قراءة في خطاب الرئيس الأسد والمواقف منه - عوني فرسخ

القدس العربي

 

 

عوني فرسخ
في خطاب الرئيس بشار الأسد أمام مجلس الشعب السوري بعد ظهر يوم السبت الخامس من آذار (مارس) الجاري بدا الرئيس السوري موضوعيا وعظيم الثقة بقدرات سورية ودورها الإقليمي. كما بدا شديد الحرص علي إيضاح وتأكيد خمس مسائل : الأولي أن انسحاب الجيش السوري من لبنان سيتم وفقا لما يقرره المجلس الرئاسي السوري ـ اللبناني المشترك، وانه قرار يتم وفق التزامات سورية بموجب اتفاق الطائف، وليس خضوعا للاملاءات الأمريكية ـ الفرنسية التي يعبر عنها القرار 1559، بدليل أن الانسحاب السوري بدأ عام 2000، وأن أربع جولات من الانسحاب تمت قبل صدور قرار مجلس الأمن، وبحيث لم يكن قد تبقي عند صدوره سوي أربعة عشر ألف ضابط وجندي، من أصل أربعين ألفا، الأمر الذي يعني انه جري سحب 65% من القوات السورية. ثم إن الرئيس بدا مهتما بإيضاح أن ليس هناك ممانعة سورية بالانسحاب من لبنان، بل إن المصلحة السورية الصرفة تقضي بسحب القوات المتبقية في لبنان وإعادة دمجها في الجيش السوري ووضع حد لعطالتها في لبنان.
وثاني ما بدا الرئيس الأسد حريصا علي إيضاحه وتأكيده أن ليس للنظام السوري أدني صلة بجريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري، وبالتالي تفنيد كل الأقاويل والادعاءات التي اتهمت النظام السوري صراحة أو ضمنا بارتكاب الجريمة النكراء. كما أوضح الرئيس علي هذا المحور أن خسارة سورية بفقدان الرئيس الحريري لا تقل عن خسارة لبنان، وان سورية مهتمة بمتابعة التحقيق وجلاء ما اكتنف الجريمة من غموض. وإن كان قد لمح إلي أن الأجهزة الصهيونية هي المسؤولة عن اغتيال الحريري بإشارته إلي اغتيال الرئيس ياسر عرفات.
وثالث ما اهتم الرئيس بإيضاحه أن العلاقة بين الشعبين العربيين في سورية ولبنان محكومة بحقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا وتراكمات تفاعلات اجتماعية ممتدة. وأن انسحاب الجيش السوري من لبنان لا يعني مطلقا انسحاب سورية من الشأن اللبناني، لاستحالة ذلك عمليا بحكم تأثر الواقع السوري بمتغيرات ومستجدات الواقع اللبناني. ومن منطلق الحرص علي تصحيح العلاقة في ما بين الشعبين الشقيقين أقر بوجود اخطاء في ممارسات السوريين في لبنان. كما أنه نبه إلي ضرورة تعاطي المواطنين السوريين بمنتهي العقلانية والشعور بالمسؤولية القومية مع ما جري في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية من مواقف غير مسؤولة تجاه سورية والسوريين كانت وليدة انفعال البعض وتنكر البعض الآخر لما قدمته سورية للبنــان ولهـــــم في المرحلة الدقيقة من حياة لبنان، وما تحملته حتي وضعت المجتمع اللبناني علي عتبات السلم الأهلي بعد كل ما تعرض له نسيجه الاجتماعي ابان سنوات حرب ملوك الطوائف.
ومع انه كان واضحا منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 أن من اصدروا القرار الدولي انما اتخذوا من موضوع الوجود السوري في لبنان مجرد ستار للتغطية علي اهدافهم الحقيقية المقصودة من وراء استصدارهم ذلك القرار، إلا أن الرئيس الاسد كان حريصا علي اضفاء مزيد من الوضوح حول الغاية الاساسية المقصودة، ألا وهي تصفية المقاومة اللبنانية التي يجسدها حزب الله، وفرض التوطين من جهة، والصلح والتطبيع مع اسرائيل وفق شروطها من جهة اخري. وهي المسائل الاشد خطورة والادعي للاهتمام لبنانيا وعربيا في كل ما تضمنه القرار 1559. والجديد الذي جاء به خطاب الرئيس الاسد علي هذا المحور ان التخطيط لاتخاذ قرار دولي في تصفية المقاومة واقرار التوطين وفرض الصلح مع اسرائيل والتطبيع معها جري وضع أسسه في اعقاب غزو العراق وليس بعد التمديد للرئيس لحود.
وبدا الرئيس حريصا للغاية علي ستر عورة النظام الرسمي العربي الذي تعاطي مع القرار 1559 وفق الاملاءات الامريكية، وليس في ضوء ما تضمنه القرار وما تستر عليه. لأن الذي قاله من أن الانظمة العربية كانت في اتصالها مع اركان النظام السوري متقبلة لوجهة نظره ليس إلا من قبيل التعالي علي افرازات واقع مأزوم تشيع بين نخبه ثقافة الهزيمة. في حين أن ما كان معروفا ومعلنا قبل وقوفه علي منبر مجلس الشعب السوري أن الاتصالات الرسمية العربية انما كانت تسوق الاملاءات الامريكية وتخوف من عدم الاستجابة لها. وليس ادل علي ذلك من التقدير الذي ابداه الرئيس بوش لموقف أحد أهم المسؤولين العرب في اليوم السابق لخطاب الرئيس الاسد. وفي الموقف تجاه الوساطات الرسمية العربية دلالة ادراك واع من الرئيس والنظام السوري لطبيعة المناخ العربي السائد، وتوجه نحو محاولة ايجاد رافعة للمواقف الرسمية العربية إذا كان ذلك مستطاعا.
والذي يذكر في هذا السياق أن جميع المتدخلين وكثيرا من الاعلاميين العرب طالبوا النظام السوري بالالتزام بالقرار 1559، اتقاء لعواقب الامتناع عن تنفيذه، باعتباره قرار الشرعية الدولية الواجب الاحترام، والذي لا يجوز رفضه. في حين أنهم سكتوا سكوت اهل الكهف عن كل القرارات الدولية التي فيها بعض ما يتوجب علي اسرائيل تنفيذه، والتي لما تزل معطلة بسبب امتناع اسرائيل والادارة الامريكية من ورائها عن تنفيذ القرارات الدولية. وكم كان مؤسفا ان احدا من ناصحي دمشق ومطالبيها بالاستجابة لما يسمونه قرار الشرعية الدولية لم يأت علي ذكر قراري الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 181 وعودة اسرائيل لحدود التقسيم و194 وعودة اللاجئين والتعويض عليهم. كما أن أحدا منهم لم يتذكر قرارات مجلس الأمن 242 و338 و425 بالانسحاب من الاراضي العربية إلي حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967.
ولقد حذر الرئيس الاسد من أن في الافق مؤشرات اعادة انتاج اتفاق 17 ايار (مايو) 1983، وهو القرار الذي كان لسورية دور في دعم القوي الوطنية اللبنانية التي اسقطته. وفي خطاب الرئيس الاسد ما يستشف منه ان ما قامت به سورية بالامس ما زالت مستعدة لأن تقوم به اليوم، وان سورية لما تزل تمتلك ارادة المقاومة والاستعداد لتقديم الاستجابة الفاعلة للتحدي الذي تمثله الجوانب المعلنة والخفية للقرار 1559.
وألاحظ ان خطاب الرئيس السوري أحدث تحولا في ميزان القوي في لبنان لصالح قوي الموالاة علي حساب المعارضة. فمن جهة اولي استقبل بايجابية واضحة من بعض أقطاب المعارضة اللبنانية، الذين رحبوا باعلان العزم علي الانسحاب من لبنان، وبالموقف الايجابي تجاه التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وبالاقرار بالاخطاء السورية في لبنان. ومن جهة ثانية كان للخطاب صداه شديد الايجابية ليس فقط في أوساط القوي الموالية وإنما ايضا في أوساط القوي الوطنية والاسلامية التي لم تصطف الي جانب طرفي النزاع في الساحة اللبنانية وبخاصة كل من حزب الله و القوة الثالثة بزعامة الرئيس سليم الحص. ومن جهة ثالثة كانت السلبية صارخة في ردة الفعل الامريكية والفرنسية، كما في تعقيبات النخب اللبنانية التي اعتادت الاستقواء بالاستفزاز الطائفي والدعم الخارجي.
ولما كان المناخ الدولي والاقليمي غير موات لتفاعلات ايجابية عربية ـ عربية فان الاحتمال الارجح ان التوجه السوري لتصحيح العلاقة مع الشعب العربي في لبنان الذي عبر عنه خطاب الرئيس الاسد، لن يلقي التجاوب المطلوب من معظم أطراف المعارضة اللبنانية. بل وأن الفئة الاكثر استقواء باستنفار المشاعر الطائفية وتطلعا للقوي الخارجية سوف تعمد الي التصعيد، وأنه وقد سحبت منها الورقة السورية سوف تركز نقدها للمقاومة وسلاحها. وليس مستبعدا ان تقدم علي ما من شأنه تفجير الساحة اللبنانية من جديد، لايجاد المبرر المطلوب لاستقدام القوات الاجنبية الملفعة بعلم الامم المتحدة.
ولاتقاء المخاطر غير المستبعدة ليس أفضل من تعزيز الموقف السوري داخليا بانفتاح النظام علي مختلف القوي السياسية، وتعميق الحوار معها وصولا إلي إقامة جبهة وطنية ملتزمة بالثوابت القومية، فضلا عن توسيع وتعميق الحوار مع مختلف القوي اللبنانية. ويمكن القول إن التجاوب الشعبي السوري مع خطاب الرئيس يوفر فرصة ممتازة للتفاعل الايجابي بين النظام والقوي الرافضة الهيمنة والاستتباع. وليس من شك ان هيئات المجتمع المدني العربية فوق القطرية لما تزل مرشحة لدور منتج علي هذا المحور. وعليه اكرر الدعوة للاخ الصديق معن بشور امين عام المؤتمر القومي العربي، كما للدكتور عصام العريان المنسق العام للمؤتمر القومي الاسلامي للتحرك باتجاه تفعيل القوي الوطنية والقومية والاسلامية واستنهاضها علي قاعدة دعم المقاومة اللبنانية، وتمكينها من الصمود في وجه العدوان الخارجي، وكبح انفلات القوي المحلية التي لما تزل عاجزة عن ادراك مستجدات ومتغيرات الواقع اللبناني. والظرف الراهن افضل للتحرك المنتج في لبنان مما كان عليه الحال قبل خطاب الرئيس بشار الاسد.