هل يمكن تغيير الواقع العربي....السيد يسين....الاتحاد  

 

ليس هناك شك في أن الخطاب العربي السائد الآن يركز على الإصلاح بما يعني ضرورة تغيير الواقع العربي. والواقع أنه منذ دعت مكتبة الإسكندرية لمؤتمر قضايا الإصلاح: في مارس 2004، تعددت الندوات العربية التي تناقش مختلف جوانب الإصلاح. وآخرها الندوة الفكرية التي نظمها مهرجان مسقط في سلطنة عمان والتي عقدت في الفترة من 7-9 فبراير الجاري، وكان موضوعها "تغيير الواقع العربي من أجل مستقبل أفضل". وشاركت في الندوة الثانية ببحث عنوانه "عناصر استراتيجية إعلامية لتغيير الواقع العربي".
وقد حاولت ندوة مسقط أن تتقدم خطوة إلى الأمام في سبيل تحديد هدف أكثر دقة في موضوع الإصلاح حين صاغت الموضوع على أساس ضرورة تغيير الواقع العربي، فقد وقع على كاهل المشاركين في الندوة أن يبرزوا جوانب الواقع العربي التي تحتاج إلى تغيير. غير أن التحدي يبقى في جميع الحالات، وهو تحديد الإطار النظري الذي يمكن على أساسه تغيير الواقع العربي.
والواقع أن "وثيقة الإسكندرية" التي صدرت في نهاية مؤتمر قضايا الإصلاح العربي: الرؤية التنفيذية استطاعت أن تقدم منظوراً لتغيير الواقع العربي يحتاج إلى تأمل عميق. وقد جاء في تمهيد الوثيقة بعد الإشارة إلى اجتماع المشاركين في المؤتمر أنه "انتهت مناقشاتهم إلى ضرورة الإعلان عن اقتناعهم الكامل بأن الإصلاح أمر ضروري وعاجل، ينبع من داخل مجتمعاتنا ذاتها، ويستجيب إلى تطلعات أبنائها في بلورة مشروع شامل للإصلاح، يضم الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

ومعنى ذلك بكل وضوح أهمية الاستجابة إلى مطالب المجتمع العربي في التغيير الشامل ورفض فرض الإصلاح من الخارج، وإشارة واضحة إلى أن التغيير ينبغي أن يشمل كل جنبات البناء الاجتماعي العربي.

والتفتت وثيقة الإسكندرية إلى مسألة نظرية وتطبيقية بالغة الأهمية، وهي مشكلة التأليف بين المحلية أو القطرية والقومية في نسق واحد. فقالت الوثيقة إن المشروع المبتغى ينبغي أن "يسمح بالتعامل مع كل قطر على حدة، وينتظم في نسق عام يحدد القواسم العربية المشتركة، بما يتيح الفرصة لكل مجتمع عربي كي يدفع خطوات الإصلاح الخاصة به إلى الأمام، ويزيد من التواجد العربي على الساحة الدولية ويبعد عن التقوقع والتمحور حول الذات".

وقد واجهنا ونحن نؤسس لـ"مرصد الإصلاح العربي"، تنفيذاً لوثيقة الإسكندرية باعتباره من آليات التنفيذ المهمة لقياس التقدم في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مشكلة التأليف بين القطرية والقومية، التي أشارت إليها وثيقة الإسكندرية.

بعبارة أخرى أثرنا في فريق بحث "مرصد الإصلاح العربي" هذا السؤال: هل يمكن صياغة مؤشرات كمية وكيفية للإصلاح تتناسب مع خصوصية كل مجتمع عربي وضعاً في الاعتبار تاريخه الاجتماعي الفريد، أم أنه من الضروري صياغة مؤشرات عامة تعكس – بعبارة وثيقة الإسكندرية – القواسم العربية المشتركة؟

هذه مشكلة نظرية ومنهجية عويصة. ذلك أنه لم يكن في الإمكان أن نقنع بصياغة مؤشرات تقيس التقدم في كل قطر على حدة، بدون صياغة مؤشرات عامة تقيس التقدم العربي ككل، ومن هنا حاولنا أن نصوغ نسقاً متكاملا من المؤشرات العامة للتقدم، مع عدم إغفال صياغة مؤشرات قطرية لقياس التغيير في حالات الضرورة.

وقد التفتت "وثيقة الإسكندرية" في نهاية التمهيد إلى مسألة بالغة الأهمية وهي أننا نعيش في الواقع في عصر "عولمة المشكلات الإنسانية"، ومن ثم فإنه يقع على عاتق المناطق الثقافية المتعددة في العالم أن تسهم في مواجهة هذه المشكلات، بالإضافة إلى اهتمامها بحل مشكلاتها الخاصة، وفي هذا تطبيق دقيق للنزعة الإنسانية الجديدة "
New Humanism" التي هي التعبير البليغ عن تبلور وعي إنساني كوني في عصر العولمة، من شأنه ألا يحبس الشعوب داخل سجون أنانيتها الخاصة، وبغض النظر عن مشكلات العالم الأخرى. ولعل التعاطف الإنساني الواسع المدى الذي برز بالنسبة للفيضانات والزلازل التي ضربت آسيا دليل على صدق ما نقول. وهناك مؤشرات سياسية واقتصادية بل وثقافية للتكامل الإنساني العالمي، تعد إشارة إلى أن المذهب الإنساني الجديد الذي أشرنا إليه في طريقه إلى الترسخ.

ومما لا شك فيه أن هناك أهمية الانفتاح العالم العربي على تجارب العالم ومما يؤكد ذلك أن بعض المراكز البحثية العربية عني بعرض التجارب العالمية سواء في مجال الوحدة السياسية أو في مجال التكامل الاقتصادي.

ما جاء في عنوان ندوة مسقط "تغيير الواقع العربي" عبارة مجملة تحتاج إلى تحليل علمي. ذلك أن كلمة "الواقع العربي" – تضم في جنباتها كماً ضخماً من الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولا تبدو صعوبة مقاربة الموضوع من مجرد كم الظواهر التي تحتاج إلى تصنيف وتنميط في البداية، ولكن أهم من ذلك كله وضع مشكلات البحث التي تصنف هذا الواقع بشكل دقيق وموضوعي ونقدي.

ولنأخذ على سبيل المثال الواقع السياسي العربي. سنجد في وصف هذا الواقع خطابان سائدان: خطاب السلطة العربية من ناحية، وخطاب المعارضة العربية من ناحية أخرى.

أما الخطاب الرسمي للسلطة العربية (وذلك إذا تحدثنا عنها على سبيل التجريد وتغاضينا عن الفروق الكبيرة أو الصغيرة بين النظم السياسية العربية) فهو يركز على فكرة جوهرية قد يكون شعارها "نحن نعيش في أزهى عصور الديمقراطية"! و"نحن" هنا يطلقها أهل السلطة تعبيراً عن سعادتهم الخالصة بالأوضاع السائدة في بلادهم. صحيح أنهم يتحفظون أحياناً فيقولون لدينا ولا شك سلبيات ونواقص ولكنها ليست جسيمة، ويمكن تعديلها بإدخال بعض التعديلات هنا أو هناك، سواء في الدستور أو في القوانين السياسية، أو بالنسبة لبعض الممارسات. ولكنهم أبداً لا يعترفون بأن نظمهم السياسية ذاتها تحتاج في الواقع إلى إعادة صياغة، لتحقيق القيم والمثل الديمقراطية بشكل متكامل.

ولكن لدينا من ناحية أخرى الخطاب السائد للمعارضة (وذلك إذا تحدثنا عنها – كما فعلنا بالنسبة للسلطة العربية - على سبيل التجريد وتغاضينا عن الفروق الكبيرة أو الصغيرة بين تياراتها المختلفة) وهذا الخطاب على عكس الخطاب الرسمي للسلطة يقوم هو الآخر على فكرة جوهرية قد يكون شعارها "نحن نعيش في ظل أسوأ الأوضاع الديكتاتورية"! كيف يمكن إذن للباحث الموضوعي أن يفاضل بين الخطابين إن أراد أن يقوم بعملية تقييم موضوعية؟

ليس هنا من سبيل سوى مقارنة هذه الخطابات بالمؤشرات الواقعية كمية كانت أم كيفية، للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإذا أجرينا هذه المقارنة قد نجد أن خطاب السلطة العربية قد اشتط وبالغ في مديح الذات والزعم بأن الديمقراطية ترفرف بأجنحتها العريضة على جنبات المجتمع العربي! فهناك مؤشرات متعددة ومن مصادر محايدة، على أن مؤشرات الاستبداد بالسلطة متعددة، ويكشف عن ذلك قلة من يدلون بأصواتهم في الانتخابات، وقلة المنضمين إلى أحزاب سياسية في البلاد العربية التعددية، وضيق أفق المشاركة السياسية، والقيود العديدة على حرية التفكير والتعبير والتنظيم.

غير أن ذلك في حد ذاته لا ينفي أن هناك بلاداً عربية مارست أوجها متعددة للإصلاح السياسي، وإن كان بدرجات متفاوتة وبإيقاع مختلف. وقد تكون مصر نموذجاً لهذا الإصلاح منذ إلغاء الحزب السياسي الواحد "الاتحاد الاشتراكي" في زمن الرئيس السادات، وتأسيس نظام سياسي يقوم على أساس تعدد الأحزاب، وفتح المجال بشكل غير مسبوق أمام حرية الصحافة وحرية النقد. وقد نضيف إلى ذلك الإصلاحات السياسية في البحرين وفي المغرب وفي تونس، وإن كان بشكل أقل. وإذا حللنا خطاب المعارضة العربية فسنجد أنها في الواقع في سبيل قيامها بالنقد الشامل للأنظمة العربية لا تميل إلى الاعتراف الكامل بجوانب الإصلاح التي تمت.

ومن هنا يمكن القول إننا في حاجة إلى رؤية موضوعية تسمح بتقييم خطاب كل من السلطة العربية والمعارضة العربية. وليس هناك من سبيل سوى صياغة نسق متكامل من المؤشرات لا يقنع بالتركيز على الواقع القطري العربي، وإنما ينبغي أن يغطي الواقع القومي العربي سعياً إلى قواسم عربية مشتركة. ليس ذلك فقط، ولكن ينبغي على هذه المؤشرات أن تتكامل مع المؤشرات العالمية، مع الأخذ في الاعتبار الفروق الزمنية الجسيمة في مسارات التقدم بين الدول المتقدمة والدول النامية.

ولا ينبغي أن ننسى أن بعض الدول الغربية المتقدمة كإنجلترا وفرنسا وإيطاليا قامت باستعمار واحتلال العالم العربي مئات السنوات، مما أدى إلى ترسيخ التخلف ومنع قيام تراث ديمقراطي أصيل.

هذا بالإضافة إلى أن بعض البلاد العربية وأبرزها مصر وسوريا والعراق واليمن مرت بتجارب اشتراكية كانت تنكر قيم الديمقراطية الليبرالية على النسق الغربي.

إن درس التاريخ يقول إنه ينبغي تطبيق قواعد المنهج المقارن بدقة، حتى لا يتم التنديد بأوضاع الدول العربية التي تسعى - تحت ضغوط اقتصادية متعددة مفروضة عليها من الخارج - أن تعبر هوة التخلف إلى آفاق التقدم.