سوريا تنتظر إصلاحاً 'أكبر من ثورة'

 

مشيل كيلو - النهار

لا شك في إيجابية الإعلان السوري عن الانسحاب إلى ما وراء الحدود السورية، وفق اتفاق الطائف، الذي تأخر تطبيقه حوالى عقد ونيف.

  والانسحاب السوري من لبنان مهم النتائج، لكونه يعني نهاية دور إقليمي مارسته السلطة السورية خلال حقبة الحرب الباردة، وعبّر عن نفسه في مواقف معينة من العراق وفلسطين ولبنان، بقيت ثابتة لفترة طويلة، لكنها تبدلت خلال العام الماضي، مع انقلاب الممانعة ضد أميركا في العراق إلى تعاون صريح ومبطن مع واشنطن والحكومة العراقية، والتخلي عن معارضة خطط منظمة التحرير، والموافقة على انفراد مصر بترتيب العلاقات الداخلية الفلسطينية وعلاقات فلسطين مع المحتل الإسرائيلي في إطار "خريطة الطريق" واللجنة الرباعية، وانكشاف الغطاء الدولي عن الوجود السوري في لبنان وانفجار مطالبة دولية ضاغطة ومتوعدة بما لا تحمد عقباه، إذا لم يتم الانسحاب منه.

  بنهاية دور سوريا الإقليمي، يُطرح بديلان:

- البقاء دون دور جديد، وبديله قيامه بدور يرسمه الطاغوت الأميركي ليخدم مصالحه وخططه، وإلا فمواجهة عواصف أشد خطرا وهولا من عاصفة لبنان، أو

- أن يقتنع، أخيرا، بضرورة إجراء تحولات هيكلية في أبنيته ونهجه، ويؤمن أن خروجه من لبنان يجب أن يكون بداية حقبة ميدانها وموضوعها الرئيس وساحتها الحاسمة الداخل السوري، أو علاقاته مع مجتمعه وشعبه. فلا بد من أن يفهم إشاراتها بصورة صحيحة، وإلا بدأ تصدعه الداخلي، الذاتي، ووجد نفسه في مواجهة منطقين: واحد يمثله الأمن وقيادة الحزب الراهنة ورهط من الفاسدين واللاهثين وراء مصالحهم الخاصة، يقول بمواصلة المعركة وبخوضها بمعونة شعارات وأساليب شمولية.  وآخر يدعو إلى رؤية الأمور على حقيقتها، وإلى وضع التطورات الأخيرة في مكانها الصحيح، وإلى قراءة معانيها بصدق ونزاهة، لإيجاد دور سوري لا يكون أعطية من أحد، ولا ينتج عن سياسة الجلوس الخطير بين الكراسي في نزاعات دولية وعربية وإقليمية مفاتيحها الحقيقية بيد الآخرين، كما لا ينتج عن الاستبعاد الداخلي والقبضة الحديدية ونهب وإفقار المجتمع وسوء توزيع الدخل الوطني... الخ؛

- دور ركيزته الانفتاح على الداخل، وقيام  أبنية وهياكل سياسية واقتصادية واجتماعية تعكس اتفاق مصالح السلطة والمجتمع والدولة، وتحد من تناقضها، الذي وصل اليوم إلى درجة التعارض الشامل، تعبر السلطة فيها عن إرادة شعب حر، وتتمكن من ممارسة دور عربي يلتقي مع رغبات أمة العرب المقهورة وآمالها، والتي لا يعبر أحد اليوم عن رغباتها وطموحاتها، فضلا عن دور دولي لا يضع سوريا في مواجهة خاسرة مع أحد، ويدافع عن مصالحها بقوة غطائها الداخلي، وبما يتوافر لها من غطاء عربي وكذلك دولي - توفّر إلى ما قبل أشهر قليلة، ثم انقلب إلى نقيضه في لبنان بصورة خاصة، حين أبلغت أوروبا الولايات المتحدة خلال قمة الثماني في حزيران من العام الماضي أنها ستدعم سياساتها تجاه النظام السوري.

هذان المنطقان سيطرحان نفسيهما على سوريا من الآن فصاعدا، عبر البديلين الآتيين:

- بديل أول يعني تشديد القبضة الأمنية في الداخل وتركيز كل جهود السلطة عليه،  ما دام  ضبطه أمنيا كفيل بامتصاص "الخسارة اللبنانية "، ولأن ضبطه شرط توطيد الأمر القائم، خاصة بعدما تعالت أصوات داخلية تطالب بالخروج من لبنان. هذا البديل يعني استغلال مغادرة لبنان لتسجيل إصابات في مرمى شعبه، تفيد من تناقضات  أطرافه السياسية والطائفية، المسلحة والمجردة من السلاح، والتحكم في أوضاعه "عن بعد"، واستبدال الدور المباشر فيه بدور غير مباشر يلعبه جهاز الأمن و"الحلفاء اللبنانيون"، ويحول لبنان ساحة صراع باهظة الكلفة بالنسبة إلى الأطراف المعادية أو المعارضة أو المناوئة، في لبنان وخارجه. وللعلم، فإن استمرار هذه العقلية، التي وجه قرار الانسحاب ضربة جدية لها، يعني بقاء النظام السوري غارقا في حسابات فات زمانها، حظيت إلى الأمس القريب بغطاء دولي يكاد يكون شاملا وانتهى دورها، لأن أحدا ما عاد بحاجة إليها، ولأن القوى المؤيدة لها ضمن النظام بل وقوى النظام بمجموعه صارت عاجزة عن إدامتها، في مواجهة العالم - بما في ذلك العربي منه - ولأن التمسك بها سيكون انتحارا حقيقيا ليس لسياسة بعينها بل للنظام برمته، الذي فقد عمقه الخارجي القديم، حيث خاض معظم معاركه بعد عام 1976، وسيجد نفسه مجبرا بعد الانسحاب على خوض معارك ميدانها الرئيس عمقه الداخلي، الذي لن تحميه القبضة الأمنية، بل ستزيد مشكلاته وستفضي إلى دماره.

بديل ثان يعني الانفتاح الداخلي، والشروع في مصالحة وطنية طال انتظارها وكثرت المطالبات بها، وإصلاح النظام بجدية وعمق، وإعادة تحديد المشكلات التي يجب أن تعالجها سوريا بجهود أبنائها، في الموالاة والمعارضة، والذين لن يتمكنوا من مواجهة الخطر بغير تحول نظامهم من نظام أمني إلى نظام سياسي، يعترف بحقهم في الحرية، وبحق أحزابهم في الشرعية والعلنية، ويقوم على نمط من الإدارة والتنظيم يستند على مشاركة المواطن في الشأن العام، دون قيود تبطل حريته أو تتعارض معها، ويسمح بمراجعة سياساته الداخلية والخارجية، وبتحويل الدولة من دولة حزب إلى دولة حق وقانون تخص كل واحد من مواطنيها.

أشدد على إنجاز هذه النقلة النوعية، بسبب ضرورتها لنقلة نوعية مشابهة في لبنان، تكتمل بها فتتحول سوريا ولبنان إلى موقع حصين يستحيل اختراقه، خاصة إذا ما تم التقيد بالمبدأين اللذين حددهما الرئيس الأسد في خطابه، وقال إن علاقات سوريا المقبلة مع لبنان ستتعين بهما، وهما: البقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف اللبنانية كي لا يعطي أحد نفسه حق التحدث باسم سوريا، التي ستتحدث من اليوم فصاعدا عن نفسها -، والعمل من أجل توفير إجماع لبناني على أي علاقة مع سوريا كي لا يصارع أحد أحدا بحجة أنه ليس من جماعة سوريا.

 هذا هو المعنى الحقيقي للانسحاب من لبنان. وهذه هي البدائل والسياسات التي يتيحها ضمن الفسحة الزمنية المحدودة جدا، التي ستفصلنا عن نقل المعركة إلى داخل بلدنا. فماذا سيختار أولي الأمر منا؟

بالانسحاب من لبنان، ينتهي دور لطالما استمتع النظام السوري بلعبه، فإما أن يكون له دور آخر يقوم على أسس داخلية وعربية وتحديدا لبنانية - جديدة، أو أن لا يكون هناك غير تكتيف نفسه بانتظار بدء المعركة الأخيرة ضده، بعد أن زالت مصادر قوته  الدولية، وتراجعت إلى درجة تكاد تكون تامة قدرته على امتصاص مشكلاته الداخلية بفضل علاقاته الخارجية، وتبدلت توازنات القوى تبدلا جذريا لغير مصلحته، وتغيرت الحاضنة الدولية والعربية التي أنجبته، وحلت محلها بيئة مغايرة، معادية، تطالب برأسه، الذي لن يتمكن من حمايته إذا ما واصل التمسك بأبنيته السلطوية الراهنة : المتقادمة والضعيفة والعاجزة.

أنتج النظام في السبعينات داخله في ضوء علاقاته مع الخارج، وعليه اليوم أن يفعل العكس: أن ينتج علاقاته الخارجية، التي يجب أن تكون من نمط مغاير للنمط الذي أخذ به خلال نيف وثلاثة عقود، انطلاقا من الداخل وحده، بما أن الخارج صار عدوا أو خصما أو طرفا مناوئا.

  ماذا سيفعل النظام ؟ يرتبط الرد على هذا السؤال بنمط خياراته، ويتوقف  عليه : فإما أن يهلك إن واصل نهجه الأمني، أو أن ينجو بمعونة الداخل، ولكن  بقدر ما يصير نظاما جديدا ومختلفا.

  هذه هي دلالة الانسحاب السوري من لبنان. وهذه هي مضمراته، التي لن يفيد معها وعد إصلاح غائم، كالذي عرفناه خلال السنوات الخمس الماضية، وتتطلب من الآن فصاعدا إصلاحا "أكبر من ثورة"، كما كان يقول أستاذي الراحل إلياس مرقص!

  بانسحابها من لبنان، تبلغ سوريا نقطة مفصلية حاسمة، يرجح أن لا يبقى شيء بعدها كما كان قبلها. فهل يعي نظامها ذلك قبل فوات الأوان، ويتجاوز استجاباته البطيئة للاحداث، بعد أن حملت في الآونة الأخيرة طابع ردود فعل مترددة وجزئية، أم ينتقل إلى نهج جديد يقوم على المبادرة، يقطع الطريق على الأخطار بإزالة ركائزها الذاتية، عوض انتظار وقوعها في ظرف دولي وموازين قوى تحول دون مواجهتها بفاعلية؟

  سوريا على مفترق طرق، لطفك اللهم!

(دمشق)

كاتب سوري