تظاهرة دمشق الشبابية واستئناف الهستيريا القديمة ـ المقيمة

2005/03/10- القدس العربي

 

صبحي حديدي
في سياق رصد إيجابيات أداء الرئيس السوري بشار الأسد خلال الأشهر القليلة التي أعقبت ترقيته إلي رئاسة الجمهورية العربية السورية بنسبة 97.29%، توقف المتفائلون بالعهد الجديد عند انحسار تقاليد الـ هوبرة الغوغائية ومظاهر عبادة الفرد التي اقترنت بعقود حكم أبيه الثلاثة: الصور العملاقة في الساحات الرئيسية، التماثيل، الأغاني التمجيدية، الشعارات التأليهية، والمظاهرات الحاشدة التي كانت تمرّ أمام شرفة قصر الروضة كلّما حلّت ذكري الحركة التصحيحية أو حين تقتضي المناسبة استعراض العضلات وتبيان القدرة علي حشد الشارع الشعبي.
الأرجح أنّ تظاهرة دمشق قبل أيّام، ومثلها تظاهرة حلب بعد أيّام، سوف تصيب من المتفائلين مقتلاً جديداً، حتي وإنْ كانت النصال قد تكسرت علي النصال في حكاية استبشارهم خيراً بهذا العهد الجديد. وتلك النصال تضمنت وأد ما سُمّي ربيع دمشق في زمن قياسي، وزجّ أبرز رموزه في السجن استناداً إلي محاكمات وأحكام أشبه بالمهازل، والإنقلاب ذاتياً علي خطوات الإصلاح الخجولة التي جنحت إليها إدارة بشار الأسد، وتعاظم الفساد والنهب علي نحو جعل السوريين يترحّمون علي عهد الأب... وليس بعد هذه طامّة أكبر!
خذوا النماذج التالية من الشعارات المرفوعة في تظاهرة دمشق: الله، سورية، بشار، وبسّ ، و يا بشار لا تهتم، عندك شعب بيشرب دمّ ، وبالطبع الترنيمة الأزلية بالروح بالدمّ نفديك يا بشار ! وخذوا الأكذوبة الفاضحة التي أشاعتها وكالة الأنباء السورية، حول الجهات المنظّمة للمظاهرة: فعاليات اجتماعية وثقافية واقتصادية خاصة، و... مؤسسات المجتمع المدني! وخذوا، ثالثاً ولكن ليس أخيراً، عيّنات من أبرز ممثّلي هذا المجتمع المدني : أشهر الأشبال من أنجال كبار أُسُود مافيات النهب والفساد والتسلّط والتجارة القذرة!
في المقابل، ويوم أمس تحديداً ساعة كتابة هذه السطور، كان ممثّلو المجتمع المدني إياهم قد أرسلوا أعوانهم وأزلامهم لكي يندسّوا في صفوف اعتصام مدني أمام قصر العدل في العاصمة السورية دمشق، احتجاجاً علي استمرار فرض حالة الطواريء والمحاكم والقوانين الاستثنائية والعرفية منذ 42 سنة. ولكي تختلط المأساة بالمهزلة، رفع المندسّون شعارات تظاهرة دمشق ذاتها، وهتفوا الهتافات التي تفدي بالدم ولا تشرب إلا الدمّ، بل لجأ بعضهم إلي انتزاع العلم السوري من أيدي بعض المعتصمين، واستبدلوه بصورة بشار الأسد!
ولقد لاح ذات يوم، وإنْ لفترة قصيرة في الواقع، أنّ نفراً من السوريين، بينهم كاتب هذه السطور، يكاد ينقلب إلي صوت منفرد وانفرادي حين يواصل الإصرار علي أنّ نظام بشار الأسد هو امتداد طبيعي وعضوي وبنيوي لنظام أبيه، أو هو الحركة التصحيحية ـ 2 في التوصيف الذي قد يكون الأكثر دقّة. وشخصياً كنت أري، وكتبت وأعلنت هذا الرأي مراراً، أنّ قِدَم هذا العهد سوف يتكشّف علي نحو دراماتيكي صارخ عند وقوعه في أوّل أزمة جدّية شاملة، حين ستقتضي المواجهة قواعدها الصارمة القاتلة المدمّرة، وحين لا يعني اللجوء إلي أنصاف الحلول سوي المزيد من تعميق المأزق.
ورغم أنّ ربيع دمشق لم يكن يندرج في خانة الأزمات التي يمكن أن تهزّ أركان النظام وتكشف طبيعته الإستبدادية القديمة ـ المقيمة، فضلاً عن حقيقة أنّ ذلك الربيع كان في الأساس قد أطلّ مقترناً بالخفر والحياء كما يتوجّب القول، فإنّ السلطة لم تحتمله إلا بضعة أسابيع. ونتذكّر، كما ينبغي هنا أيضاً، أنّ ذلك الربيع كان أقصر بكثير من أن يسمح بعبور سنونوة واحدة، وأكثر هزالاً من أن يستوعب نقاشاً سياسياً جديداً من أيّ نوع، وبينه وعلي رأسه ذلك النقاش حول المجتمع المدني ، والذي بدأ صادقاً ومتواضعاً لكي ينتهي زائفاً وسفسطائياً.
السلطة، في ائتلاف مدهش ضمّ الحرسَين القديم والجديد، لم تكتف بإطلاق الطوابير الخامسة في مسعي وأد النقاش في المهد وتجييره إلي ما ليس فيه وما يفرغه من المضمون الملموس فحسب، بل هي استنفرت أجهزتها من القمّة إلي القاعدة: بدأ الأمر من وزير الإعلام آنذاك عدنان عمران، ثمّ تواصل مع أحاديث الرئيس السوري إلي عدد من الصحف، وبلغ نائب الرئيس عبد الحليم خدام، وانتقل بالإستتباع إلي أعضاء القيادة القطرية للحزب الحاكم، وانتهي بالطبع إلي كتّاب الأعمدة والتعليقات والمقالات الفكرية في صحف السلطة أو الصحف العربية الموالية.
وهكذا ترسّخ استنتاج أوّل يفيد بأنّ الحرس القديم قد كسب جولة تمهيدية في أوّل عملية شدّ وجذب جدّية يشهدها المجتمع السوري والسلطة السورية في آن معاً، بين أعراف الماضي ومعطيات الحاضر وإرهاصات المستقبل. ومنذ تولّي بشار الأسد مقاليد الحكم وحتي اندلاع حملات تجريم المثقفين ودعاة المجتمع المدني، سكتت أجهزة السلطة عن خطاب إعلامي رسمي أخذ يبشّر بالتغيير، ويضطرّ في سياق التغنّي بالتغيير إلي توجيه بعض النقد المبطّن لتجربة الماضي، ويقتبس خطاب القسم علي نحو انتقائي واتكائي وغائيّ (زائف غالباً، وصحيح نادراً). ذلك أجبر السلطة علي سكوت مماثل، وإنْ بنفاد صبر أقلّ، أمام جرأة رجال من أمثال رياض الترك والراحل أنطون مقدسي في صياغة نقد حقيقي صريح يتناول المسائل الحقيقية الصريحة، وأمام بيان الـ 99 ، ونشاطات أصدقاء المجتمع المدني ، والمنتديات الثقافية.
غير أنّ صبر السلطة (وهي هنا غير الحكم والحكومة، لأنها في الواقع تمثّل نُخَب الأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية ـ الإقتصادية، ورجالات الفساد والنهب والتجارة القذرة) أخذ ينفد سريعاً، وكان لا بدّ أن ينفد قبل استفحال الأمور واستقرار النقاش في الشارع والوجدان. وكان لا مناص من وقوع التطوّر الوحيد المنطقي في سياقات مثل هذه: اتّحاد مراكز السلطة الأمنية والعسكرية والمدنية، الحرس القديم مثل الحرس الجديد، في المطالبة بوضع حدّ فوري و حازم لما يجري في المنتديات الثقافية، ولما يُكتب في الصحف المحلية والعربية. الإقتراح الأوّل كان إغراق المنتديات الثقافية بالأعضاء البعثيين، الأمر الذي يجرّد هذه المنتديات من سلاح تمثيلها لـ الرأي الآخر في المجتمع السوري. الإقتراح الثاني كان العودة (بعد غياب طويل!) إلي قواعد الحزب الحاكم، واستنهاض عقلية العُصبة والتعصّب، والتحريض علي النزول إلي الشارع لمواجهة المارقين من دعاة المجتمع المدني. أمّا الإقتراح الثالث فقد كان يخصّ القيادة السياسية نفسها، والرئيس بصفة خاصة: إنّ للصبر حدوداً، ولا بدّ من الكلام الذي ينطوي علي الكثير من التهديد والقليل من الوعد.
اليوم تلجأ السلطة إلي توسيع نطاق الاقتراح الأوّل، فلا تخترق منتدي جمال الأتاسي (الوحيد اليتيم الذي أبقت عليه لأغراض الديكور الخارجي وتجميل الوجه القبيح) بالبعثيين وعناصر السلطة والأمن فحسب، بل هي تُغرق الاعتصامات التي تنظمها قوي المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان ببحر من الموالاة والموالين. وكما كانت قد اكتشفت أنّ المحاكم يمكن أن تقوم بنفس وظيفة الزنازين، وأنّ القضاء الزائف خير من الجهاز الأمني، اكتشفت كذلك أنّ تكنيك إغراق التظاهرة بالموالين أفضل بكثير من كسرها عن طريق هراوات رجال الأمن، بل هو أجدي وأنظف وأكثر انسجاماً مع روح العصر!
وفي ما يخصّ الاقتراح الثاني لا يخلو سلوك السلطة من تكنيك جديد هنا أيضاً: بدل إخراج البعثيين إلي الشارع، لِمَ لا نُخرج ما نملك من مؤسسات مجتمع مدني ؟ وما فائدة أبناء اللصوص وكبار عرّابي مافيات النهب والفساد، إذا لم يلعبوا وأنصارهم هذا الدور الكرنفالي بالذات؟ السيد شعبان عبود، مراسل صحيفة النهار اللبنانية في دمشق، وبعد أن أتي علي ذكر أسماء بعض نجوم أبناء السلطة وأقربائها، كتب يصف التظاهرة الشبابية هذه كما يلي: ثمة ملامح أخري يمكن رصدها في التظاهرة، مثل كثرة السيارات الفارهة التي كانت تخترق الحشود في بعض الأحيان ويركبها شباب وشابات في مقتبل العمر، تدلّ ملامحهم علي الثراء والنعمة ...
ويبقي أنّ الرئيس الشاب أبلي بلاء حسناً في ما يخصّ الإقتراح الثالث. لقد أعاد إنتاج خطاب أبيه حول التعددية السياسية فأغدق المديح علي صيغة الجبهة الوطنية التقدمية بوصفها المثال علي نموذج ديمقراطي تمّ تطويره من خلال تجربتنا الخاصة . وتناسي ما يعرفه كلّ مواطن سوري راشد، من أنّ هذه الجبهة خُلقت جثّة هامدة منذ البدء، وهي تعفّنت طويلاً وزكمت رائحة موتها الأنوف، وأنّ أحزابها ليست سوي حلقات تصفيق وتهليل ومباركة ومبايعة، وأنها لا تملك من حقوق التعبير عُشر ما يملكه فريق كرة القدم في القرداحة مثلاً. وإذا كان الأسد الإبن قد تحدّث عن ضرورة تطوير صيغة عمل الجبهة بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور والمتنامي ، فإنّ الأسد الأب كان قد تحدّث هكذا في كلّ خطاب قسم خلال السنوات الثلاثين من حكمه.
كذلك أعاد بشار الأسد إنتاج خطاب أبيه في مسألة الديمقراطية، وهو اليوم يقول إنّها واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا ، أيّ أنّ ممارسة الديمقراطية ليست حقّ المواطن أوّلاً، بل هي التالية بعد واجبه تجاه الآخرين ، الذين لا يمكن أن يكونوا سوي الدولة ذاتها. يؤدّي المواطن واجبه أوّلاً، وبعدها نبحث في حقوقه. هذا هو جوهر الحذلقة في التهرّب من المسألة الجوهرية التي تقول إنّ انفصال الحقوق عن الواجبات، أو تفصيل الحقوق علي مقاس الواجبات في عبارة أخري، هو المدخل الكلاسيكي الذي مكّن أنظمة القمع والإستبداد من تدجين المواطن وتغييب حقوقه تحت مظلة واجبه تجاه الوطن ، الذي ليس سوي مزرعة القاهر وملعب السلطة.
كذلك يقول إنّ الفكر الديمقراطي هو الأساس والممارسات الديمقراطية هي البناء، وبكل تأكيد جميعنا يعلم أنّ الأساس عندما يكون ضعيفاً فإنّ البناء يكون مهدداً بالتداعي والسقوط (...) الديمقراطيات الغربية علي سبيل المثال هي محصلة تاريخ طويل نتج عنه عادات وتقاليد وصلت معها مجتمعاتهم إلي ثقافتها الراهنة، ولكي نطبق ما لديهم علينا أن نعيش تاريخهم وإسقاطاته الإجتماعية وعندها يكون هذا الإحتمال ممكناً .
ولكن... مَن قال إنّ سورية لم تعرف في الماضي تجارب حقيقية في الديمقراطية النيابية، حتي تحتاج اليوم إلي فكر ديمقراطي يكون هو الأساس، وإلي ممارسات ديمقراطية تكون هي البناء؟ وإذا كانت ممارسات البعث، ومنذ العام 1963 دون استثناء أيّ عهد بعثي بحمد الله، هي التي أجهزت علي الفكر الديمقراطي والممارسات الديمقراطية التي عرفها المجتمع السوري منذ العشرينيات، فلماذا يتوجّب علي المجتمع السوري أن ينتظر اهتداء الحزب ذاته إلي فكر ديمقراطي جديد و ممارسات ديمقراطية جديدة؟
كلّ هذا تكشّف، دفعة واحدة، في أعقاب إطلالة ربيع دمشق التي لا يعقل أنّ النظام رأي فيها أزمة تهدّد وجوده، فكيف ستكون الحال اليوم... حين يبدو النظام قاب قوسين أو أدني من الإنهيار، أو انقلاب بعض رموزه علي البعض الآخر، أو ترويضه تماماً عن طريق استتباعه بعد عملية تجميل جراحية تستبدل بعض أهل النظام دون أن تبدّل النظام ذاته أو تمسّ بنيته الإستبدادية الجوهرية؟
وفي أسبوعية تايم الأمريكية يروي جو كلاين أنه، خلال التحضير للحوار الذي أجراه بعدئذ مع الأسد، تحدّث مع كمال اللبواني، أحد ناشطي ربيع دمشق الذين قضوا حكماً بالسجن، وأنّ اللبواني الطبيب طلب منه أن يسأل بشار الأسد الطبيب عن سبب اعتقاله. لستُ أنا الذي زجّ به في السجن. لستُ أنا الذي يقوم بكلّ شيء في هذا البلد ... كان جواب الرئيس! أهو، والحال هذه، حاكم البلد؟ وكيف، إذا لم يكن، يستقيم الهتاف الهستيري: الله، سورية، بشار، وبسّ ؟