إبقاء الأمور داخل سورية علي ما هي عليه طريق للانتحار؟

القدس العربي

 

د. بشير موسي نافع
تواجه سورية واحدة من أعقد الأزمات التي واجهتها منذ ولد النظام الحالي قبل خمسة وثلاثين عاماً. فقد باتت تداعيات الوضع اللبناني، كما أصبح واضحاً خلال الأسابيع القليلة الماضية، تمس مستقبل الدولة السورية وليس الوجود السوري في لبنان فقط. وسواء كان لسورية علاقة ما باغتيال الحريري أم لم يكن، فإن دمشق قد حملت المسؤولية السياسية للحادث، وبغض النظر عما إن كان ممكناً في النهاية تحديد المسؤولية الجنائية. الدول العربية الرئيسية، بما في ذلك حلفاء سورية مثل مصر والسعودية، انحازت في معظمها للمطلب الفرنسي ـ الامريكي بانسحاب سوري شامل، ولأن دمشق ارتكبت سلسلة من الأخطاء في لبنان، بداية من التصميم علي التجديد للرئيس لحود إلي التباطؤ في اتخاذ قرار الانسحاب، فإن سورية بصدد تلقي هزيمة سياسية فادحة قد تؤدي إلي زعزعة قواعد الحكم السوري نفسه. وبالرغم من ان هذه النتيجة هي بالتأكيد ما تأمل الإدارة الامريكية تحقيقه، فإنها ليست بالضرورة قدراً محتوماً. ولكن حماية سورية من التشظي السياسي والمصير الذي يعيشه العراق لا يتعلق بالمهارة الدبلوماسية السورية، أو باختلاف المواقف العربية من سورية عن الموقف من النظام العراقي السابق، بل بإعادة البناء السياسي السوري الداخلي، وبناء أسس ثقة جديدة وصلبة بين الدولة السورية والشعب وقواه السياسية.
ولد النظام السوري الحالي من رحم تحولات الخمسينات والستينات التي عصفت بالحياة العربية الفكرية والسياسية بعد هزيمة 1948 وقيام الدولة العبرية. كان التوجه العربي السائد في مرحلة ما بين الحربين العالميتين هو الحصول علي الاستقلال وبناء دولة عربية موحدة علي أساس من التعددية السياسية والتمثيل الشعبي. وقد قادت الحركة العربية آنذاك طبقة سياسية من أبناء الأسر المدينية الكبيرة التي تمتد جذورها إلي نهايات العصر العثماني، إضافة إلي تيار من العروبيين الإسلاميين من أبناء الطبقة الوسطي. نجحت تلك الطبقة السياسية في بعض الحالات في إحراز الاستقلال الناجز بعد نضال شرس وطويل، كما حدث في سورية، وفشلت في حالات أخري، كما حدث في العراق. ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً، ولأسباب عديدة، في تحقيق الوحدة وبناء دولة قوية قادرة علي مواجهة تحديات النهوض الاجتماعي والاقتصادي. ثم جاءت الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولي وولادة الدولة العبرية لتقوض شرعية دولة ما بين الحربين وطبقتها السياسية.
من أنقاض النظام القديم، شهدت المنطقة العربية سلسلة من الانقلابات العسكرية التي جاءت بالجيش إلي السلطة، ومعه قوي سياسية وفكرية جديدة من المثقفين والتكنوقراط العرب؛ وقد تبني هؤلاء أولويات مختلفة عن أولويات الطبقات الحاكمة التقليدية السابقة. لم تعد قضية التعددية والتمثيل مسألة ملحة، بل نظر إليها باعتبارها مؤشراً علي الانقسام والضعف الداخليين وعلي الارتباط بالقوي الغربية الإمبريالية. وبدلاً من ذلك أولي الحكام الجدد اهتماماً بالغاً بقضايا التنمية والوحدة، مواجهة التحدي الإسرائيلي، والتصدي للتدخلات الخارجية في القرار الوطني. وليس هناك من شك في ان أنظمة الحكم الجديدة بطابعها العسكري وعلاقاتها الوثيقة بالاتحاد السوفييتي قد استهانت بحقوق الناس السياسية والمدنية ولم تتردد في توظيف أساليب القمع لتعزيز أمن النظام والتعامل مع مخالفيه. اعتقد الحكام الجدد انهم امتلكوا سر الصواب، وانهم وحدهم الممثلون لمصالح أغلبية الشعب ومصالح الوطن، وانهم بالتالي يملكون الحق في اتخاذ الإجراءات الضرورية للحفاظ علي الوحدة الداخلية، مهما كانت هذه الإجراءات غير قانونية ولا إنسانية ولا تتمتع بالدعم الشعبي. المأساة ان هذه الثقافة الحاكمة لم تسد لفترات قصيرة، طارئة واستثنائية، بل استمرت لعقود تعصف بالحياة العربية وتوقع في مؤسساتها الثقافية والسياسية والتعليمية الدمار.
لقد شهدت سورية خلال العقود الأربعة الماضية حالة طوارئ مستمرة، حكمت فيها الدولة بالحديد والنار والمعتقلات. سيطر حزب البعث، أو ما تبقي منه علي أية حال، علي السلطة مطيحاً كل القوي السياسية الأخري إلا تلك التي ارتضت الإنضواء تحت مظلة النظام. وكانت هذه الأخيرة في معظمها أحزاباً لا قاعدة شعبية لها. واكتست علاقة النظام بمعارضيه بقدر هائل من العنف: الرفاق السابقون والمعارضون اليساريون ألقي بهم في المعتقلات بدون محاكمة قانونية. ولم يكن هدف الاعتقال العقاب، وإلا لكان أفرج عن المعتقلين بعد حين. كان الهدف هو الموت البطيء، لأن أغلب المعتقلين مات في السجن أو لم يخرج منه إلا محطماً. وعندما وقع الصدام المأساوي بين النظام والإسلاميين، وصل عنف الدولة إلي أقصي مستوياته. المدن والاحياء التي عرفت بمناصرتها للإسلاميين تعرضت للدمار، حتي وهي تحتضن ميراثاً معمارياً تاريخياً لا يعوض. والعناصر التي أفلتت من القتل الفوري في المواجهات وحملات الاعتقال، ألقي بها في غياهب السجون لعقود لا نهاية لها، بدون ان تكون لها أي صلة بالخارج. وهنالك المئات، وربما الآلاف، من الأسر السورية التي لا تعرف حتي الآن إن كان أبناؤها أحياء أو انهم لقوا حتفهم في أحد المعتقلات المجهولة. آلاف أخري من السوريين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين علي الحياة في المنفي مازالوا في منافيهم لا يملكون جواز سفر. بعضهم، كأولئك الذين يعيشون في بغداد، يواجهون وأسرهم خطر الموت اليومي. ثمة أجيال من السوريين لا يعرفون وطنهم، ولا يجرؤون علي زيارة أهلهم، خوفاً من أن يؤخذوا بجريرة آبائهم.
إن احداً لا يمكنه، بأي حال من الأحوال، تبرئة الإسلاميين من المسؤولية عن انفجار العنف الأهلي في الثمانينات؛ ولكن العنف الذي شهدته سورية لم يكن فريداً. كل دول العالم الحديث تقريباً واجهت خطر اندلاع العنف الداخلي لهذا السبب أو أو ذاك؛ فالدولة الحديثة هي بحكم الولادة والمنشأ والبنية مخزن لعنف. ولكن أغلب بلدان العالم تعلمت كيف تتعامل مع أزمات انفجار العنف، كيف تحاصره، كيف تستخدم مرور الزمن لتجاوز جراحاته، وكيف تبني السلم الأهلي من جديد. إيرلندا البريطانية هي مثال بارز علي ذلك. حتي الجزائر ومصر أظهرتا قدراً كبيراً من الشجاعة والحكمة في التعامل مع عنف التسعينات وآثاره. ولكن سورية وحدها مازالت تجر خطاها بتثاقل مؤلم نحو تطبيع العلاقة بين الدولة وشعبها.
تولي بشار الأسد الحكم قبل عدة سنوات وسط شعور عام بالتفاؤل؛ فالرئيس السوري ينتمي لجيل عربي ولد في ظل عالم وقيم مختلفة عن جيل الخمسينات والستينات، كما انه أعرب بوضوح عن وعيه بأزمة الحكم والدولة. لقد أفضي التفرد بالسلطة إلي غياب كامل للرقابة المؤسساتية والشعبية؛ وضربت جوانب الدولة حالة مستشرية من الفساد وغياب الابداع وفقدان القدرة علي التجدد. وأصبحت سورية، التي تحولت بفضل براعة حافظ الأسد الفائقة في التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية إلي لاعب إقليمي هام، أصبحت مثالاً علي تحجر الدولة وفشلها في مواكبة وزنها الإقليمي والدولي. وكان بإمكان بشار الأسد، وقد أحاطت به النوايا الشعبية الحسنة، ان يقود حركة إصلاح وتجديد داخلي حقيقي، تعيد ترميم العلاقة بين الدولة وشعبها. ولم تكن حركة الإصلاح ضرورية لتجاوز ميراث الماضي فحسب، بل كانت ضرورية أيضاً للتحصن من مخاطر الحاضر.
خرجت سورية من معركة تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي منتصرة. ولكن هذا الانتصار جاء في فترة من التحولات الهامة والخطرة في سياسات الإقليم وعلاقته بالعالم. كان هناك أوسلو وفشل كل محاولات دفع المسار السوري ـ الإسرائيلي إلي الأمام، ثم وصول أوسلو إلي طريق مسدود وانطلاق الانتفاضة، وكان انهيار الإتحاد السوفييتي ودفع الإسلام تدريجياً باعتباره الخطر الأكبر علي مقدرات الحضارة الغربية وموقعها المسيطر؛ ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر وغزو العراق واحتلاله. ولموقع سورية الجغرافي، لهويتها ودورها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لتحالفاتها الإقليمية وطبيعة توجهاتها السياسية، علقت سورية بإرادتها وغير إرادتها في شبكة هذه التحولات. ومنذ احتلال العراق علي الأقل كان لابد للنظام السوري ان يستشعر الخطر، وان يدرك حقائق التوازنات المحيطة به وان لا خلاص له من الخطر إلا بالتفاف الشعب من حوله. وكان من حسن حظ النظام السوري ان القوي السياسية المعارضة ذات المصداقية والوزن ليست من صنف المعارضة العراقية؛ فهي قوي معارضة وطنية غير مرتبطة بالقوي الأجنبية، وهي معارضة تسعي للنهوض بوطنها لا لخدمة المصالح الأجنبية، وهي فوق ذلك كله لا تنظر إلي السلطة باعتبارها أولوية. ولكن، حتي بعد مرور عامين علي احتلال العراق وتصاعد حدة الخلاف الامريكي ـ السوري حول الوضع العراقي والوضع اللبناني، لا توجد مؤشرات ملموسة علي انفتاح النظام السوري علي شعبه وعلي قواه السياسية الوطنية. ثمة تجاهل صارخ لحقائق التاريخ والواقع، وتجاهل لا يقل فداحة لمصلحة النظام ذاته.
لفترة طويلة وجد العديد من المثقفين وأهل الرأي العرب حرجاً في توجيه الانتقاد للنظام السوري وسياساته. أحد أهم أسباب هذا الحرج ان سورية لم تزل في دائرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل تكاد تكون الدولة العربية الوحيدة التي تتحمل أعباء هذا الصراع. ولكن الأوضاع والسياسات السورية أصبحت تمثل عبئاً ثقيلاً علي الضمير العربي، ولم يعد من الممكن السكوت عليها بدون الشعور بالتواطؤ الضمني مع الكوارث التي توشك هذه الأوضاع والسياسات ان تودي بسورية والمنطقة إليها. الوضع العربي كله سيئ، بهذه الدرجة أو تلك، ولكن حتي قبل عامين كانت فلسطين كارثة العرب الوحيدة، فأصبحوا بعد احتلال العراق بكارثتين. وإن كانت فلسطين تطارد العرب منذ أكثر من نصف القرن، فإن الله وحده يعلم متي يخرج العراق من حالة الموت والدمار التي يعيشها منذ احتلاله. وربما يكون من المبالغة في السوداوية القول بأن لبنان وسورية في طريقهما إلي الالتحاق بالعراق. ولكن من الضروري دائماً التذكير بان العراق لم يصل إلي ما وصل إليه فجأة. الطريق إلي الاحتلال والدمار والانقسام بدأ بسياسات خاطئة ومدمرة مثل شن الحرب علي إيران قبل ربع قرن من الزمان؛ كما بدأ بثقافة حكم أعلت من دور الدولة ومتطلبات أمنها علي حساب الشعب وثقته، ثقافة حكم لم تضع الشعب في اعتبارها. وسورية الآن علي مفترق طرق، مفترق أجبرت علي الوقوف عنده. فإما ان تتغير، أو ان تبقي علي ما هي عليه وتمضي قدماً في طريق الانتحار.