روائيّ التحوّلات وآلام المنفى
عبد الرحمن منيف

عَلَمْ من اعلام الرواية العربية المعاصرة غاب امس عن واحد وسبعين عاما عقب صراع مديد مع المرض. عبد الرحمن منيف روائي الصحراء والمدن والمنافي والبحث المضني عن الذات والهوية, شاء له القدر ان يولد في الاردن من أب سعودي وام عراقية, وان يحمل الى آخر لحظة من حياته هموم أمّته التي استحوذت على كتاباته الروائية والسياسية, وحتى الاقتصادية اذ كان متخصصاً في قضايا النفط ويحمل دكتوراه في هذا المجال, وله فيه كتب ودراسات.

عبد الرحمن منيف المثقف, المتعدد, الروائي والباحث والمفكر السياسي, انتُزعت منه جنسيته السعودية عام 1963 لتعاطفه المعلن مع الفكر الماركسي ولأن هذا العالم العربي الذي يضيق بحرية الفكر والمعتقد هو اعجز من ان يستوعب كاتباً ومفكراً ذا عقل نيّر, منفتح, متقدم, نقدي, وجريء في كشف عاهات الامة وآفاتها, وفي فضح التخلف والفساد واهدار الثروات الهائلة التي ينعم بها, على نحو ما فعل منيف في خماسيته الملحمية "مدن الملح" معرّيا واقع الارض التي ينتمي اليها وتحيا في وجدانه, ولعل عنوان احد اجزاء هذه الخماسية "بادية الظلمات" يختزل معاني كثيرة من رؤيته الروائية النقدية لتحولات بيئته الاصلية المنتقلة من البداوة الى المجتمع النفطي.

لم تفارق السياسة عبد الرحمن منيف حتى وهو يكتب الرواية, شغفه الاول والاخير منذ روايته الاولى "الاشجار واغتيال مرزوق" (1973) التي اصدرها في بيروت, احدى مدن منافيه المتعددة مع باريس وبغداد والقاهرة ودمشق حيث عاش منذ 1986 ويوارى في ثراها الثلثاء المقبل. وهو روائي المنافي بامتياز بل له كذلك "الكاتب والمنفى" الذي يختصر معاناة الكتّاب العرب الذين فرض عليهم العيش خارج اوطانهم, في اقتلاع قسري لجذور انتمائهم وحنينهم. كما له "سيرة مدينة" الذي يعتبر من اجمل المؤلفات العربية عن العلاقة بالمكان وتأثيره في الكاتب.

عاش عبد الرحمن منيف من اجل الكتابة, المقرونة لديه بالهمّ السياسي, انما السابقة عليه حرفة وشغفاً ومتنفساً للتعبير عن قهر مزمن في الازمنة العربية الرديئة. علماً ان الرواية التي له فيها محطات وعناوين كبرى مثل "ارض السواد" (ثلاثة اجزاء ملحمية عن العراق) و"النهايات" و"سباق المسافات الطويلة" و"عالم بلا خرائط" (روايته المشتركة مع جبرا ابرهيم جبرا) و"حين تركنا الجسر" و"شرق المتوسط", وسواها العديد,لم تصرفه عن الانغماس اليومي في القضايا العربية في عالم عربي متداع يوما فآخر ولا رادّ لهزائمه المتوالية, فكتب المقالة السياسية للصحف ولم ينقطع, ولم يفارقه همّ الامة التي ينتمي اليها انتماء كاتب مثقف ملتزم وواع, وظل حاضرا, كامل الوعي واليقين, رائيا في الم وحزن الى المصائب والكوارث المتلاحقة التي تضاعف من تخلّفنا وانسكاراتنا حيال انظمة الداخل الفاسدة وقوى الخارج العدوّة والمستبدة. لذا كان كتابه "الديموقراطية اولا, الديموقراطية دائما" (1991) نوعا من الرؤيا التي سبقت الدعوات والمعزوفات الراهنة حول الديموقراطية, عقدا ونيفا من السنين.

خارج هواجس الامة والوطن والسياسة والانتماء, الدائمة الحضور في رواياته وكتاباته الغزيرة, لم يكتب عبد الرحمن منيف على الارجح سوى كتاب واحد موضوعه الحب فقط, عنوانه "قصة حب مجوسية" وفيه بحث عن الذات من خلال علاقات عاطفية وجسدية مع العديد من النساء, بحثا عن امرأة يسمو في عشقها الى ارفع من الحب المثالي الذي يسعى اليه, واذ يعثر على تلك الامرأة يلفي نفسه مفتقدا اللغة المشتركة معها لكونها متزوجة وتخص رجلا آخر. وهذه الرواية يعمل المسرحيّ اللبناني طلال الدرجاني على اقتباسها للخشبة منذ فترة, بموافقة من الروائي الراحل, الذي لم يعش الى حين رؤية كلماته مجسّدة على خشبة المسرح.

جورج كعدي