حال الطوارئ تفكك المجتمع وتنمط المواطنين

علي العبد الله     الحياة

يثير يوم 8 آذار من كل عام ذكريات ومعاناة مرّة ترتبت على إعلان حالة الطوارئ في سورية في هذا اليوم من عام 1963، اذ كانت لحال الطوارئ التي نعيش تحت وطأتها منذ أكثر من أربعين عاما، انعكاسات سلبية خطيرة على كل مناحي الحياة. فقد ترتب على إعلان الطوارئ وتنفيذها بطريقة غير قانونية، إلغاء دور الدستور والقوانين وإعطاء إجازة قسرية للقضاء، ليس باعتماد محاكم أمن الدولة والمحاكم الاستثنائية والميدانية العسكرية ضد المدنيين فحسب، بل وبالضغط على القضاة.

وما زاد الأوضاع سوءا اقتران تطبيق حال الطوارئ بإعلان الأحكام العرفــية، وهذا أطــلق يد الأجهزة الأمنية, خصوصــاً مع الحمايـــة التي وفرتها لهم المادة 16 من المرسوم التشريعي الرقم 14 الصادر بتاريخ (15/1/1969) والتي نصت على أنه: « لا تجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهام الموكولة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر من المدير»

وقد تغولّت هذه الأجهزة ومارست كل أنواع الابتزاز والاستنزاف النفسي والوجداني، وكل أصناف القهر الجسدي والروحي.

وأدت الممارسات التي سادت، خصوصاً بعد المجابهة الدامية بين السلطة و«الطليعة المقاتلة» التي انشقت عن حركة «الإخوان المسلمين» في الفترة من 1977 إلى 1981، إلى إضعاف الحركات السياسية المعارضة عبر الملاحقة والسجن لفترات طويلة بعد محاكمات غير قانونية، وإنهاء كل ملامح الاستقلالية في أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها النظام، والى ثقافة الخوف في المجتمع عن طريق إلحاق الأذى استنادا إلى وشايات المخبرين والعملاء وتسليط عقاب جماعي على الأسر التي يخرج منها معارض، والتي - ثقافة الخوف - أفرزت خرابا نفسيا وأخلاقيا وانهيارا روحيا تجلى في استقالة المجتمع عن لعب دور في الشأن العام، وسيادة عقلية الخلاص الفردي، حتى لو جاء على حساب الأهل والأقارب والأبناء.

وقاد طول فرض حال الطوارئ والأحكام العرفية، وما شهدته الحياة اليومية من بطش وضغط نفسي على المواطنين، ومن تركيز سياسي/ إعلامي على عقولهم بدءا من الطفولة المبكرة (الطلائع، الشبيبة، الحزب) ومركزة الحياة الوطنية حول القيادة، وقهر اقتصادي عبر إقامة تكتل من السلطة والحزب والمنظمات الشعبية لضبط إيقاع حياة المواطنين الاقتصادية وجعل لقمة عيشهم بيد قوى النظام، كي تسيطر على ردود أفعالهم، وهذا رتب تنميط ردّ فعل المواطنين السياسي، وأفقدهم حماستهم وتحفزهم الوطني، بعدما غابت الفكرة الحافزة التي كانت تدفعهم إلى النزول إلى الشوارع عند كل حدث وطني أو عربي، فقد خرجوا في حرب السويس وحرب تحرير الجزائر، بينما تجمّدت مشاعرهم الوطنية، حيث تمر صور القتل الوحشي الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، في شكل يومي، ناهيك عن تجمد عواطفهم خلال اجتياح إسرائيل واحتلال بيروت عام 1982 والعدوان الأميركي على العراق عام 1991، من دون رد فعل شعبي يناسب هذه الأحداث الجسام، وحتى زلزال العراق لم يستطع أن يخرجهم من حال الاستقالة السياسية والموت السريري، فالغالبية من المواطنين السوريين غارقة في الاغتراب، الذي انعكس بين أبناء الطبقات العليا والوسطى بتطليق الحياة العامة والانغماس في حياة يومية هامشية، وبين أبناء الطبقات الشعبية بممارسة العنف الاجتماعي.

أما القوى السياسية فتلاشت حركات بكاملها تحت الضغط المباشر(الإخوان المسلمين والقرار 49 الذي يحكم على من يثبت انتسابه لحركة «الإخوان المسلمين» بالإعدام) فيما أخذت حركات أخرى تطحن نفسها باجترار مقولاتها، وهذا أدى إلى فقدان عناصر القوة التي كانت تمتلكها، فتحولت إلى مزق وحلقات معزولة.

لقد تدمرت الحياة الوطنية وساد الصوت الواحد، بإخراج السياسة من المجتمع، بعد ضرب كل تعبيراته المستقلة، ما أفقد الحياة الوطنية توازنها وحول الوطنية السورية إلى حالة هلامية مبهمة.

ومع غياب القانون والمراقبة البرلمانية والمحاسبة القضائية انطلقت عملية نهب منظم للمال العام، بطرق وأساليب عديدة، وأفسح في المجال لممارسة عملية ابتزاز المواطنين في إطار مكافأة أو رشوة على قمع المواطنين وموظفي الدولة.

وهذا إلى جانب انهيار قواعد النظام الاقتصادية بفعل الفساد والنهب والتآكل، قاد إلى إفقار قطاعات واسعة من المجتمع لم تعد تملك القدرة على تلبية مستلزمات حياة عادية بسيطة، فانقسم المجتمع بين غالبية فقيرة وأقلية تلعب بالملايين.

كما أدت السياسة التمييزية التي ترافقت مع القمع السياسي والاجتماعي، إلى انكماش المشاعر الوطنية والى عودة المواطنين إلى مواقع ما قبل وطنية، مواقع طائفية وعشائرية وعائلية ومناطقية. كما أدى الظلم الذي وقع على المواطنين الأكراد، أن في مسألة الحرمان من الجنسية أو مصادرة الأراضي لإقامة الحزام العربي، أو منع تسجيل ملكيات عقارية، والإبعاد عن الوظائف العامة...الخ، إلى حصول انقسام عمودي عميق بين أبناء الوطن الواحد، تجسّد في تشكيلات سياسية خاصة، حيث لم يعد تواجد العرب والأكراد السوريين في حزب واحد أمرا ممكنا، ناهيك عن الشك والحذر والكراهية التي سادت علاقات المواطنين مع بعضهم بعضاً.

وقد قاد هذا إلى تفكك الاجتماع السوري، وطنيا واجتماعيا، والى أزمات سياسية واقتصادية وخدمية، يشعر المواطنون أن السلطة تتجاهلها وتتركها تتفاقم باتجاه المزيد من الاختناق المعيشي والخدمي وكأنها ترى فيها وسيلة لتأبيد الخوف والحذر الاجتماعيين، والمجتمع إلى مزيد من التذرر الاجتماعي، وهذا جعل المشكلة الرئيسة التي نواجهها مشكلة غياب الاندماج الوطني، وهي مشكلة خطيرة وقابلة للتوظيف من قبل قوى خارجية في اتجاهات خطيرة عبر صراعات دامية وبرامج تفكيكية، ما يجعل المهمة الرئيسة التي يجب أن يعمل عليها الشعب السوري وحركته الديمقراطية، هي تحقيق اندماج وطني والتأسيس لوحدة وطنية حقيقية تختلف عن الوحدة الوطنية التي تروج لها السلطة عبر حوار وطني شامل يهدف إلى إقرار تفاهم حول المستقبل والسعي إلى إقامة دولة الحق والقانون على طريق قيام نظام ديمقراطي، وهذا يحتاج إلى اتفاق أولي على المنطلق، منطلق وطني ديمقراطي، والتأسيس لعقد وطني جديد.

كاتب سوري.