اغتيال الحريري وإطلاق الجن: قراءة هادئة لشهر هائج (1)

كميل داغر - السفير

في الرابع عشر من شباط الماضي، سقط الرئيس الاسبق للوزراء، رفيق الحريري، في عملية إجرامية بشعة حصدت، فضلا عنه، العشرات من الضحايا الابرياء والجرحى، عدا خسائر هائلة في الفنادق والمباني المحاذية، في انفجار توقف ضجيجه المباشر بالتأكيد، لكن تداعياته الخطيرة مستمرة في الدوي، وسيبقى دويها يصم الآذان، على الارجح، لأشهر طوال، وربما لسنوات أو أكثر!
وهو دوي متعدد الأمكنة. في بيروت، كما في دمشق، لكن ايضا في عواصم عديدة عبر المنطقة العربية، والعالم، ليس لأن الزعيم الراحل ذو أهمية عالمية، بالضرورة (كما تريد تصويره مساع محمومة يبذلها أنصاره ومريدوه، وآخرون عديدون يسعون لضمان اقصى المنفعة لانفسهم ولمشاريعهم من الطريقة الفاجعة لرحيله)، بل لأن موته بات مناسبة ملكية لمحاولة اطلاق سيرورة كبرى من التغييرات تخدم السياسة الامبراطورية الراهنة للولايات المتحدة الاميركية.
1. ماذا عن <<ساحة الحرية>>؟
بين الأمكنة التي اختيرت للمشاركة في صنع هذا الدوي، وتسهيل الطريق امام ان يمضي بعيدا، يمكن ان نذكر، للأسف، ساحة الشهداء، التي قد لا يكون صدفة انها قائمة في قلب المشروع المشهور الذي يملك الراحل الجزء الاكبر من أسهمه، مشروع سوليدير. أما ما يمكن الجزم بأنه ليس صدفة على الاطلاق، فهو اختيار بقعة من الارض ملاصقة لتلك الساحة، لتكون مدفنا له. بذلك يكتمل اعداد المسرح، فضلا عن التجهيزات الصوتية الملائمة.
في تلك الساحة، التي يتجمع فيها منذ اكثر من اسبوعين، وبصورة يومية، الآلاف من الشبان، ملوحين بالعلم اللبناني، ومنادين، كمطلب رئيسي، برحيل ما يعتبرونه احتلالا سوريا، في تلك الساحة بالضبط، سيكون من المفرط في الغرابة والاذهال ألا يكتشف الحد الادنى من اعمال المنطق والعقل مفارقات مخجلة حقا، ومحزنة جدا، بالتأكيد! فعلى الرغم من أننا نشاطر هؤلاء الشبان والشابات، المتحمسين جدا والأبرياء، في معظمهم، أقصى الادانة والاستنكار، كما سنبين لاحقا، لإدارة النظام السوري المخابراتية الكريهة والفاسدة، للشأن اللبناني (تماما كما للشأن السوري)، بالتلازم مع اقصى الادانة لصنائع هذا النظام وشركائه في الادارة اللبنانية، نشعر كذلك بأقصى التقزز والرفض لما أظهره الكثيرون في تلك الساحة الواسعة من الكراهية للشعب السوري، عاجزين تماما عن ان يميزوا بين جلاد وضحية، بين نظام وشعب! وهو شعب طيب ونبيل وكريم، ربما تصل معاناته من ممارسات الاجهزة، وقمع ادوات السلطة، عينها، الى حدود اكبر بكثير. والأكيد ان أبسط المشاعر الانسانية تستدعي اقصى التضامن معه، بدل النبذ وإطلاق الهتافات الشوفينية الحاقدة ضده، بما يندرج عمليا في نوع من المباركة والتشجيع للعديد من حالات التنكيل البشعة التي اصابت، أخيرا، وعلى الارض اللبنانية بالذات، عمالا سوريين بسطاء، يكدحون ضمن شروط إذلال واستغلال تقارب احيانا شروط المجتمع العبودي!
ثم أليس من المفارقات المخزية ايضا ان تكون غالبية من الجموع المحتشدة في <<ساحة الحرية>>، وفقا للوصف الذي تم اطلاقه أخيرا على الساحة التي نحن بصددها، وفي حين تنظر الى الجنود السوريين كجيش احتلال تطالب، وسط مشاعر هائجة تقارب الهستيريا، بإخراجه بالكامل من لبنان، لم يسبق ان تعاملت مع الوجود العسكري الصهيوني في الاراضي اللبنانية على انه احتلال، ولم يحدث ان اطلقت يوما ولو... صيحة خافتة ضده!
اكثر من ذلك، ان غالبية، في الساحة المشار اليها، تبصم بأصابعها العشرة على القرار 1559، بما هو يتضمن بندا اساسيا هو نزع السلاح المقاوم، وبالتحديد سلاح حزب الله. وهو حزب يشكل من ضمن القوى المحسوبة الآن على الموالاة للسلطة القائمة، وعلى الرغم من طابعه المذهبي الغالب، وانحكام برنامجه بالعلاقة الوثيقة التي تشده الى الجمهورية الاسلامية الايرانية، القوة الوحيدة الجماهيرية حقا، والقادرة على فرض احترامها في الساحة السياسية، ليس فقط بسبب دورها الحاسم في تحرير الشريط الحدودي من الاحتلال الاسرائيلي، بل ايضا لعدم انخراطها المباشر في الفساد المستشري في كامل الجسم السياسي للنظام المحلي. ناهيكم عن كونها لا تزال تشكل احدى قوى الممانعة الاساسية في المنطقة العربية للهجمة الاميركية الاسرائيلية المتواصلة، وتقف على رأس المستهدفين من القرار 1559.
هذا وكانت اسرائيل اعلنت على لسان مسؤولين عديدين فيها، بينهم وزير خارجيتها، ورئيس اركان جيشها، عن دورها الاساسي في استصدار القرار المذكور! علما بأن تنفيذه لن يمكن ان يتم من دون انهار من الدم اللبناني الذي سيسيل على الارض التي حررها السلاح المنوه به، وبالتالي من دون مذابح ضمن الشعب الواحد يود ان يراها بأم العين، لا الصهاينة وحسب، بل المحافظون الاميركيون الجدد، ومشاريعهم التقسيمية للمنطقة، من العراق، الى لبنان، مرورا بأكثر من بلد وأرض عربيين. وهي مذابح سوف تبين اذا حصلت، مدى نفاق الشعارات، العالية الرنين، حول توحد الشعب اللبناني في <<ساحة الشهداء>>. إذ يا لها من <<وحدة وطنية>> كاذبة قد تشكل غدا مدخلا الى الانشطار الكبير!
2. موت مفجع وصناعة للأسطورة
لا
شك في أن انفجار 14/2 كان حدثا مفجعا، يستدعي، كما حصل بالضبط، درجة عالية من الشجب والاستفظاع. ولا ريب ايضا ان الشخصية الاساسية التي استهدفها لعبت دورا بالغ الاهمية في العقدين الاخيرين من حياة اللبنانيين، الامر الذي لا حاجة لتفصيله، اذ هو من البديهيات. وهو دور متناقض بالتأكيد فيه ايجابيات عديدة، وفيه السلبيات، التي كان كثرا من شددوا عليها، والمحللون لجسامتها، على امتداد حياة الرجل السياسية، ولا سيما مذ بلغ موقعه في رئاسة الوزراء، حيث بقي عشر سنوات، اي اكثر من اي ممن سبقوه في هذا المنصب، على اختلافهم، في مرحلة مصيرية حساسة جدا من حياة البلد.
بيد ان ثمة علامة استفهام كبرى بات ضروريا، بعد اسابيع على الحادثة، ان يتم طرحها لأجل محاولة الاجابة عنها، او على الاقل دعوة الناس للتفكير فيها. ففي بلد شهد حالات كثيرة من اعمال الاغتيال السياسي، وعلى أعلى المستويات، منذ ما بعد سنوات قليلة على استقلاله وحتى الآن، هذه هي المرة الاولى التي يتم فيها، فجأة، تحويل الشخص المستهدف الى ما يشبه الاسطورة، في تصاريح رجال السياسة، والصحافة، والفكر، وعبر مختلف وسائل الاعلام التي لم تتوقف الى الآن عن تركيب هذه الصورة الاحادية الجانب لإنسان لم يكن عاديا بالتأكيد، في ما أُعطي وما أخذ من دور، وفي ما توفرت له من امكانات بادر الى استخدامها في حدودها القصوى. لكن هذا المعطى لا يبرر اطلاقا ما نشهد من سيرورة تمجيد وتعظيم، تصل الى حدود صناعة الاسطورة!!
هذا ومن اللافت جدا ان الجميع، تقريبا، يتناسون ما سبق ان كان يكال للرجل من اتهامات سوف نقتصر، حماية للذاكرة الجماعية للناس الذين يتعرضون منذ اكثر من عشرين يوما لعملية غسل دماغ متواصلة، على نقل بعض منها، مما كان سياسيون وصحافيون و<<رجال فكر>>، غيّر العديد منهم خطابهم الآن، يروجون لها في تواريخ سابقة. وبين اهم تلك الاتهامات المبنية على وقائع عنيدة، الاستيلاء قهرا، وظلما، وإن تحت غطاء القانون، على البقعة الأهم من العاصمة، المعروفة بالمنطقة التجارية، والمشاركة في انتاج احد أسوأ التعديات على أبسط مقومات الديموقراطية ودولة القانون والاخلاق السياسية، متمثلا بظاهرة المحاصصة الطائفية، وما يلازمها من نهب خطير للمال العام وتحويل الادارة الى مرتع للأزلام وعديمي الكفاءات، وذلك في سياق تفاهم وتشارك عميقين مع مراكز المخابرات، اللبنانية والسورية، ناهيكم عن ضرب الاتحاد العمالي العام والحركة النقابية اجمالا، الذي شاركت فيه، ايضا، وبصورة مباشرة، المراكز المشار اليها، وقوى سياسية لبنانية اخرى شديدة الالتحاق بدمشق، وإفشال اول مسعى جدي لتقريب الشقة بين المواطنين كان يتمثل بمشروع قانون الزواج المدني الاختياري، وإصدار قرار منع التظاهر الذي تم تدشينه بمجزرة جسر المطار عام 1993 خلال التظاهرة ضد اتفاق اوسلو، وبالطبع من دون نسيان الدين العام الذي قفز، تحت غطاء سياسة الاعمار العشوائية التي يجري تقريظها الآن من دون تحفظات، من حوالى مليار ونصف مليار دولار عام 1992 الى قرابة اربعين مليارا من الدولارات! عدا ما رافق ذلك من شراء شريحة واسعة جدا من الانتليجنسيا اللبنانية كما من رجال الدولة، من أعلى الهرم السياسي الى أدناه، في عملية افساد شاملة لم يشهد مثيلا لها تاريخ البلد.
في كل حال، نجدنا مضطرين ايضا الى طرح التساؤل التالي: هل إن بين الاهداف الاساسية لعملية إشاعة النسيان المتعمدة هذه، وما يلازمها مما سميناه صناعة الاسطورة، الوصول بسيرورة تأليب نسبة عالية من المواطنين المحليين، عدا من يمكن تأليبهم ايضا في المحيط العربي بوجه خاص، وعبر العالم، على المتهم الوحيد الى الآن، لا بل المشتبه به الوحيد (!) بجريمة اغتيال الرجل، إلى حد ينجح معه ذلك في تعريض دمشق لعزلة خانقة، لن تدفع وحدها ثمنها، فيما لو بلغت هذه السيرورة اهدافها، بل الشعبان السوري واللبناني ايضا، وأبعد منهما شعوب عديدة اخرى في المنطقة، من العراق الى فلسطين، مرورا بإيران، كما سنرى لاحقا؟ لكننا اذ نطرح هذا السؤال، مشددين في آن على ضرورة اجراء تحقيق نزيه يكشف المسؤولية الحقيقية عن جريمة 14/2، لا نلغي اطلاقا مسؤولية النظام السوري الكاملة عن بلوغ الامور هذه الدرجة من التردي، بسبب طبيعة هذا النظام الديكتاتورية الممعنة في الفساد، وهيمنة الاجهزة الامنية على الحياة السياسية (والاقتصادية والاجتماعية)، ليس فقط في سوريا بالذات، بل ايضا داخل لبنان.
3. ممارسات النظام السوري في الميزان
لقد كان بين الاسباب الاساسية لانهيار الوحدة بين مصر وسوريا في اوائل الستينيات مساعي الهيمنة شبه المطلقة التي مارسها النظام المصري على دمشق، ولا سيما عبر اجهزة المخابرات وعناصر القمع، مع انعكاسات ذلك الكارثية على المهمة الأشد حيوية بالنسبة لمصير المنطقة العربية، مهمة الوحدة. ومع ان دخول الجيش السوري الى لبنان لم يكن في سياق سيرورة وحدوية الا ان ممارسات دمشق في لبنان على امتداد وجود جيشها ومخابراتها في هذه الساحة، بدلا من ان توظف في خدمة تعميق التلاحم والتفاهم والاندماج بين الشعبين، كررت بصورة أشد فظاظة وبشاعة تلك التي سبق ان مورست على الشعب السوري بين عامي 1958 و1961، في ظل الهيمنة المصرية. وهو ما يهدد بترك ظلاله الكثيفة، لسنوات طويلة، على العلاقات بين شعبينا.
فعلى الرغم من انه سيكون من قبيل التبسيط وسوء النية نكران الجانب الايجابي من الدور السوري في لبنان، متمثلا بالاسهام في وقف الاقتتال الداخلي، او في دعم سيرورة التحرر من اتفاق 17 ايار المفروض اسرائيليا، ومن ثم من الاحتلال الاسرائيلي، فإن ذلك لا يبرر اطلاقا، ولا يلغي واقع سياسة الهيمنة التي مارسها النظام السوري على لبنان، مع ما لازم ذلك من ممارسات مقيتة للاجهزة الامنية السورية ضد الشعب اللبناني ومؤسساته والحياة السياسية فيه، ناهيكم عن لعب دور اساسي في انتاج سلطة سياسية وأمنية محلية متواطئة مع تلك الاجهزة ومتعاونة معها الى أبعد الحدود، على اساس مصالحها الضيقة والجشعة، سلطة زيفت الحياة السياسية بالكامل وأفسدت كل جوانب العلاقات داخل مجتمعنا، وأشركت الاجهزة المشار اليها في نهب اقتصاد شعبنا وضرب مصالحه الحيوية. من دون ان ننسى ايضا ان الاتفاقات الاقتصادية والإنمائية التي تمت بين الدولتين منذ عام 1990 وحتى الآن، جاءت، احيانا عديدة، على حساب مصالح الشعب اللبناني، بحيث تستدعي اعادة النظر فيها، لاحقا، بما يخدم مصالح الشعبين اللبناني والسوري معا، وبصورة متكافئة، ويعزز التكامل وحفز اكبر قدر من عوامل الانسجام والوحدة في ما بينهما.
ان الطرف اللبناني في هذه المعادلة، المتمثل بالسلطة المحلية، التي سبق ان جاء رأسها، الضابط السابق في الجيش اللبناني، العماد اميل لحود، الى الحكم، عام 1998، بقرار من دمشق وبضغط من الاجهزة السورية على المجلس النيابي، وجرى التمديد له ثلاث سنوات في الخريف الماضي، بقرار وضغط من القوى عينها، هذا الطرف خاضع الى حد بعيد للإملاءات التي تصله من الجهة التي فرضته، وإن كان ذلك لا يلغي واقع انه لا يفعل ذلك، بالضرورة، مكرها، بل من ضمن تقاسم للمصالح يحصل بنتيجته على نسبة وافرة جدا من مغانم هذه العلاقة. وليس من المستبعد، في كل حال، ان يرتبط مصيره، في الأشهر القليلة القادمة، وربما بعدها بفترة غير بعيدة، بمصير هذه الهيمنة، هو وجزء هام من الرموز السياسية والادارية، التي تدين ببروزها في العقدين الاخيرين الى رضى دمشق عنها واحتضانها لها. وهي رموز مسؤولة، بالضرورة، عن تقديم الغطاء المحلي، على امتداد الخمس عشرة سنة الاخيرة للتجاوزات البالغة الاذى، وللفساد المنقطع النظير، في الواقع السياسي والاقتصادي والمالي في البلد. وهو ما سهل الى أبعد الحدود ما نشهده حاليا من تمرد واسع على هذا الواقع وعلى تلك الهيمنة لا شك بأنه، إذ ينطوي في جوانب عديدة منه، على الكثير من المشروعية يتسم، من جوانب اخرى، بسمات خطيرة، هي تلك المرتبطة بواقع الاستقواء بالتدخلات الخارجية، ولا سيما من جانب أميركا وحلفائها، في هذا الظرف الحاسم من الهجمة الامبريالية على منطقتنا العربية، بوجه أخص. وهو استقواء نلاحظه، بلا ريب، في سلوك المعارضة اللبنانية الراهنة، وانطلاقا من طبيعة القوى التي تنتظمها.
(
) كاتب ومحام