يهود سورية: التطهير العرقي وصناعة الخرافة  

2005/03/17

 

صبحي حديدي
في أزمنة استثنائية مثل هذه، حاسمة في تحديد مصير النظام الحاكم في دمشق مثلما هي عصيبة علي كلّ سورية وسوري، يحدث أن يتعمّد خصوم البلد والشعب (وهم ليسوا بالضرورة خصوم النظام أنفسهم) الدمج الخبيث بين الحاكم والمحكوم وبين السلطة والشعب، بحيث يجري تأثيم سورية قبل وربما أكثر من نظام الإستبداد الذي يحكم شعبها. وهكذا يُخلط ـ ولا يختلط فقط، اعتباطاً واستطراداً ـ مأزق النظام الراهن في ما يخصّ العلاقة مع واشنطن وملفّات لبنان والعراق و مدّ الديمقراطية المصنّع في واشنطن، بقضايا لا تخطر علي بال، لأنها ببساطة مغلقة أو ساكنة أو غير قائمة أصلاً، مثل... التطهير العرقي لليهود في سورية!
نعم: التطهير العرقي لليهود ، والتعبير لا يجيء علي لسان رجل موتور ركيك العبارة بليد العقل مسطّح التفكير مثل وزير خارجية الدولة العبرية سيلفان شالوم مثلاً، بل علي لسان وبقلم جيفري ألدرمان، البروفيسور البريطاني البارز ونائب رئيس الجامعة العابرة للقارّات في لندن. لقد كان يردّ، كما لم يفعل أعتي وأسوأ وأردأ الصهاينة، علي مقالة عمدة لندن كين لفنغستون الشهيرة التي نشرتها الـ غارديان مطلع هذا الشهر، بعنوان الأمر يخصّ إسرائيل، وليس العداء للسامية . والبروفيسور لا يتورّع عن الجزم بأنّ أسوأ أحداث التطهير العرقي التي شهدتها الأزمنة الحديثة هي تلك التي تعرّض لها اليهود في الأراضي العربية ، فتبدو كلماته الرهيبة هذه وكأنها بالفعل مرشّحة للنقش في الحجر، والتحوّل إلي أسطورة جديدة راسخة لا يرقي الشكّ إلي صحّة منطوقها التاريخي والإصطلاحي!
الحقيقة ليست عكس هذا الكلام تماماً فحسب، بل هي نموذج صارخ علي حقيقة كبري ومحزنة لا صلة تجمعها بالأساطير أو اللفظ الملقي جزافاً علي عواهنه: عجز معظم الجاليات اليهودية عن الإندماج في أية ثقافة وطنية، والعزوف عن بلوغ درجة عالية أو كافية من حسّ المواطنة والمشاركة المجتمعية، ورفع الولاء لإسرائيل ـ حتي قبل أن تولد! ــ فوق كلّ ولاء. والمرء يتذكّر ذلك الإعلان الذي واصلت رابطة مكافحة الإفتراء الأمريكية الصهيونية نشره في صحيفة نيويورك تايمز ، والذي يقول: سورية تحتجز اليهود ضمن أقسي الشروط... في عقر دارهم ، حين كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد يستقبل إبراهيم حمرا كبير حاخامي يهود سورية، علي الرحب والسعة، وليس في القصر الرئاسي، بل في بلدة القرداحة مسقط رأس الأسد!
آنذاك، في العام 1992 وعلي ذمّة مراسلة الـ واشنطن بوست في العاصمة الأردنية عمّان، دار حديث وجداني ودّي رقيق بين الأسد وحمرا، حين قصد الأخير القرداحة لتعزية الرئيس بوفاة والدته. الأمّ الطيّبة أشبه بالأرض الخيّرة، وفقدانها بمثابة خسران لأثمن ما في حياتنا ، قال الحاخام الشاب وهو يشدّ علي يد الأسد متأهباً للصورة الفريدة التي سوف تتصدّر في اليوم التالي الصحف الرسمية الثلاث، بما فيها البعث الناطقة باسم حزب البعث الحاكم. والمشهد كان سيبدو أكثر من مألوف وروتيني، بين رئيس دولة وراعي ديانة توحيدية أساسية، لولا أنه كان يكسر محرّماً بعثياً عريقاً حول حدود التعامل مع يهود البلاد.
في ربيع العام ذاته قال الدكتور نسيم حاصباني، الطبيب خرّيج جامعة دمشق والناطق الرسمي باسم يهود سورية، إنّ مغادرة قرابة 700 يهودي علي اثر قيام السلطات السورية برفع قيود السفر عنهم ليست خروجاً، بل حيازة لحقوقنا . ونقلت رويترز عن حمرا قوله إنّ التغيير الهائل في التفكير السوري جاء في أعقاب اجتماع بين الأسد والمجلس اليهودي السوري بمناسبة قيام الوفد بتقديم التهنئة في الولاية الرئاسية الرابعة. وقال الحمرا: كلّ ما طلبه الوفد، نفّذه الرئيس الأسد .
وقبل سنتين من ذلك الحدث كان الصحافي الأمريكي المعروف ملتون فيورست، وهو يهودي بالمناسبة، قد نشر تحقيقاً مطوّلاً في نيويوركر ، ذكر فيه حاصباني أنّ اليهود متساوون في الخضوع للرقابة الأمنية وإجراءات السفر مع مجموع المواطنين السوريين، مع فارق أنهم يمتلكون حظوة خاصة لدي السفارات الغربية عند التقدّم لطلب التأشيرة . قبلها كانت منظمة العفو الدولية قد أطلقت حملة واسعة (من النوع الذي سيختار له البروفيسور ألدرمان صفة التطهير العرقي ) للإفراج عن عشرة يهود احتُجزوا وهم يزمعون مغادرة سورية خلسة إلي إسرائيل.
وخلال أقلّ من سنتين أطلق سراح أربعة منهم، وحُكم علي أربعة بالسجن سنتين بعد اعترافهم بالتخطيط لرحلة الي إسرائيل، وبقي إثنان منهم دون محاكمة حتي أفرج عنهما في مناسبة الولاية الرئاسية الرابعة. آنذاك كان آلاف المعتقلين السياسيين يقبعون في سجون النظام دون تهمة أو محاكمة، منذ 20 سنة (القيادة البعثية السابقة)، و15 سنة (مختلف مجموعات الإخوان المسلمين)، و12 سنة (قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي )، و10 سنوات (قيادة وأعضاء حزب العمل الشيوعي )، فضلاً عن الناصريين والبعثيين (قيادة قومية) ومجموعات من العرب الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين...
ذلك كان يعطي الحاخام حمرا الحقّ كلّ الحقّ في أن يفرح ويتهلل، فلا أحد من أبناء رعيّته قضي تحت التعذيب في أقبية المخابرات السورية (كما حدث مع العشرات من أعضاء التنظيمات المعارضة)، وفرسان تدمر والمشارقة وجسر الشغور وحماه أعملوا السيوف في رقاب أخري غير تلك التي تحمل رؤوس بني إسرائيل وأحفاد شاول الطرسوسي. إنهم في دمشق، وفي الشارع المستقيم دون سواه، يقيمون ويعملون ويتعبدون ويعيشون في فيء العهد الذهبي ذاته الذي قطعه الملك الآرامي بنهدد إلي الملك اليهودي آخاب قبل أكثر من 2000 سنة: إني أردّ المدن التي أخذها أبي من أبيك وتجعل لنفسك أسواقاً في دمشق كما جعل أبي في السامرة .
أكان الحاخام حمرا يلمّح إلي هذا العهد حين حدّث حافظ الأسد عن الأرض الخيّرة كمن يتوجّع وهو يوشك علي مغادرتها... طائعاً تماماً (غادر سنة 1995، وهو اليوم يقيم في الولايات المتحدة)؟ أكان يشير إلي عقر الدار وكأنه يعيد ترجيع العبارة المتكررة في إعلان المنظمة الأمريكية الصهيونية، أو يستظهر نصّ المشناه (أبرز كتب التلمود) الذي يقول: مَن يشتري أرضاً في سورية مثله كمثل مَن يشتري أرضاً في ظاهر أورشليم ؟ ألهذا غادر يهود سورية، طواعية تماماً مرّة أخري، فانخفض عددهم حتي بات لا يتجاوز الأرقام التالية: 150 في دمشق، و30 في حلب، و20 في القامشلي؟
هذا هو التطهير العرقي في الأزمنة الحديثة، فماذا عن الأزمنة الأخري؟ ليس بجديد التذكير بأنّ اليهود عاشوا في وئام وسلام وطمأنينة بين ظهراني أبناء سورية (أو حيثما تواجدوا في العالم العربي) منذ غابر العصور، كما تعترف الموسوعة اليهودية ذاتها. لقد هاجروا تحت ضغط نبوخذ نصّر إلي فارس وآسيا الوسطي، قبل أن تصل أولي موجاتهم إلي حوران ودمشق وساحل المتوسط الفينيقي. شاول الطرسوسي، أقدم جدّ توراتي معروف ليهود سورية، كان ينفث تهديداً وقتلاً علي تلامذة الربّ، فما وجد أناساً من الطريق رجالاً ونساء إلا وساقهم موثقين إلي أورشليم حسب الإصحاح التاسع من أعمال الرسل . لكنّ اليهود هم أنفسهم الذين تشاوروا لقتل شاول (ملكهم السابق، والذي سيصبح بولس الرسول بعد أن استجاب لنداء يسوع بواسطة حنانيا الدمشقي)، فأنقذه التلاميذ حين أنزلوه من السور في سلّة!
وتذكر الموسوعة اليهودية أنّ اليهود لم يخرجوا عن إجماع السواد الأعظم من السكان في الترحيب بالفاتحين المسلمين، وسرعان ما تحسنت أحوالهم وازدهرت تجارتهم وتوطدت الثقة بينهم وبين الحكام المسلمين. وعلي سبيل المثال، إثر انحلال الخلافة العباسية والخراب الذي لحق بالعراق، كان يهود سورية علي درجة من الدعة والجاه سمحت لهم باستقبال الآلاف من يهود العراق، الأمر الذي أطلق يدهم في شؤون الصيرفة والصناعات الحرفية كما يذكر المقدسي في أحسن التقاسيم .
وبعد أن فتح الفاطميون مصر وبسطوا نفوذهم علي جنوب سورية، أصبح يعقوب بن كلّس اليهودي أوّل وزير للعزيز، فلعب دوراً كبيراً في سياسة الدولة المالية والإدارية، وبلغ شأناً رفيعاً جعله لا يتردد في تسمية اليهودي مناشيه بن إبراهيم القزّاز حاكماً علي سورية. وكان اليهود آنذاك يقيمون في دمشق وحلب وصور وطرابلس وجبيل وبعلبك وبانياس. ولا ضرورة لإعادة تكرار ما تمتّع به اليهود من رخاء وحرّيات في العهد الأيوبي وعقود الحملات الصليبية، والتي يسردها بإسهاب الشاعر العبراني يهوذا الحريزي.
الوقائع الأخري اللاحقة ليست أقلّ دلالات: الشاعر اليهودي موسي بن صموئيل الدمشقي رافق أحد الوزراء المملوكيين في رحلة الحجّ إلي مكة، وفي العام 1605 أنشئت أوّل مطبعة عبرية في دمشق، وفي منتصف القرن الثامن عشر عُيّن شاول فرحي صرّافاً (أو وزير مال) لدي والي دمشق، وخلفه إبنه حاييم علي المنصب، وفي غضون ذلك تعاون يهود دير القمر وحاصبيا مع قوّات الأمير بشير الشهابي في قمع الثورة الشعبية ضدّ عبد الله باشا، وحين دخل إبراهيم باشا سورية في العام 1832 أبقي علي صرّاف دمشق اليهودي الحلبي يحيي أفندي...
وبالطبع، هنالك حكاية حادثة دمشق التي وقعت سنة 1840 حين وُجّه إصبع الإتهام إلي اليهود بقتل الأب توما الكبوشي وخادمه إبراهيم عمارة، لاستخدام دمهما في صنع خبز الفطير اليهودي كما شاع في التفكير الشعبي. ومن الثابت أنّ السلطان عبد المجيد تدخّل علي الفور وأصدر الفرمان الذي أعلن براءة اليهود من تهمة الدم، وحذّر من التعدّي علي الملّة الإسرائيلية .
التحوّل الحاسم بدأ مع تبلور الفكرة الصهيونية وفتح سؤال الهوية في الشتات، حيث انقسم يهود سورية إلي مجموعة حلب التي نادت بضرورة الهجرة إلي فلسطين لبناء دولة إسرائيل، ومجموعة دمشق التي كانت قريبة من خطّ اليهود الأوغنديين الذين وافقوا علي فكرة التاج البريطاني إقامة دولة يهودية في أوغندا. ولقد تمتع يهود حلب بدعم خارجي واسع، فأنشأوا مطبعة وأصدروا في عام 1921 أوّل صحيفة يهودية بالعربية تحت اسم العلم الإسرائيلي ، جري تبديل إسمها في عام 1946 إلي السلام .
متي، والحال هذه، وقعت عمليات التطهير العرقي ليهود سورية؟ لا الحاخام حمرا الذي هاجر إلي أمريكا، ولا الحاخام خضر شحادة كباريتي الذي حلّ محلّه ويقيم اليوم في دمشق، دَعْ جانباً رجل الأعمال السوري اليهودي البارز يوسف جاجاتي، سيوافق البروفيسور ألدرمان علي الذهاب بعيداً إلي حدّ استخدام ذلك المصطلح ذي العيار الثقيل. العكس هو الصحيح، سيقول الثلاثة أغلب الظنّ! وذات يوم تجشّم كريستوفر هتشنز عناء السفر إلي دمشق ليتأكد بنفسه من أنّ حكاية تأييد يهود سورية لحافظ الأسد لم تكن فبركة إعلامية رسمية أو مظهر نفاق ذاتي ناجم عن الخوف أو الضغط. ولقد وقف هتشنز في الشارع المستقيم دون سواه، طريق دمشق الأشهر الذي شهد تحوّل شاول (ملك اليهود المتعطّش للدماء) إلي بولس الرسول (حامل رسالة يسوع إلي آخر أرجاء المعمورة)، وشهد بأمّ عينيه مرور التظاهرة اليهودية التي تصدّرها الحاخام حمرا ورُفعت فيها لافتات تفتدي الأسد بالروح وبالدم. وبعد أن اجتمع بأقطاب يهود سورية علي حدة، بعيداً عن الرقباء والعسس، خرج بالنتيجة الدراماتيكية التالية: إنهم يحبّونه كما يحبّه أيّ بعثي، وأكثر أحياناً!
واليوم، ليس كثيراً أن يُطرح علي البروفيسور ألدرمان السؤال التالي: هل تأكد أنّ عدداً من اليهود العاملين في تجارة يوسف جاجاتي لم يكونوا في عداد ممثّلي الفعاليات الإقتصادية التي تظاهرت في دمشق قبل أيام... تأييداً للرئيس السوري بشار الأسد؟