عن ظواهر الديمقراطية في الشرق الأوسط......

صبحي غندور....جريده البيان

 

تقول الرواية الرسمية الأميركية أنّ تفاعلات ديمقراطية عظيمة حدثت وتحدث في بلدان شرق أوسطية وبأنّ هذه التفاعلات ستجعل رياح التغيير تهبّ على كلّ بلدان "الشرق الأوسط الكبير" أي على المنطقة العربية والعالم الإسلامي. وتعتمد هذه الرواية الرسمية الأميركية على ما جرى مؤخّراً من انتخابات في أفغانستان والعراق وبالأراضي الفلسطينية المحتلّة، إضافةً إلى المسيرات الشعبية التي تحدث في بيروت للمطالبة بخروج القوات السورية من لبنان.

ولا أعلم كيف يمكن وضع ما يحدث في لبنان بالسلّة نفسها التي تضمّ أفغانستان والعراق والأراضي الفلسطينية.

فالظاهرة السياسية اللبنانية، التي تستند إليها الرواية الرسمية الأميركية، هي ظاهرة معارضة لوجود قوات أجنبية على أرض الوطن، وليست حركة تغيير سياسي داخلي ترتبط بتغيير أنظمة أو حكومات كما حدث في جورجيا أو أوكرانيا، ولا هي طبعاً حركة شعبية للمطالبة بحقّ الانتخابات على اعتبار أنّ معظم قادة حركة المعارضة اللبنانية هم أعضاء في مجلس النواب اللبناني وجرى انتخابهم منذ أكثر من أربع سنوات فضلاً عن أن بعضهم ساهم في قرار التمديد لرئيس الجمهورية لمدّة ثلاث سنوات!

 ربّما هي حقيقة مقلوبة حينما تضمّ واشنطن الظاهرة اللبنانية الآن إلى لائحة "ظواهر الديمقراطية" في الشرق الأوسط، إذ أنّ ما يحدث في لبنان هو دعوة من أطراف لبنانية لخروج القوات السورية من لبنان قبل الانتخابات النيابية القادمة اعتماداً على قرار مجلس الأمن 1559. فهل يتوافق هذا الموضوع مع ما حدث في أفغانستان والعراق والأراضي الفلسطينية؟ ولِمَ لم يشترط مجلس الأمن خروج القوات الأجنبية من أفغانستان والعراق، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفّة وغزّة قبل أن تجري الانتخابات في هذه المناطق؟!

أليس ما يحدث الآن في لبنان هو حالة معاكسة لواقع حال النماذج الديمقراطية الأخرى التي تتحدّث عنها الرواية الرسمية الأميركية؟ وهل ستدعم واشنطن مظاهرات فلسطينية مستقبلية للمطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ القرارات الدولية بحقّ الشعب الفلسطيني؟!

يبدو أنّ واشنطن ترى في التطورات السياسية الحاصلة في لبنان نموذجا ديمقراطياً فقط لأنّه يحدث بمواجهة سوريا، بينما تجاهلت واشنطن منذ عام 2000 نموذجاً لبنانياً فريداً في تاريخ الصراع العربي/الإسرائيلي حيث أجبرت المقاومة اللبنانية إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية دون شرط أو معاهدة أو تنازلات لبنانية.

وهذا النموذج اللبناني في المقاومة ضدّ الاحتلال هو بحدّ ذاته خير نموذج للحريّة بمعناها الحقيقي، وليس فقط كشعار يتحدّث عنه الرئيس بوش منذ بدء إدارته الثانية.

فالحرّية، قبل أن تُمارس كعملية دستورية ديمقراطية بين المواطنين، هي حرّية  الأرض وحرّية الوطن وسيادة الشعب على أرضه وقراره الوطني. أي أنّ المعاني التي تريدها واشنطن الآن من تحرّك "ظاهرة المعارضة السياسية اللبنانية" ضدّ الوجود العسكري السوري، تنطبق أصلاً على كلّ النماذج الديمقراطية التي تتحدّث واشنطن عنها، من أفغانستان إلى فلسطين. وكم هي مفارقة سياسية هامّة أن تكون سوريا المحاصرة في شمالها بقوات أميركية في العراق، وفي جنوبها بقوات إسرائيلية تحتلّ فلسطين والجولان السوري، تصبح الآن بنظر المجتمع الدولي وكأنّها هي القوّة المحتلّة الوحيدة في الشرق الأوسط!

وكم هو مؤسف ومحزن معاً أن تقترن الديمقراطية الآن بسمات الاحتلال الأجنبي من الخارج وبالانقسام الطائفي والعرقي من الداخل، وبنموّ المشاعر المعادية للانتماء العربي وللهويّة العربية المشتركة. ربّما تكون هذه هي السمات للمرحلة القادمة في أجزاء عديدة من الأرض العربية: دعوة للتدخّل الأجنبي المباشر وحماية بعض الداخل من بعضه الآخر بقوات أجنبية، ثمّ عمليات سياسية ديمقراطية تغذّي الفرز الاجتماعي والطائفي والعرقي أكثر ممّا هي تعبير صحّي سليم عن تعدّدية في المجتمع وتنوّع في التركيبة السياسية والعقائدية.

إنّ الممارسة الديمقراطية السياسية السليمة يُعبّر عنها عمليّاً في المجتمعات التي لا تخضع للاحتلال أو الهيمنة الخارجية، وتكون العملية الديمقراطية مرتبطة بكيفية اختيار الحكم (السلطة التنفيذية) وبالرقابة عليه (السلطة التشريعية) وبالمحاسبة له (السلطة القضائية)، وبحقوق المواطنين المتساوية في المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعية، وبضمان الحرّيات العامّة للأفراد والجماعات.

أيضاً، في الممارسات الديمقراطية الغربية كلّها كان الحرص ولا يزال هو على وحدة الأوطان ورفض حركات الانفصال فيها. هكذا كانت التجربة الديمقراطية الأميركية التي رفضت انفصال الجنوب عن الشمال عام 1860، وخاضت الديمقراطية الأميركية حرباً أهلية قاسية لضمان وحدة الأراضي والولايات الأميركية .. أيضاً، لم تقبل الديمقراطية البريطانية بانفصال أيرلندا الشمالية، ولا قبلت الديمقراطية الأسبانية بانفصال إقليم الباسك، ولا الروسية باستقلال الشيشان ..

المشكلة هي ليست أصلاً فقط بالرؤية الدولية لمستقبل المنطقة العربية، ولا في كثرة المخططات والمشاريع التي تستهدف البلاد العربية. أساس المشكلة هو في واقع الحال العربي الذي نجح على مدار نصف قرن تقريباً في معارك التحرّر الوطني من الاحتلال الأجنبي إلا أنّه فشل في بناء أوطان ومجتمعات صحّية قائمة على أنظمة سياسية سليمة. وهاهو الانتداب الأجنبي الذي خرج من أوطان عربية مركولاً من قبل أهل الدار، يعود الآن من نوافذ عديدة في المنزل العربي المصدّع والمهدّد بالانهيار.

لقد أخذ العرب الكثير عن الغرب وثقافته وصناعاته ونمط عيشه، لكنّهم لم يأخذوا بدروس التجارب التاريخية التي قام عليها هذا الغرب.

إنّ التحرّر من الاحتلال الأجنبي لا يكفي لبناء أمّة عظيمة، بل هو مدخل للتحدّي الأكبر أي بناء أوضاع دستورية سليمة في كلّ وطن، ثمّ تكامل واتحاد الأوطان المتجانسة بهدف حماية الديمقراطية ووحدة الأوطان ولضمان مسيرة التقدّم والتطوّر في عالم تعوّد فيه دوماًً القويّ الكبير على ابتلاع الصغير الضعيف!

 

 

                                                *مدير "مركز الحوار" في واشنطن

                                                alhewar@alhewar.com