المجتمع المدني والواقع العربي الراهن

د. محمد عابد الجابري
- الاتحاد

 

خلصنا، في المقالين السابقين، من استعراض تطور مفهوم "المجتمع المدني" في التاريخ الأوروبي الحديث إلى أن هذا المفهوم كان يتحدد بثلاث دلالات ترجع إلى اعتبارات ثلاثة: باعتباره البديل لسلطة الكنيسة على المجتمع من جهة، والبديل لسلطة الدولة الإمبراطورية التي قوامها ثنائية الراعي والرعية من جهة ثانية، والبديل لهيمنة الأسرة التي تتمثل في الأب الذي يتحول في النظام الأبوي البطريركي إلى شيخ القبيلة، من جهة ثالثة.
وإذا نحن انتقلنا الآن إلى المجتمع العربي المعاصر وتاريخ تطوره وأردنا أن نحدد بالضبط ما نعنيه بـ"المجتمع المدني"، حين نفكر في هذا المفهوم، فإنه سيكون من السهل - بل مما يغري- أن نسارع إلى المطابقة بين الاعتبارات المذكورة التي تحدَّدَ بها هذا المفهوم في أوروبا النهضة والأنوار، وبين الاعتبارات التي تحدده الآن في العالم العربي. فإن غضضنا الطرف عن بعض الاختلافات الجزئية بين الأقطار العربية وجدنا أن مفهوم "المجتمع العربي" يعني في تصور النخبة التي ترفعه شعارا: البديل عن المجتمع الذي تهيمن فيه أفكار وتطلعات "رجال الدين" من جهة، والبديل عن سلطة الدولة الاستبدادية الشمولية من جهة ثالثة، والبديل عن النظام القبلي والمجتمع الطائفي الذي تكون فيه الكلمة العليا لشيخ القبيلة أو رئيس الطائفة. ومن هنا يقترن مفهوم المجتمع المدني في ذهن النخبة بـ"التحول الديمقراطي".

غير أن هذه المطابقة سرعان ما يتبين خطؤها وخطرها عندما ننتبه إلى ثلاثة أمور:

الأول، أن كلام المفكرين في أوروبا النهضة والأنوار عن "المجتمع المدني" كان يخص مجتمعات كانت تنتقل فعلا من المجتمع الزراعي الإقطاعي إلى المجتمع الصناعي الحداثي.

والثاني، أنه كان جزءا من سياق تطور تاريخي كان يخضع بكامله للمعطيات الداخلية الذاتية الخاصة بهذا المجتمع الأوروبي أو ذاك، أعني بذلك غياب تأثير سلبي لأي عامل خارجي.

والثالث أن كثيرا من المشاكل الداخلية، الاقتصادية منها والاجتماعية، التي كان يعاني منها المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت، قد أمكن تجاوزها بفضل التوسع الاستعماري: الهجرة إلى المستعمرات، موادها الأولية، عائدات أسواقها... إلخ. وهذه أمور غائبة تماما بالنسبة للعالم العربي الراهن.

فالمجتمعات العربية لا تعيش حالة الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، ولا تَسْلم من التدخلات الخارجية التي تعيق التطور في هذا الاتجاه، إضافة إلى وقوعها تحت وطأة استغلال إمبريالي عالمي، وهذه الفوارق الأساسية تفرض على الباحث الأخذ بعين الاعتبار كلا من الزمان والمكان عندما يفكر في مفهوم المجتمع المدني والمفاهيم المماثلة. وإذن، فالمطلوب هو أن نتجه مباشرة إلى الواقع العربي لنلتمس منه محددات مفهوم "المجتمع المدني"، كما يمكن أن يفكر فيها داخل هذا الواقع، مستعينين في ذلك باستحضار الظروف والملابسات التي جعلتنا نتكلم اليوم عن هذا المفهوم بعد أن كان غائبا عن مجال تفكيرنا في العقود الماضية، وذلك على الرغم من أنه كان موجودا كمقولة من مقولات الفكر الأوروبي منذ عدة قرون.

وهكذا فإذا نحن تساءلنا: ما الذي جعلنا ننتبه، في وقت من الأوقات، إلى ضرورة الاهتمام بـ"المجتمع المدني" والمطالبة بالعمل على فسح المجال له لينشأ وينمو، فإن الجواب لابد أن ينطلق، ضمنيا على الأقل، من الواقع التالي، هو أن هناك في بعض المجتمعات العربية اليوم إرهاصات بقيام المجتمع المدني فيها. وهذا أمر يشي بفشل النموذج المجتمعي الذي شيد على الأرض العربية قبل ظهور هذه الإرهاصات. نقصد بذلك النماذج المجتمعية المرتبطة بدولة الحزب الوحيد، ودولة "ثورة الجيش"، ودولة الملكيات المطلقة والرئاسات القبلية والفردية. من هنا سنجد أن مضمون المجتمع المدني يرتبط في أذهاننا اليوم بالطموح إلى تصفية "مجتمع العسكر" و"مجتمع القبيلة" و"مجتمع الحزب الرائد القائد"، وبالتالي فسح المجال لقيام مجتمع المؤسسات القائمة على التعبير الديمقراطي الحر.

وإضافة إلى ذلك فإنه لابد من مراعاة التفاوت الكبير القائم بين الأقطار العربية، بمعنى أن البحث في المجتمع المدني يجب ألا يتقيد بنفس البداية بالنسبة لجميع الأقطار العربية. إن تفاوت التطور واختلاف التجارب في العالم العربي يقضيان أن ننظر إلى مضمون "المجتمع المدني" من مؤشرات متعددة، وأن تكون نظرتنا هذه قابلة للارتداد، مع اعتبار الخصوصية في هذا المجال. ومن مظاهر الخصوصية في أقطار عالمنا العربي أن الطريق إلى "المجتمع المدني" قد مر ويمر في بعض الأقطار عبر الانتقال - مثلا - من القبيلة إلى الطريقة الصوفية (المهدية، السنوسية، القادرية، الشاذلية...). وقد يتم الانتقال مباشرة من الطائفة إلى الحزب والنقابة والجمعيات المهنية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني على الطريقة الأوروبية. كما قد يحدث أن تتزامن تلك الأطر الاجتماعية العربية وتتعايش مع بعضها بعضاً مع قيام الحزب والنقابة دون أن يكونا بديلا عنها. إن عدم الأخذ بهذا المسار، المتعددة تضاريسه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، في فهم الواقع العربي قد ينتج عنه، وهذا ما حصل فعلا، انفصال خطير بين "المجتمع المدني" كما تتصوره وتريده النخبة العربية العصرية وبين "المجتمع المدني" كما هو بصدد الظهور بالفعل في واقع الحياة العربية .

لنأخذ مثلا على ذلك ما تعنيه اليوم النخبة العصرية، في الجزائر أو في مصر أو غيرهما، بـ"المجتمع المدني"؟ إنها تعني به نفسها! أما الباقي، فيوضع خارج المجتمع المدني، مع أن هذا "الباقي" قد يحصل بواسطة آليات المجتمع المدني نفسه، على الأغلبية من المقاعد والأصوات، إذا جرت الانتخابات بدرجة ما من النزاهة، كما حدث في تجربة الجزائر، حيث وجدت "النخبة العصرية" نفسها أمام واقع فرض عليها قبول تدخل الجيش وتوقيف المسلسل الانتخابي. وما حدث في الجزائر يمكن أن يحدث - أو حدث بعضه فعلا- في أقطار عربية أخرى. هنا، في مثل هذه الحالات، يقع الخلط بين "العصرية" أو "الحداثة" من جهة وبين "المجتمع المدني" من جهة أخرى، إلى درجة المطابقة بينهما. وهذا يطرح مشاكل نظرية وعملية.

وهكذا يمكن التساؤل مثلا: إذا كنا نعني بـ"المجتمع المدني" التنظيمات المستقلة عن الدولة، والتي تقوم بنوع من الخدمة للمجتمع ككل، فأين سنضع الجمعيات الإسلامية الخيرية المستقلة عن الدولة التي تقوم بخدمة المجتمع أثناء الكوارث الطبيعية، خدمة قد تفوق في فعاليتها واتساعها عمل الدولة وأجهزتها؟ وأين سنضع "الجمعيات الأهلية"، كنقابات الأطباء والمهندسين والمحامين وجمعيات الطلاب، حين تسيطر عليها، وبواسطة الانتخابات، العناصر الإسلامية وهي معارضة للدولة، مقاومة لهيمنتها على المجتمع؟ هل نعتبر مثل هذه التشكيلات الاجتماعية - في مثل هذه الأحوال- من مكونات "المجتمع المدني" أم نضعها خارجه؟

والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة للعملية الديمقراطية ونتائجها. إن ما حدث في الجزائر، عندما أجريت فيها انتخابات حرة نزيهة، هو ما كان سيحدث في أي بلد عربي آخر تجرى فيه انتخابات بنزاهة. أعني بذلك أن أغلبية الأصوات ستنالها القوى المعارضة للدولة، سواء كانت هذه القوى منظمة أو غير منظمة، إسلامية أو غير إسلامية. ويمكن القول بصفة عامة، مع بعض الاستثناء الذي يزكي القاعدة، إن القوى المرشحة للفوز في العملية الديمقراطية النزيهة، في الأقطار العربية، قوى غير عصرية، غير حداثية، قوى تقع خارج "المجتمع المدني" كما تتصوره النخبة العصرية. والسؤال المطروح في هذه الحالة: هل سنقبل بالديمقراطية وبنتائجها مهما كانت، أم أنه يجب التمييز بين الديمقراطية التي تعني في نفس الوقت الحداثة (في مجال الفكر والسلوك على الأقل) وبين الديمقراطية التي لا تأخذ في اعتبارها إلا التعبير الحر والنزيه؟.