في الموت والكذب والسياسة....

عزمي بشارة .....الحياة     

تتوالى الأفكار عند سماع خبر من نوع جريمة قتل رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري. وتزداد تتابعاً لتصبح سيلاً يصعب تمييز قطراته في مصطلحات عند الشروع بالكتابة. لسنا بصدد كتابة نعي ولا تشخيص شخصية الحريري وسيرته الذاتية، فلسنا من أصحاب الاختصاص بهذا الشأن. هنالك مختصون بالسير الذاتية، وأيضاً مختصون في تعديد المناقب، وهنالك أصدقاء يكتبون، وهنالك أصدقاء بعد الموت كانوا مبتزين قبل الموت. وهنالك فوضى. وهنالك من يكثف ما اراد ان يطالب به ممدوداً على العام المقبل بطوله فيطرحه مرة واحدة في خطاب واحد بمناسبة الموت. علينا أولاً أن نقصي كل هذه المناهج الكتابية الإنشائية لكي نتمكن من صياغة أفكار حول الوضع السياسي.

بداية نقول أن موت السياسي في خضم النزاع السياسي هو قضية لا بد أن تُسْتَثمر سياسياً. وهو غير قادر على إسكات الأصوات التي تستثمر جريمة قتله. ولا يستطيع حتى السياسي الذي يموت ميتة طبيعية أن يتحكم في كيفية تلخيص مسيرته وسيرته الذاتية واستثمارها في النقاش السياسي، فالأمر متوقف على طبيعة مسيرته مثلما هو متوقف على طبيعة القوى التي تلخص، وربما بدرجة أكبر من سيرته ذاتها. وتغدو القضية أعقد في حالة القتل. وهنالك فرق في هذه الحالة، أيضاً فإذا قبض على القاتل كما في حالة روبرت كنيدي تصبح الإشكالية أسهل، هذا إذا تم الاتفاق على تشخيص دوافع القاتل. ولكن إذا كان القاتل غير معروف كما في حالة جون كنيدي (وهي لمن لا يذكر حالة أميركية لم يطالب أحد حتى الآن بلجنة تحقيق دولية لتقصي خيوطها، خصوصاً ان اشاعات عديدة اثيرت حول دور الأجهزة الأميركية) أو في حالة المهدي بن بركة حيث القاتل معروف من دون تحقيق ولم يتم التعامل رسمياً مع اتهامه، في مثل هذه الحالة تبقى شخصية الضحية ودورها السياسي فريسة تتنازعها الدوافع والمصالح والأهداف السياسية. ولا حول ولا قوة حتى للسياسي الذي قد يطرأ وضع تلعب فيه وفاته دوراً اكبر من حياته مع الفرق بأنه غير موجود لرؤية دوره وللتعبير عن رأيه بهذا الدور. هذه وحدها، غيابه وحده، عدم تمكنه من النطق بحد ذاته يجب أن تكفي ليتواضع مستثمرو الموت قليلاً عندما يتكلمون ويتكلمون ويتكلمون.... ولكن لا سكوت لمن تنادي.

حالة جريمة قتل الرئيس الحريري مختلفة، فهي بؤرة تتكثف فيها كل عوامل السياسة «الحديثة» و«المتخلفة» و«الحداثة السياسية المتخلفة» في منطقتنا إلى درجة الرغبة بالإحجام عن الكلام وعن الكتابة لأن سيل الأفكار لا يمكن من الإمساك بها.

فقد جاء استشهاد الرجل في لجة صراع سياسي يعيشه بلده بين قوى سياسية تختلط لديها الأجندة الشخصية بالعائلية بالطائفية بالسياسية بالوطنية بالرياح العاتية التي تهب على المنطقة من الغرب. الديناميكية الأساسية خارجية إلى درجة الجمع بين الاضداد في كل معسكر بحيث نحتار ما هي التناقضات الأكثر أهمية، تلك القائمة داخل كل معسكر أم بين المعسكرات. ويأتي استشهاده قبل أن يقرر هو معسكره السياسي بعد نهاية رئاسته للحكومة. وهو وإن كان وجوده في المعارضة تحصيل حاصل لكونه سياسياً خارج السلطة الا أنه رجل بتكوينه رجل سلطة (ترأس اربع حكومات) ورجل عمل، وهو ليس رجل معارضة في تكوينه أو في منهجه أو في مسيرته. ومن بين اصدقائه أصدقاء حقيقيون. ومن بين أصدقائه أعداء فعليون أيضاً، صادقوه بسبب ماله وعادوه للسبب نفسه. ومن بين خصومه الحاليين حلفاء سابقون. كتب في مديحه ما يملأ مجلدات في حياته، وهو يستحق ذلك من ناحية الانجازات والديناميكية وغيره، وكتب في ذمه الكثير في حياته ايضاً، بما في ذلك كتب منشورة... كان الحريري في السياسة رجل دولة براغماتياً ورجل اجماع عربي، محوري في العلاقة مع سورية، من أعمدة مرحلة ما بعد الحرب الاهلية، محوري في الصراع الطبقي والاجتماعي حول هوية لبنان ليس فقط القومية بل الاجتماعية ايضاً، وحجم اقتصاد السوق وقطاع الخدمات فيها، هل هو بلد للبيع ام لا؟ اختلف الحريري واتفق في هذه القضايا مع رجال في السلطة وفي المعارضة على حد سواء. وكان محورياً في خضم النقاش حول تطبيق القرار 1559، يعارضه هو علناً، ويتهمه خصومه بالمسؤولية عنه على الساحة الدولية... كلام لا ينتهي كما ان الكلام في لبنان وعن لبنان لا ينتهي، كلام المهنة، وكلام المبادىء، وكلام الخطابة وكلام صناعة الكلام، وكلام مجرد كلام...

لم تعرف هوية المجرم بعد، لكن أطراف السياسة في لبنان حددوا هوية القاتل وهوية الضحية في الوقت ذاته. الضحية تنتمي الى معسكرهم، وينتمي القاتل الى المعسكر المضاد. وليس في ذلك دليل على صحة أي من الحكمين على القاتل والضحية، بل دليل على حدة الصراع وهشاشة وضعف وعاء هذا الصراع.

يبدو أحياناً في لبنان الرؤساء، ان الدولة طرف وليس وعاء. كما يبدو ان احد الأطراف الاكثر تعرضاً للهجوم والتآمر، والذي تشن الحرب السياسية على لبنان وسورية استهدافا له يحاول ان يكون وسيطاً بين الدولة والمعارضة. الهدف هو المقاومة اللبنانية وكلما حاولت ان تدافع عن ذاتها يتم احتضانها لتحييدها، يتم تقييد أيديها بالاحتضان كما يفعل الملاكم على الحلبة، ويتم تحويل الدولة الى الهدف، تحشر الدولة لتصبح طرفاً. ومجرد تصرف الدولة كطرف في الصراع الداخلي يضعفها.

ويبدو احياناً انه حتى لو حققت الدولة، ويجب ان تحقق، ووجدت الجناة ويجب ان تجدهم بالدليل القاطع الى درجة توزيع بصماتهم على المواطنين للتحقق بأم أعينهم، فلن يصدق من ليست لديه مصلحة أن يصدق. فالحقيقة بالنسبة اليه هي عدالة موقفه ضد الطرف الآخر. وكل الحقائق الاخرى بما فيها هوية القاتل تقاس بمعيار واحد فقط: مدى خدمتها لعدالة القضية التي من اجلها يصارع كل طرف.

اقرأ الصحافة الاسرائيلية بعد يوم واحد فقط من مصرع الحريري الذي لم يكن صديقاً لإسرائيل، فنظرة واحدة تكفي. المطلوب ضرب سورية. ورغم بوصلة مبدأ الاستقرار الذي تعتمده سورية بشكل يكاد يكون كلاسيكياً، ورغم ان اسرائيل تحتل أراضي عربية فلسطينية وسورية ولبنانية، لكن «المعلق المختص» الاسرائيلي يرسم واقعاً يقود الى ان سورية «تقوض الاستقرار»، فسورية «تدعم حزب الله وترفض نزع اسلحته، وسورية تقوم بخطوات من خلال مقرات حماس والجهاد في دمشق، وتتدخل في محاولات اسرائيل والسلطة الفلسطينية لجعل وقف اطلاق النار الهش غير مستقر. وسورية ضالعة في الارهاب السني في العراق الذي اسفر عن مقتل المئات». ولذلك فهو يدعو الى ضرب سورية، «اغتيال الحريري ورفض سورية الاستجابة لكل مطلب دولي (لاحظ سورية التي ترفض المطالب الدولية أما إسرائيل فترحب بها بداية بمجلس الأمن ونهاية بالمحكمة الدولية!) لا يُبقي امام العالم خيارات ديبلوماسية كثيرة. على الولايات المتحدة ان تدرس امكان استخدام القوة لردع النظام السوري». لتكن عبرة لغيرها من الدول العربية التي ترفع رأسها ضد الهيمنة الاسرائيلية أولاً، ثم الأميركية في المنطقة «وربما بهذه الطريقة يمكن تحقيق الاستقرار في العراق والسلطة الفلسطينية ولبنان». (يديعوت أحرونوت 15 شباط/ فبراير 2005). وما علاقة مسألة مسؤولية سورية عن قتل الحريري؟ لا علاقة لهذا بأسباب التحريض على ضرب سورية إطلاقاً.

أما مراسلة الشؤون العربية العجيبة في يديعوت احرونوت فكتبت مقالاً اتهمت فيه سورية بالمسؤولية عن اغتيال الحريري. وقالت ان «دموع التماسيح لبشار الاسد لن تشفع له». واضح طبعاً، لن يشفع له شيء، ولا حتى الحقيقة، فقد قرر اسياد هذه السيدة «انه هو الذي اغتال اكبر معارضيه. وهو المتهم والخاسر الاساسي». والمهم بالطبع هو الخاسر، من هو الخاسر بغض النظر عما اذا كان هو الفاعل؟ ومن هو الرابح؟ بريئة هي السياسة وتبزها الصحافة براءة واستقامة. والمطلوب في نظر الصحافة الإسرائيلية ليس اخراج سورية من لبنان، بل ضرب سورية. ليست هوية القاتل مهمة ولا اذا كانت سورية تقف وراءه، بل المهم هو أنه لاحت فرصة لضرب سورية، او على الاقل للتحريض على ضرب سورية، وإحداث تآكل في وضعها الدولي، حصار....الخ. المهم هو عدم تفويت الفرصة التي لاحت.

ولكن ماذا بالنسبة الى الحقيقة؟ الحقيقة غير مهمة. انها تتضاءل أمام جدلية الصديق والعدو التي لخصت السياسة بنظر كارل شميت. ولكن حتى البروفسور الالماني شميت كان سيحمر خجلاً من دور الكذب في السياسة في أيامنا.

وقد شخص الأكاديمي الاسرائيلي الخبير في الشؤون اللبنانية والسورية ايال زيسر الموضوع برمته في معاريف. قال زيسر رافضاً مقولات مراسلي الشؤون العربية الذين يستقون معلوماتهم من اجهزتهم الامنية، قال: ان المنطق والعقل يمليان ان سورية لا يمكن ان تكون معنية باغتيال الحريري، فهذا يتناقض تماماً مع نهجها الحالي في لبنان، كما يتناقض مع مصلحتها بإبعاد التدخل الدولي عن لبنان، ومصلحتها تتلخص بالحفاظ على الاستقرار، فهي تتضرر سياسياً وحتى اقتصادياً من إثارة الفوضى. ورغم ذلك يقول زيسر ستدفع سورية الثمن. (معاريف 15 شباط/ فبراير) ما يعرفه زيسر يعرفه طبعاً من يوجه إصبع الاتهام الى سورية بلا دليل سوى الموقف والمصلحة السياسية قبل أن يجف الدم، وقبل ان تهدأ النفوس. «اضرب النفوس وهي حامية» على وزن: «اضرب الحديد وهو حامي». ولا شك ان هنالك فارقاً جوهرياً وليس لفظياً بين القول أن سورية تتحمل المسؤولية وبين اتهام سورية. ولكن عالمياً وشارعياً الأمر سيان، وهذا هو المقصود.

ولنتذكر في هذه الايام العصيبة في ما عدا اكاذيب اميركا العشر المعروفة لتبرير الحرب على العراق بما فيها كذبة الـ 16 كلمة في خطاب بوش الشهير لتبرير بدء الحرب، هذه الكذبة التي انكشفت قبل الحرب نفسها. لنتذكر انه في ما عدا هذه الأكاذيب الاستراتيجية تمت الاستعانة على مستوى الرأي العام بأكاذيب من النوع الذي يثير العواطف ويلهب الخيال الشعبي: أشهرها كذبة السيدة العراقية )واشنطن بوست 21 تموز 2003، وغيرها من الصحف)، التي ادعت انها خريجة اكسفورد وانها اغتصبت مرات عدة لأيام متواصلة امام زوجها في السجن العراقي لأن زوجها هندي... وحتى بعد الحرب أصبحت قيمة هذه الكذبة اكبر في اتباع سياسة اجتثاث البعث، وقد استخدم ولفوفيتز نفسه هذه «المرأة الشجاعة» في تقريره لضرورة اتباع هذه السياسة بعد الحرب أمام الكونغرس. واتضح التلفيق بعد تحقيقات صحافية واسعة بدأت من انها لم تدرس في اكسفورد وصولاً الى انها أمضت بضعة ايام في السجن بتهمة الزنى، فقط لا غير. ولم تتعرض لأي اغتصاب. هذا ما نشرته الـ «إنكوايرز» (كانون الثاني يناير 2005) بعدما تقصت صحافية آثار قصة بطلتها من اكسفورد الى العراق بهدف تمجيدها فانتهت الى فضح كذبة بطلتها.

هذه القصة أعادت الى الأذهان قصة ابنة السفير الكويتي في واشنطن التي أدلت بشهادتها امام الكونغرس في العاشر من تشرين الاول (اكتوبر) 1990 وادعت انها رأت بأم عينها الجنود العراقيين يقتلون بحراب بنادقهم اطفالاً غير مكتملي النمو في حاضناتهم في المستشفى الكويتي. وتبين أنها لم تكن في حياتها في ذلك المستشفى. انكشفت الكذبة عام 1992في برنامج في التلفزيون الكندي. ولم يؤثر انكشافها في تغيير المزاج الجماهيري الذي ولدته، ألا وهو تقمص دور البطل الهوليوودي الذي يجب ان ينطلق فوراً في مغامرة لمحاسبة الشر المطلق، الذي يمثله النظام المستهدف سياسياً بغض النظر عن قسوته. وقد كان النظام العراقي قاسياً ودموياً فعلاً. وكما هو معروف لم يؤثر انكشاف الكذبة الدرامية الثالثة، كذبة جيسيكا لينش، في قيام هوليوود بانتاج وإخراج هوليوود لفيلم تحريرها من اسر مزعوم لم يكن إلا عناية حقيقية في مستشفى عراقي.

قد نتصور مدى تآمرية الطرف الذي ارتكب جريمة اغتيال الحريري، هل هو جهاز مخابرات دولة ذكية تضرب في الوقت المناسب ليفسر على هذا النحو بالضبط، أم كدليل لتجريم سورية او لعدم استقرار تتحمل مسؤوليته سوري] على الأقل، وقد نشكل صورة أخرى عن طيشه وغبائه على افتراض انها عملية انتقامية داخلية من الحريري نفسه، وثالثة عن مدى غيبيته ولا عقلانيته وجاهليته وحقارته إذا كان الهدف فتح حرب الطوائف لتحرق الأخضر واليابس. لكننا لا نعرف بالتحديد من يقف وراء العملية رغم أنه من حقنا أن نكون تصوراً لمن لديه مصلحة بالاغتيال، فهذا لا يثبت ضلوعه في الاغتيال. وفي ما عدا هذا وذاك هنالك بالتأكيد من يريد ان يستثمر ذلك سياسياً.

لا شك ان المعارضة غير راغبة في حرب أهلية. ولا حاجة للتشكيك بنياتها هذه. فهي تراهن على عمليات سياسية أخرى لا علاقة لها بالحرب الأهلية. للمعارضة اللبنانية الحالية هدف يختلف عن الهدف الأميركي، لكنه يستخدم الهدف الأميركي ( الدولي) وسيلته. وقد استخدم قسم منها في السابق أهداف سورية وسيلة له. فانتهت الى التبين أن اهداف الدول الأخرى لا تصح وسيلة داخلية لها هي من دون غيرها. وللولايات المتحدة وإسرائيل هدف في لبنان وسورية ألا وهو الموقف السوري واللبناني الرافض للسياسية الأميركية في المنطقة وفي لبنان وفلسطين. والاعتقاد ان حامل هذه الأهداف يصلح وسيلة في حسم الصراع الداخلي هو كارثة.

لا يغيب عن البال ان الطرف الاكثر قدرة على العدوان تكنولوجياً هو الطرف الاكثر قدرة على تعميم الكذب تكنولوجياً أيضاً. وبعد أن يعمم الكذب بفترة قد تنبلج الحقيقة علناً. ولكن الحقيقة تنشر بعد ان تفقد اهميتها. تصبح مهمة للباحثين. والأدهى والأمرّ أن من كذب وانكشف كذبه لا يتورع عن الكذب مرة اخرى، فالكذب سيعمم مرة أخرى وسينكشف بعد ان تصبح الحقيقة غير ذات صلة بما يجري بل بما جرى. فهل سنسمح بأن يحدد الكذب مسير مجتمعاتنا؟ لا يفترض ان نقبل اذا كانت هذه مجتمعات فعلاً، واذا كان الموحد أكبر من المفرّق. لا يفترض ان تقبل بذلك لا السلطة ولا المعارضة الوطنية.

كاتب عربي.