رسالة مفتوحة إلى توني بلير

باتريك سيل     الحياة     2004/01/23

السيد رئيس الحكومة المحترم,

كثيراً ما يشاع, لصالحك, أنك قد وافقت على الانضمام إلى حرب جورج بوش ضد العراق مقابل التزام من الرئيس الأميركي أن يعمل على حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل نهائي. ولو كان هناك فعلاً مثل هذه المقايضة فإنها لم تحترم, بل انك وبريطانيا تبدوان اليوم مخزيين.

لقد رأيت من المناسب أن يدفع بلدنا ثمناً باهظاً من أجل ولائك غير المشروط لأميركا. لقد تم نعتك شخصياً بالكاذب, وعطبت مصداقيتك, كما جعلت المصالح البريطانية عرضة للإرهاب (تذكر اسطنبول), وكل ذلك من دون أي مكافأة سياسية بالمقابل. وتبدو الخطوة الوحيدة على صعيد القضية الفلسطينية هي خطوة إلى الوراء. اذ ماتت خريطة الطريق تماماً. ولا يمكن توقع أي شيء إيجابي من الإدارة الأميركية الحالية, خصوصاً خلال هذه السنة الانتخابية, بينما تواصل إسرائيل توسعها الاستيطاني وبنائها للطرق بشكل استفزازي في الأراضي المحتلة. وسيسلب جدار شارون الحديدي, خلال الشهور القليلة المقبلة, أي أمل لدى الفلسطينيين بإقامة دولة قابلة للحياة, وذلك هي نية رئيس الحكومة الإسرائيلية الواضحة.

يبدو المستقبل قاتماً للغاية. فقد تصاعدت النقمة عند العرب والمسلمين أكثر من أي وقت مضى, ولن تنال إسرائيل سوى مزيد من عدم الاستقرار. أما بريطانيا, فلن يتم توفيرها, وذلك بسبب سياساتها البليرية. إني أعتبر أن من حقي , بصفتي ناخباً مخدوعاً لحزب العمل, أن أكون فظاً. فهناك سبيل واحد لاسترداد سلطتك السياسية والمعنوية المنهارة بسبب المغامرة الكارثية في العراق, وهو أن تعمل شيئاً لفلسطين.

لقد تحسنت علاقاتك مع كل من فرنسا وألمانيا. وبدأت تبرز قيادة ثلاثية قوية في أوروبا, ولديك القدرة على أن تفرض حلاً سلمياً على أطراف النزاع, بالتعاون مع جاك شيراك وغيرهارد شرودر. فلو دعيت إلى مؤتمر دولي لهذا الهدف, ستحظى بتأييد العالم العربي, واليهود الليبراليين في كل مكان _ المشمئزين من مكائد شارون وبوش - وكذلك بتأييد روسيا, والأمم المتحدة والرأي العام العالمي. وتستطيع قوة أوروبية أن تضبط عملية تطبيق اتفاق على الأرض وأن تضمن الأمن للشعب الإسرائيلي المرعوب فعلاً من العمليات الانتحارية. ويمكن حتى للرئيس بوش أن يكتشف فجأة أن السلام في الشرق الأوسط سيكون مناسباً وعامل دفع لحملته الانتخابية.

ويمكن أن يتحول العديد من مشاكلك القائمة - ومن بينها تحقيق اللورد هاتون (الذي يصدر تقريره عن ملابسات انتحار خبير الاسلحة ديفيد كيلي), ومشروع قانون رفع الأقساط الجامعية, والتمرد داخل حزب العمل - إلى قضايا أقل أذى بالنسبة الى سلطتك في حال ما أقدمت على مبادرة شجاعة في الشرق الأوسط. كما يمكن أن تصمت أصوات النقد على سياستك في العراق, وأن تسقط بسرعة التهمة المهينة بأنك لست سوى كلب أميركي صغير. وربما تستعيد زعامتك المتهاوية اليوم ومصداقيتك السياسية.

يبدو أنك كنت مضللاً بالمعلومات, في قضية العراق, حول نقطتين أساسيتين. فقد بديت مقتنعاً بأن سلاح الدمار الشامل المزعوم في العراق يشكل تهديداً وشيكاً. فإما أن تكون أجهزتك قد خدعتك فعلاً, أو أنك اخترت, وهذا أخطر, أن تخدعنا كلنا. كما يبدو أنك أسأت تقدير النيات الحقيقية لدى المتآمرين المندفعين للحرب في واشنطن. فقد كانوا عازمين على قلب نظام صدام حسين وعلى احتلال العراق, مهما كانت الدلائل ومن دون أي اعتبار لمجلس الأمن وللعالم كله, وقد نتج عن هذا العزم زعزعة مركزك, كما يبدو واضحاً اليوم.

لقد كان هؤلاء مسحورين بأسطورة خيالية مستقبلية, جعلتهم يعتبرون أن الاستيلاء على العراق سيغير الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط بأسره لصالح أميركا وإسرائيل. وليتنا نستنير بمعرفة ما قيل لك بهذا الصدد وما تؤمن به أنت شخصياً.

رددت مراراً, أنت ووزير خارجيتك جاك سترو, بأنكما تدعمان قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل. ولكن إقدامك على الحرب على العراق جعلك تتحالف مع المحافظين الأميركيين الجدد المعارضين كلياً لأي حق تقرير مصير للفلسطينيين, ولذلك فهم يشكلون خطراً كبيراً على مستقبل إسرائيل. هذا هو التناقض الصارخ في سياستك المتهورة في الشرق الأوسط.

عليك أن تحرر نفسك من هذه العلاقات المشبوهة, بأن تدفع نحو حل عادل ومتوازن للنزاع في الشرق الأوسط. ولا يتطلب سعيك إلى علاقات حميمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أن تقف إلى جانب اليمين الإسرائيلي المتطرف وأولئك المتغطرسين المزايدين الذين يدعمونه من الأميركيين.

تعرف بلا شك أن هناك حادثاً مؤلماً يخيم حالياً على العلاقات البريطانية - الإسرائيلية, وهو اغتيال الشاب توم هورندال في غزة, المنتمي إلى حركة التضامن العالمية, والذي أصيب في رأسه برصاص الجيش الإسرائيلي حين كان يحاول أن يحمي مدنيين فلسطينيين, معظمهم أطفال, من هدم بيوتهم ومن أشكال أخرى من العقاب الجماعي. لقد تصرفت بجبن في قضية قتل مواطن بريطاني, ولم تتخذ موقفاً, ولم تصرّ على أن تسمح إسرائيل للشرطة البريطانية بأن تتدخل في تحقيق يهم الشعب البريطاني. وما هذا إلا انعكاس لفشل حكومتك المؤسف في معالجة قضية تتحمل فيها بريطانيا مسؤولية تاريخية.

يشكل الصراع العربي - الإسرائيلي سبباً أساسياً للعنف الإرهابي الحالي, وهو المصدر الرئيسي للتوتر الخطير بين الغرب والعالم الإسلامي. ويبدو واضحاً أن أطراف الصراع غير قادرين على حل المشكلة بأنفسهم وأن شق هذا الخراج من شأنه أن يضفي الأمن على العالم, كما يردد دائماً كل العالمين بالموضوع.

يجب عليك أن تتخذ المبادرة وألا ترضى لبريطانيا بأن تسير ككتيبة على انغام الموسيقى الحربية الأميركية, لأن ذلك لن يوصلنا إلا الى الهزيمة. يجب أن لا تختبئ وراء الحجة القديمة البالية بأن أميركا وحدها تستطيع أن تؤثر في إسرائيل. يجب أن تلتحق بشركائك الأوروبيين الأساسيين الذين يؤكدون أن على أوروبا أن تلعب دوراً مركزياً لإحلال السلام في منطقة حيوية بالنسبة الى الأمن والازدهار الأوروبيين.

وقبل كل شيء يجب أن تعمل الآن على إيقاف جدار شارون. لقد صرحت بأنه "غير شرعي" ولكنك لم تفعل شيئاً بعد ذلك. فحين يكتمل بناؤه, ستصبح المشكلة غير قابلة للحل دون مزيد من العنف الرهيب, وستتحمل أنت شخصيا مسؤولية النتائج المريعة للفوضى التي عممتها أميركا في العالم العربي بمساعدتك المتحمسة.

السيد رئيس الحكومة, من واجبك أن تتحرك الآن, قبل أن يفوت الأوان بالنسبة الى بريطانيا.

مع وافر التقدير.

باتريك سيل.

كاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط.