التجرد الملزم - النهار
بقلم كلوفيس مقصود

بإلحاح وبدون انفعال، ينبغي على كل من الموالين والمعارضين اخراج الازمة الراهنة في لبنان من حالة استعصائها على الحلحلة ناهيك بالحل. وهذا أمر يستوجب المشاركة في اخراج الازمة من الانسداد، لأن استمرار تفاقمها سوف يؤدي الى وضع حيث لن يكون مكان لا للموالاة ولا للمعارضة. حيث ان مسؤولية طمأنة اللبنانيين تقع على التزام الطاقم السياسي بشقيه لتجنيب لبنان تداعيات انهيار ما يجمع وإن كان محدوداً حالياً. لذا علينا تعزيز ما يجمع والاقرار بما يفرق حتى يتحرر المواطن من الخوف على المصير والقلق على المستقبل.

قد يتصور بعضهم داخل المعارضة والموالاة ان هذه طوباوية وتبشيرية لم تعد واردة إضافة الى كونها تصطدم مع الاستقطاب الحاد الذي اصبح في نظر الفريقين الواقع الجديد. من هذا المنظور تبدو أي مطالبة بوقفة استشراف لما ينطوي عليه هذا الاستقطاب المحموم تشويشاً على الخطاب السائد وتطفلاً على "شرعية" قائمة او على شرعية واعدة مرشحة لأن تقوم. وقد يكون وصف المداخلة بالتطفل على الواقع الحالي منطقياً. الا أن المحاولة مطلوبة كاقتراح لسياسة وقائية قد نعم قد تؤول الى وقفة مراجعة نقدية تقلص من التنافس في استعراض العضلات وإن كانت تنطوي على ملامح صحية بدلاً من استنفار للعصبيات. قد يحتج كل من الفريقين بأن هذه "الطوباوية" تؤدي الى مساواة بين الفريقين وكل منهما مقتنع بأنه أكثر استقامة وأكثر حضوراً في وجدان اللبنانيين، وبالتالي ان وقفة الاستشراف هي مجحفة بحق الطرفين.

معاذ الله أن ندعي اصدار أحكام وان كانت لنا آراء وتثمينات وتحيزات في ما هو واقع على الساحة. لكن الاخطار المحيطة بالازمة القائمة وطنياً واقليمياً ودولياً تستوجب ضبط قاعدة الانطلاق وتحصين وحدة الوطن بازاء الاعاصير العاتية المحيطة بنا حتى يتحول الاستقطاب الحالي الى تنافس وتسابق بين برامج مدروسة توفرها حرية الاختيار ومن خلال انتخابات نزيهة، في حضور مراقبين عرب ودوليين، تؤدي الى شرعية الحكم الناتج منها وشرعية المعارضة في الوقت نفسه. فالطوباوية التي قد نتهم بها مؤقتة لاسترجاع انفاس المواطنين حتى يتم الاختيار في الانتخابات المقبلة التي يجب ان تتم في وقتها ويكون المواطن مشاركاً فيها مسلحاً بحقه في المساهمة في صناعة مستقبلية اضافة الى قدرته على التعبير عن رأيه واقتناعه. لذا مطلوبة فرصة للحلحلة وإن مقتضبة لتمكين صيرورة الحلول. أما إذا لم تتوافر هذه الفرصة لتنفيس الاحتقان، فقد تتحول الأجواء المحمومة الحالية بالوعة لكل الطاقم السياسي موالين ومعارضين، لكونه فوّت على الشعب اللبناني الاستراحة النفسية وبرهن انه عاجز عن ايجاد البوصلة للإبحار وسط الأمواج الصاخبة والتعقيدات الاقليمية والدولية التي يراهن عليها بعضهم في كلا الفريقين ويتحولوا بالوعي او اللاوعي مرتهنين لها. عند ذلك يصبح التحول من المراهنة الى الارتهان ثغرة تنزف صدقية الموالي والمعارض وفاعليتهما ونزاهتهما.

في هذه الحال يكون الالتفاف الرائع حول شهادة رفيق الحريري التي تحولت قاعدة الانطلاق لمشروع الشراكة بمنأى عن احتكار هذا الارث الملهم لفريق دون الاخر وبالتالي يجعل من الاصرار على معرفة الحقيقة اولوية وطنية شاملة ممنوع الانحراف عنها. فالكشف عمن خطط ونفذ هذه الجريمة يصبح المدخل لمعاقبة مرتكبي هذه الخطيئة المميتة بحق لبنان والوطن العربي، بل من شأنها ازالة التكهنات المتباينة المبعثرة لمناعة الجسم السياسي واستبدالها بالمعلومات الدقيقة التي وحدها توفر لنا بوصلة نبقى بدونها سجناء اللاحسم في تحديد معالم تعاملنا مع انفسنا ومع العالم.

اذا ما المخرج؟ اميل الى ان تفرز خطورة اللحظة تيارا معترضا قادراً على جذب التأييد من موالين ومعارضين بغية فرملة تمادي حدة الاستقطاب المحموم وتعزيز فرص حوار هادف. فالحوار من اجل الحوار الهاء ومضيعة لوقت قد يكون قصيراً وبالتالي يؤدي الى الإمعان في التخبط والإحباط. أما الحوار الهادف فينطلق من كونه مرتبطاً بما يجب ان يؤول اليه من مصلحة وحدة الوطن واستقراره. كما ان عناصر الحوار الهادف متوافرة وتلخص بما يلي:

-1 تعجيل عملية الانسحاب العسكري، بما فيها المخابراتي، ويبدو انه بدأ بالفعل.

-2 يرافق عملية التعجيل تجنب إضفاء سمة الانهزام والتشفي بل اعتبار الامر بداية امتثال للشرعية القومية المتمثلة بمباشرة تطبيق اتفاق الطائف، وبمتطلبات الشرعية الدولية.

-3 ان النقمة العارمة على بعض سلوكيات الاجهزة الامنية والتي كانت مستحيلة الهضم يجب الا تتحول الى الانتقام. فالنقمة إذا اديرت بعقلانية تتحول تصحيحاً يؤدي الى مزيد من العلاقات الصحية التي يجب ان يفيد منها كل من سوريا ولبنان.

-4 ان يساهم التزام سوريا ما تعتبره الامم المتحدة امتثالا لبنود القرار 1559 في الحد من محاولة الرئيس الاميركي جورج بوش ان يحدد وحده تفسير ما تنطوي عليه عملية تطبيق بنود القرار وفي الشكل التعجيزي، كما بان في تهديداته المتكررة، وتفويت الفرصة على صهاينة الادارة الاميركية لفرض عقوبات جائرة عليها.

-5 ان يترافق التعجيل في الانسحابات مع بدء تطهير الاجهزة الامنية اللبنانية ممن تواطأوا في الممارسات القهرية والتي تمثلت مع تباطؤ، او عرقلة، التحقيق في جريمة محاولة اغتيال مروان حماده، والذين فقدوا اهليتهم المشاركة في اي تحقيق لما قاموا به من اعتداءات كيدية، كما حصل مع رئيس بلدية الشويفات وغيره في العديد من المناطق اللبنانية، مما الحق غبناً بضحاياهم وعيباً في مهنيتهم.

هذا قليل من كثير.

الا ان المطلوب آنيا وفورا هو اتاحة فرصة لمداخلة صحية للمعترضة (اي لتيار اعتراضي) كي نسهل الممكن، فلا نكون سجناء ما يبدو ليس متوافرا اي "حكومة اتحاد وطني وحكومة حيادية". فحكومة اتحاد وطني تفترض توافقا على معنى "الوطني" ومن ثم الانطلاق الى تنظيم برنامج الحكم المرحلي، وهذا للأسف غير متوافر خصوصا مع الرفض القاطع للمعارضة، كونها ترجح ما يفرق على ما يجمع خصوصا ان "الموالاة" بمشاركتها في التمديد معتبرة لدى المعارضة مطعونة بأهليتها. ورغم ان الحكومة المستقيلة تعتبر الفراغ الدستوري خطرا داهما فهي تعتبر وجودها لتصريف الاعمال حاجة وطنية.

امام هذه الاشكالية تصبح حكومة حيادية غير واردة مطلقا، فالاستقكاب الحاد والذي تعبر  عنه تظاهرات الفريقين يجعل كلمة حياد نقطة متساوية في الابتعاد عن طريق الاستقطاب. وينظر اليه باعتباره مرادفا للامبالاة اكثر من كونه خميرة "قوة ثالثة". كما يرى الفريقان ان الحياد يعني تجنب ابداء الرأي وبالتالي افتقارا الى معرفة مكونات الازمة وبالتالي جهلا لمعاناة الناس وطموحاتهم. على الاقل وفي هذا المجال توجد وحدة في التقويم.

الا ان الممكن موجود في ما يمكن تعريفه بالتجرد الملزم. يعني ان حصيلة تجارب وخبرات سابقة اصبحت اهتماماً دافئاً بهموم المواطن والوطن. وان هذا الالتزام يتميز برغبة في ابداء رأي مدروس وموضوعي وأخذ مواقف جريئة من شأنها توفير بوصلة موثوق بها وبالقدر الممكن حكيمة ومطمئنة.

من هذه الزاوية علينا عدم الخلط بين الحياد والتجرد. فالحياد في الازمة الراهنة ممارسة للامتناع المطلق، في حين ان التجرد الملتزم هو تعبير عن تصميم على مشاركة مستمرة في البحث ودرس البدائل والخيارات واتخاذ مواقف متميزة باستقامتها واستعداد دائم للخدمة عند الحاجة. فمعظم من يتمتعون بصفة التجرد الملتزم لا يسعون الى اية سلطة، واذا جاءت السلطة اليهم فانهم يعتبرونها مرحلة موقتة لمواصلة الخدمة العامة التي ميزت تاريخهم وأثرت عطاءاتهم وعرفت عنهم بحكماء لبنان.

هم رجال ونساء معروفون يجب استحضارهم للاشهر القليلة  المقبلة في مرحلة نقاهة انتقالية توصل لبنان الى ان يزاوج الوطنية بالديموقراطية، والحرية بالمساواة، ولبنان برسالة نهضوية

من هم؟ اعتقد ان معظمكم يستطيع تسمية معظمهم.