصت العراقيين من النظام الديكتاتوري الذي مثّله الرئيس السابق صدام حسين وحزب البعث, هو السبب في هذا التحول, فاننا نقول ان هذا مجرد جزء بسيط من الحقيقة, وقليل الاهمية, في ما لو اردنا معرفة اسباب التحول الحقيقية في النظرة الجديدة الى "اميركا".

فعلى طاولات المقاهي تلك رفع منذ ايام احد الصحافيين العاملين في صحيفة رسمية "كأس اميركا" بينما كان يتحدث عن معاناته وظروف عيشه اليومية القاسية. وبعدها رأيت صحافيا آخر يعمل كذلك في صحيفة رسمية يعبّر عن سعادته بافتتاح قناة "الحرة" مؤكدا ان مرحلة ما قبل "الحرة" غير ما بعدها"!! كذلك يمكن بسهولة في الجلسات الضيقة, وخلال الاصغاء العميق للصوت الداخلي للمحبطين والعاطلين والمتضررين, والذين يعيشون ضائقة معيشية كبيرة بكل المقاييس, يمكن رصد الخلفيات الكامنة وراء التحول وتفكيكها وتحليلها.

انها محض اسباب داخلية تتعلق بالاحباط واليأس وعدم الثقة بكل الوعود والشعارات المتعلقة بالاصلاح والتطوير والتحديث. بمعنى من المعاني فان الغالبية صارت ترى انه لا يمكن الدولة والحكومة ان تواجها الفساد. وعندما تبحث عن اسباب عدم الثقة بعدم قدرة الحكومة على محاربة هذه الظاهرة, يأتيك الجواب السهل الصعب الحاضر على لسان الغالبية: "من سيحارب الفساد, كلهم فاسدون, الشاب فلان قريب فلان الذي يتحكم بكل اقتصاد البلد من يستطيع مواجهته? لا يوجد حل!". بعد هذا النوع من الاجابات والتحليلات المحبطة يمكن مباشرة رصد كيف تتسلل "اميركا الجديدة". هي تأتي في الشطر الثاني من الاجابة بعد سؤال "وما الحل اذا?".

والقصة لا تنتهي عند التطرق الى الفساد. فعند الحديث عن القضاء, وتخلف الاعلام وسطوة بعض المؤسسات والاشخاص وسوء توزيع الثروة, والبطالة والبيروقراطية المقيتة في المؤسسات الرسمية, وغلاء اسعار السيارات, وغلاء البيوت, وغياب حرية التعبير... عند كل هذه القضايا وغيرها, يمكن رصد اليأس من قدرة الحكومة والسلطات على التصدي لها ومعالجتها.

لكن على مستوى آخر, وخاصة عند السوريين المهتمين والمتابعين لما يجري حولهم من متغيرات سياسية اقليمية ودولية, مثل الكتاب والفنانين والصحافيين والبقية ممن يملكون تجارب حزبية, يمكن ملاحظة لغة من التحليل تمزج بين السياسة السورية الخارجية, وما جرى في العراق, وما تخططه الولايات المتحدة للمنطقة, والهموم الداخلية المستفحلة. والغرابة ان الاحباط ذاته يتكرر عند هؤلاء عند محاولات التصدي لآليات المعالجة والحلول, ويمكن ملاحظة عدم الثقة واللغة المشككة بقدرة الحكومة على تخطي الهموم الاقتصادية الداخلية, او وضع حلول سياسية لمشكلات وملفات اكثر تعقيدا, مثل دمقرطة البلاد واعادة الحياة السياسية الى الشارع, او قيام صحافة حرة, او الجرأة على محاسبة بعض المتنفذين, او احداث تغييرات جوهرية في بنى النظام السياسي تفضي لتجاوز الوجوه القديمة وتعطي الفرصة لجيل جديد شاب منفتح وغير خاضع للسلطة وتأثير المؤسسات الحزبية والامنية.

ان السؤال الجوهري يتعلق بالتطور المحتمل في النظرة "السورية" الجديدة الى الولايات المتحدة اذا قامـت الاخيرة بخطـوة دراماتيكيـة لمصــلحة قضـية الصراع العربي الاسرائيلي, او اتخذت قرارات جديدة استهدفت رئيس الوزراء الاسرائيلي, في مثل هذه الحال, فان اميركا جديدة حقا ماضية بالتشكل في الوعي السياسي لعموم السوريين.

هل هذا احد نتائج "الزلزال العراقي" على سوريا? ام هو نتيجة سياقات داخلية مأزومة جعلت السوريين بفعل الاحباط والانتظار يتعلقون بالوجه الآخر من الخطاب الاميركي الخطاب الذي يدغدغ الامنيات الدفينة?

هل انتبهت السلطات والاحزاب السورية الموالية والمعارضة لما يجري? والاهم هل تملك هذه الاحزاب جميعها وبكل الوان الطيف القومي واليساري والاسلامي النائم, هل تملك اجوبة مقنعة لحاجات السوريين المتصاعدة?

شعبان عبود - دمشق