خلافات المعارضة السورية...

محمد سيّد رصاص ...الحياة

لم تكن المعارضة السورية في فترة ما قبل 10 حزيران (يونيو) 2000 مختلفة في النظرة إلى النظام، الامر الذي استتبع توافقات في الرؤية البرنامجية للمعارضة، وأيضاً في مطالبها السياسية بالتالي.

بعد ذلك التاريخ دخلت المعارضة السورية (أحزاب «التجمع الوطني الديمقراطي»: الحزب الشيوعي – المكتب السياسي، حزب الاتحـــاد الاشتراكي العربي، حـــــــزب العمال الثوري العربي، جماعــــة 23 شباط, حركة الاشتراكيين العرب, إضافة إلى المثـــقــفــين المنضــــويـــن ضمن «حركة إحياء المجتمع المدني») في رؤية مختلفـــة حيال العهد الجديد. اذ رأت المعارضة، في أدبياتها وتصريــحات قادتها، أن هناك «تياراً إصلاحياً في النظام» يقوده الرئيس الجديد في مواجهة ما سموه «الحرس القديم»، ورفع بعض المعارضين راية «خطاب القسم» إلى أن أوضح الرئيس في خطاب له، في10 آذار (مارس) 2003, بأن رؤيته تختلف عن قراءة هؤلاء لـ «خطاب القسم» .

كان سقوط بغداد، في التاسع من نيسان (ابريل) 2003, حدثاً مفصلياً في تطورات رؤى بعض المعارضين السوريين: في السابق كانت المعارضة السورية تختلف عن المعارضتين العراقية والسودانية بابتعادها في الخطاب والممارسة عن المراهنات على الخارج, فيما حصل اتجاه جديد لدى بعض المعارضين, خصوصاً لدى ماركسيين تحولوا إلى الليبرالية, عندما رأى هؤلاء أن الولايات المتحدة تتجه إلى تغيير الأنظمة ونــشر الديمقراطــيـة بــحكم ربطها بين الديكتاتوريات والفساد وبين ظاهرة «الإرهاب الإسلامي». ووصل بعض هؤلاء, على الصعيد الشفوي لا الكتابي (وهو ما يجب أن يمتلكوا جرأة إعلانه على الورق لأن هذا اتجاه سياسي, وليس سراً تنظيمياً), إلى حد اعتبار أن توقف الدبابة الأميركية على الحدود هو شبيه بتوقف الباص الذاهب من دمشق إلى حلب في استراحة حمص, فيما وصلت الأمور عند أحد المعارضين السوريين إلى حدود لوم دبلوماسي أوروبي على موقف بلاده المعارض للحرب الأميركية على العراق.

يلاحظ في هذا الإطار بأن المراهنين على «التغيير الأميركي» انتقلوا إلى هذه الخانة بعدما كانوا في خانة المراهنين على «التيار الإصلاحي» في السنوات الثلاث التي أعقبت صيف عام 2000, من دون أن يبحثوا عن المراهنة على المجتمع كرافعة للسياسة, الامر الذي يترافـــق, عند المتناوبين على بناء السياسة عبر «الخارج» أو «الحاكم» أو عبرهما معاً كما كانت حال المرحوم خالد بكداش, مثلاً, مع فقدان الجذور الاجتماعية, وهو أمر لا يلاحظ عند التيارات الممتدة في النسيج الاجتماعي, فيما نرى ذلك عند « أحزاب الأقليّات» عندما تراهن على الخارج من أجل إحداث تغييرات داخلية لصالحها ولصالح من يتحالف معها, وهي الممتدة في المجتمع عبر أحد مكوناته.

يلاحظ على هؤلاء المراهنين على «الخارج» (وهم ممتدون في «لجان إحياء المجتمع المدني» التي انقسمت أخيراً على هذه الخلفية إضافة إلى أن هذا الموضوع هو أحد المواضيع الخلافية في الحزب الشيوعي - المكتب السياسي عشية مؤتمره السادس) انتقالهم أخيراً إلى «التشدد «تجاه النظام بعدما كانوا من معتدلي المعارضة السورية في الرؤية للعهد الجديد, فيما حافظت أطراف معارضة, كانت وما زالت تقول بـ «نظرية التيارين» من دون أن تكون مراهنة على «الخارج» أو تتجه للالتحاق والإستقواء به, على اعتدالها السابق تجاه مرحلة ما بعد 10حزيران 2000, وهو ما يلمس بوضوح عند حزب الاتحاد الاشتراكي.

لا يقتصر الأمر, عند هؤلاء المراهنين على الخارج على تحول إيديويولوجي انتقلوا عبره من الماركسية إلى الليبرالية, وإنما يلمس عندهم انتقال من خانة إلى أخرى في مجالات متعددة: نبذٌ للعروبة لصالح «وطنية سورية» غير واضحـة المعـالم بعد, تغيير في نظرتهم السابـقـة تجاه مواضيع إسرائيل والتسوية, التقارب مع الأكراد بعدما كان بعضهم لشهور قليلة قبل أحداث القامشلي يتكلم بطريقة متطرفة تجاههم لا تبتعد كثيراً عن مفردات ميشال عفلق, فيما يلاحظ أخيراً على صعيد الأفكار انتقالاً عند بعض هؤلاء (بعدما كانوا من أنصار التقارب مع التيار الإسلامي في أحداث 1979 – 1980) إلى علمانية متطرفة ضد المتدينين والإسلاميين فيها الكثير, وإن كان بشكل كاريكاتوري, من الأمراض اليسارية السابقة تجاه الدين والتي دفع اليسار العربي غالياً بسببها.

من الواضح أن ذلك يتوافق (في الإيديولوجيا وفي تحديد الحلفاء وفي الإستهدافات والغايات وأيضاً على صعيد مضامين مشروع «الشرق الأوسط الكبير» من خلال طرحه لإطار يتجاوز هوية المنطقة العربية) مع الأجندة المطروحة من قبل واشنطن تجاه المنطقة العربية.

وتُجمع المعارضة السورية (التي رُفدت أخيراً بإعادة تشكيل حزب العمل الشيوعي, الذي كان متوقفاً عن النشاط منذ عام 1992, والذي يجمع الماركسية مع تشديده على الربط بين الوطنية والديمقراطية, فيما اتجه آخرون من أفراد حزب العمل إلى اتجاه آخر نحو الليبرالية) على مطلب الديمقراطية. إلاّ أنّ خلافاتها, التي تشمل ما يجري في العراق ولبنان وما يوضع من أجندة أميركية للعرب, تجعل هذا الاجماع من دون مفاعيل, خصوصاً عندما يؤدي الخلاف حول ما يجري في المنطقة, بعد مجيء (القطب الواحد) بقواته إليها, إلى خلاف حول وسائل «التغيير الديمقراطي» في سورية: هل يتم عبر الخارج, ام من خلال الحفاظ على الربط بين «الوطني» و»الديمقراطي» خوفاً من أن يؤدي فك الارتباط بين هذين الحدّين إلى ربط كارثي للديمقراطية بواشنطن, شبيه بنتائج ذلك الاقتران الذي كان بين موسكو والاشتراكية, هذا إذا لم نتكلم عن الآثار الكارثية على اليسار العربي وعلى الحركة الديمقراطية, لعملية ترك المهمات الوطنية ومواجهة الأجنبي إلى الإسلاميين والقوميين؟ ....

هذا الوضع يــؤدي إلى انقسام (ومن ثم انشقاق) المعارضة السورية إلى معسكرين: «الليبراليون الجدد» الذين يقتربون من رؤية «المحافــظين الجدد» للمنطقة, وبقــيـة المعارضة السورية بما تضمه من قوميين وإسلاميين وماركسيين, فيما من الواضح أن «الليبرالية الجديدة», والتي رُفـدت أسـاساً مـن فصائل الحـزب الشيوعي ومن حــزب العمل, ليـست أكـثــر مـن تـعــبـيـر عن أزمـة أحـزاب وأفــــراد مأزومين أيـديـولوجياً, اذ من المؤكـد أن التـيـار الليبـرالي لن يكـــون عماده هـؤلاء, بل صناعيـون وتجار وفئات وسطـــى وتكنوقراط ومتعلمون. وفي هــذا الصـــدد, ربما أعطى الصناعي الدمــشقي رياض سيف, عبر تأسيس «حركة السلم الاجتماعي» عام 2001 قبـيـل دخوله السجن, إرهاصا مبكراً عن إمكان إعادة تشكيل هذا التيار, بعدما كان أساسياً في الخمسينات عبر «حزب الشعب» و«الحزب الوطني».

تعيدنا الصورة الأخيرة إلى عام 1958 عندما انتهى مشهد سياسي سوري كامل, بأغلب أحزابه وشخصياته, ولو أن مرحلة الانفصال (1961 – 1963) شهدت الاشتعال الأخير للشمعة قبل الموت: من الواضح, أن مشهد ما بعد عام 1963 يقترب من فصله الأخير, سواء جرت تسوية أميركية – سورية حيال المواضيع الإقليمية أم اتجهت السلطة إلى مصالحة الداخل السوري للإستقواء به على الخارج الأميركي.

في هذا الإطار, فإن المسألة المركزية المطروحة, هي من سيبقى من أحزاب وشخصيات المعارضة السورية فوق سطح الماء, بعدما فشلت أحزاب «التجمع «والمثقفون في إنبات أي جذور وامتدادات اجتماعية, وفي فرض أجندة «إعادة السياسة للمجتمع»؟... بعبارة أخرى: إذا عاد المجتمع السوري إلى السياسة, وهو ما يمكن أن تقــرّبه التـــطورات المقبلة, فما هي الخريطة الجديدة للحياة السياسية السورية؟... وصولاً إلى السؤال المركزي: هل سيكون ما سبق معـــتمداً على عـــزل الاتــجاه الوطني في المعارضة السورية للمراهنين على الخارج, منعاً من تكرار تجربة المعارضة العراقية, عندما كانت قوى سياسية عراقية غطاءً محلياً لاحتلال البلد, وما أعقب ذلك من وضع العـراق في أيدي «الخارج» الذي سيـظلّ متحكماً بمصير العـــراق ومآلاته إلى أمد غيـر منظــور, بمعــزل عن كل ما جرى من انتخابات وغيرها, على رغم أن من الواضح أن الاستهداف الأميركي لسوريا يـــتم بوسائل غير عسكرية, عبر المحــاولة الراهنة من قبل الأميركيين لوضع يدهم على منطقـــة شــرق المتـــوسط, بعد سقـــوط بلاد الرافدين, حيث ما زالت الحقيـــقة الجغرا- سياسية القائلة ان «بيروت هي نافذة دمشق وبوابتها» فاعـــلة وقائمة, مع أن ذلك لم يحصل إلا عبر نفاذ «الخارج» من «الداخل» عبر مشكلات لبنانية حقيقية ولّدتها الهيمنة السورية على مقدرات لبنان؟

كاتب سوري.