هيمنة الفكر الواحد وسيطرة الأمر الواقع  بقلم: السيد يسين

 

ليس هناك من شك في أن انهيار الاتحاد السوفيتي الذي أدى عملياً إلى زوال النظام الدولي ثنائي القطبية، وبروز الولايات المتحدة الأميركية بمفردها على الساحة باعتبارها القطب الأوحد، قد أدى عمليا إلى نتائج فكرية وثقافية تتجاوز بكثير الحدث الدولي المدوي الذي أدى إلى أكبر انقلاب تم في نهايات القرن العشرين. واختفاء المناظرات الفكرية الخصبة التي دارت بين عشرات المفكرين الذين يعيشون على ضفتي النهر!.
وهذه المناظرات لم تقنع في الواقع بمناقشة فلسفية للنظريات الكبرى فقط كالماركسية والليبرالية، ولكنها تطرقت إلى أدق تفاصيل الخلافات الإيديولوجية العميقة بين المعسكرين المتنافسين. ولم تفلت الثورة العلمية والتكنولوجية من زاوية طبيعتها وآثارها العميقة وتأثيرها الغلاب على بنية المجتمع الإنساني من هذا الاهتمام النظري المكثف. وهكذا صيغت نظريات ماركسية بالغة العمق عن هذه الثورة سبقت بمراحل النظريات الوظيفية الأميركية. وقد أدى انقضاء هذه الحقبة التاريخية التي تميزت بالجدل الإيجابي إلى اختفاء فرص تلقيح الفكر الماركسي ببعض الإنجازات الفكرية المهمة للفكر الوظيفي الأميركي، كما أدى إلى انعدام فرص تلقيح الفكر الليبرالي ببعض أفضل نظريات الفكر الماركسي. وقد رأينا الأهمية النظرية والعملية الكبرى لجدل الأفكار والتأثر والتأثير المتبادل في أن نظرية من أهم نظريات الفكر الليبرالي الأميركي التي ظهرت في أواخر القرن العشرين وهي "نظرية عن العدل" لفيلسوف هارفارد الشهير "جون رولز"، خرجت وعليها بصمة واضحة للفكر الماركسي. ذلك لأنه لأول مرة يقرر مفكر ليبرالي أن هناك مبدأين للعدل: الحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية. وبهذه الطريقة دخلت فكرة ماركسية أصيلة في صلب النظرية الليبرالية المعاصرة.

وهكذا منذ بروز النظام الدولي الأحادي القطبية ظهر مرافقاً له هيمنة الفكر الواحد، ونعني الفكر الرأسمالي المسيطر الذي يدعو إلى انسحاب الدولة من مجال الإنتاج في ظل دعوات الخصخصة وسيطرة السوق، بل وصلت المسألة إلى بروز دعوات لتقليص برامج الرعاية الاجتماعية وترك المواطنين لآليات العرض والطلب في سوق مفتوح. وقد التفت عديد من المفكرين في العالم إلى خطورة سيادة الفكر الواحد، ونعني الفكر الرأسمالي الليبرالي الذي يزعم دعاته أنهم يملكون الحقيقة المطلقة! لم يعد هناك قطب آخر يرتكز على دولة كبرى كالاتحاد السوفيتي السابق لكي ينقد هذا الفكر الواحد ويكشف زيف كثير من مسلماته.

ومن بين هؤلاء الذين أحسوا بخطورة هذه الهيمنة الفكرية مفكر فرنسي معروف هو "جان فرانسوا كان" الذي أصدر كتاباً بعنوان "الفكر الواحد"، صدر عن دار نشر فايار في باريس عام 1995، أبرز فيه خطورة الظاهرة. كما أسعدني أن يلتفت مفكر عربي هو "طه عبد الرحمن" أستاذ الفلسفة والمنطق المغربي المعروف لمشكلة الفكر الواحد وذلك في كتابه "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" الصادر عن المركز الثقافي العربي عام 2002.

يقول طه عبد الرحمن وهو بصدد بيان مهمة الفيلسوف العربي اليوم:"إن عليه أن يتعرض لمشكلة الفكر الواحد". ويقرر أنه عبارة عن "تسليط نمط فكري واحد على جميع الثقافات المختلفة، فليس هذا الفكر المتسلط وليد تأليف بين عناصر مشتركة بين هذه الثقافات الخاصة، وإلا أضحى فكراً مشروعاً ومقبولاً، وإنما هو إفراز ثقافة واحدة بعينها، ثقافة الأقوى. وواضح أنه ليس أضر على الفلسفة من أن يهيمن عليها نمط فكري يفرض، ليس بالبرهان، وإنما بالسلطان، اقتصادياً كان أم سياسياً، إذ لا يلبث أن يجلب لها الفقر، ثم الجمود، ولأهلها التبعية، ثم التلاشي".

ويستطرد طه عبد الرحمن "لذا فإن أحد وجوه المسؤولية التي يتحملها الفيلسوف العربي هو أن يشتغل بنقد هذا الفكر الواحد الذي أخذ يتغلغل بقوة بين بني قومه، ينزع عنهم مظاهر التميز والخصوصية، ويقطع عنهم بالتالي أسباب العطاء والإبداع، إذ لا عطاء بغير تميز، ولا إبداع بغير خصوصية". وهكذا استطاع طه عبد الرحمن في هذه الفقرات المضيئة أن يضع مشكلة الفكر الواحد على المستوى العالمي في وضعها الصحيح، من حيث إنها تفرض نفسها بقوة السلطان، أي القطب الواحد الأعظم وليس بقوة البرهان! كما أن من شأنه أن يقطع روافد العطاء الفكري والإبداع المحلي.

وتبدو خطورة هيمنة الفكر الواحد من أنه أصبح بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية الوسيلة المثلى للتدخل العسكري والسياسي والثقافي في العالم العربي والإسلامي. ويكفي أن نشير إلى "مشروع الشرق الأوسط الكبير" ومحاولة فرض الديمقراطية على الطريقة الأميركية بالقوة، بغض النظر عن الخصوصيات الثقافية، واختلاف البني الاجتماعية.

ومع تسليمنا بأن هناك قواسم مشتركة للديمقراطية، إلا أن هذا شيء وفرضها بالقوة شيء آخر.

ومما يدل على خطورة استخدام الفكر الواحد للتدخل السياسي في البلاد الأخرى ما نقلته وكالات الأنباء مؤخراً من أن حوالي عشرين عضواً من أعضاء الكونجرس الأميركي منهم ديمقراطيون وجمهوريون، قرروا التقدم للكونجرس بمشروع قانون يدعو لاعتبار السفارات الأميركية المنتشرة في كل أركان العالم بمثابة جزر للديمقراطية الأميركية، ومن ثم على السفراء الأميركيين في مختلف العواصم أن يقوموا بإلقاء محاضرات على كل الشعوب لشرح أبعاد الديمقراطية الأميركية، كما أن عليهم أن يخاطبوا مباشرة، وليس عن طريق حكوماتهم، مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بقضية الديمقراطية لدعمها وتمويلها مباشرة بغير رقابة حكومية.

وقد بدأت حكومة الولايات المتحدة الأميركية على كل حال – وقبل صدور ذلك القانون– هذا المشروع، بالفعل منذ أن أعلن كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق أن حكومته خصصت كدفعة أولى حوالي ستين مليون دولار لدعم الجمعيات الأهلية وناشطي حقوق الإنسان – كما يطلق عليهم– من خلال منحهم منحاً مالية لا رقابة حكومية عليها! ومعنى ذلك في الواقع خلق طبقة من المثقفين العملاء عمالة صريحة وعلنية ممن يتاجرون بقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويتخذونها وسيلة للإثراء غير المشروع. والجديد في الموضوع أن العملاء اليوم أصبحوا يفخرون بعمالتهم علنا، بل إن بعضهم لا يخجل من الاعتراف بأنه في الواقع يسعى إلى الإثراء من أموال الدعم الأميركي المزعوم للديمقراطية.

وأياً ما كان الأمر، فيمكن القول إنه لابد من جهد نقدي موصول من خلال حلف ثقافي عالمي بين المثقفين النقديين من مختلف بلاد العالم، لكشف تزييف الفكر الواحد وتقديم بدائل متنوعة له. إن مواجهة الفكر الواحد ليست سوى الخطوة الأولى، في مواجهة حقائق العالم المعاصر المفروضة بحكم سيادة العولمة على أقطار العالم جميعا، مع تفاوتات كبرى في درجات المقاومة وأساليب المواجهة.

ذلك أن الخطوة الثانية المهمة هي ضرورة مواجهة الأمر الواقع. في هذا المجال يقرر طه عبد الرحمن أنه إذا كان "مفهوم الفكر الواحد" مفهوماً ثقافياً يتوسل به في بسط هيمنة ثقافة مخصوصة، فإن مفهوم الأمر الواقع "مفهوم سياسي يتوسل به في بسط هيمنة سياسية مخصوصة". ويقرر "والهيمنة السياسية شر على الفلسفة من الهيمنة الثقافية" لأن مقولة الأمر الواقع إنما هي إكراه على قبول الواقع.

والأمر الواقع الذي تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تفرضه بالقوة هو حقها المطلق في إدارة شؤون العالم بإرادتها المنفردة. وهي منذ أعلنت قيام الإمبراطورية الأميركية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بشعارها الشهير "من ليس معنا فهو ضدنا" وهي لا تتوقف عن صياغة السياسات الانفرادية في مجالات الأمن القومي والتدخل السياسي.

في مجال الأمن القومي أصدرت الولايات المتحدة الأميركية وثيقة رسمية أباحت فيها لنفسها عدم القناعة بسياسات الاحتواء والردع التي سادت أثناء الحرب الباردة، وإنما تجاوزت ذلك لتعطي نفسها الحق في توجيه ضربات عسكرية استباقية لأية دولة يمكن أن يشتم منها نيتها في العدوان عليها. وفي مجال التدخل السياسي، تقدم الرئيس بوش خطوات أبعد في مجال التدخل في الشؤون الداخلية للدول، حين قرر في خطاب تنصيبه رئيساً لمرة ثانية أن الولايات المتحدة الأميركية قررت أن تحارب الطغيان في كل مكان في العالم. وذلك بدون تحديد دقيق لما يعنيه بالطغيان، تماما كالغموض الذي صاحب حربه ضد الإرهاب.

والخلاصة أننا في كل مكان في العالم أصبحنا بين مطرقة الفكر الواحد وسندان الأمر الواقع. ترى ما هو الوضع بهذا الصدد في مصر المحروسة؟.