لبنان بعد الحريري سيبكي دماً.....

 سركيس نعوم ....النهار

عام 1984 انعقد في مدينة لوزان السويسرية مؤتمر للحوار اللبناني اللبناني برعاية سورية وسعودية حضره رئيس الجمهورية انذاك الشيخ امين الجميل والرؤساء الراحلون سليمان فرنجيه وصائب سلام وعادل عسيران والزعماء الراحلون بيار الجميل وكميل شمعون ونجله داني وآخرون لا يزالون احياء ولكن مهددون دائما لان هذا هو قدر العمل السياسي في لبنان او احد شروطه وابرزهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري. لم يسفر المؤتمر المذكور عن تفاهم نهائي او عن تسوية تنهي الحرب اللبنانية والاخرى غير اللبنانية اللتين كانتا دائرتين في لبنان. لكن كالعادة اصدر المؤتمرون بيانا قالوا فيه انهم حققوا تقدما في عدد من القضايا التي تم البحث فيها ربما لانهم لم يشاؤوا ان يصاب شعبهم اللبناني او "شعوبهم" بخيبة او بصدمة هي التي عانت ويلات الاقتتال الداخلي منذ عام 1975 والتدخل الشقيق في شؤونها وشؤون وطنها منذ ما قبل 1975 والتدخل الاسرائيلي السافر في الحربين المشار اليهما والذي تحول عام 1982 اجتياحا عسكريا واسع النطاق. كنت الوحيد من الصحافيين الذين تولوا تغطية ذلك المؤتمر واشاروا إلى فشله او على الاقل الى عدم نجاحه. ولم تكن المعلومات وحدها التي استقيتها من اكثر من مشارك في اعماله هي التي اكدت لي ذلك. بل كان لي لقاء مع رئيس الحكومة السابق، الذي رحل امس ضحية انفجار غادر، في جناحه الخاص في الفندق بعد انتهاء المحادثات والمناقشات  عشية احد الايام وكان يومها احد موفدي المملكة العربية السعودية احد راعيي المؤتمر بصفته ممثلا شخصيا للملك فهد بن عبد العزيز.

ماذا حصل في ذلك اللقاء؟

"طبش" باب الجناح بعد دخوله اياه وانا في معيته. كان وجهه عابسا ومحتقنا. طلب من مرافق شخصي له بلهجة فيها شيء من الجفاء والقسوة ان يعد له مشروبا منعشا (غير كحولي بالطبع). ثم صمت وراح يتمشى داخل الغرفة بقلق وعلى ما اذكر بشيء من الغضب المكتوم، سألته مرات ما الذي حصل في "المؤتمر" فلم يجب. اذذاك ادركت ان ثمة خطبا في مناقشات المشاركين فيه. فسألته عن مصيره واذا كان على وشك الانفراط. لكنه ظل معتصما بالصمت. وفجأة انفجر في البكاء وراح يتمتم بعبارات لم افهمها في البداية الا عندما رفع صوته مجيبا عن استفساراتي الصامتة: "رح يخربوا البلد. يريدون ان يخربوا البلد. كلهم. لا احد يريد حلا ينهي الحرب في لبنان". لم تدم نوبة البكاء طويلا وكذلك عملية الافصاح عما في القلب ربما انطلاقا من القول الآتي: "خليها بالقلب تجرح ولا تخرج فتذبح". يومها ادركت انني امام نوع من الرجال المتعلقين بوطنهم والمصممين على خدمته وانقاذه، ونشأت منذ ذلك التاريخ صداقة عميقة استمرت حتى اليوم وان تخللتها "قطيعة" استمرت سنوات قليلة، في التسعينات.

لماذا فتح الذاكرة ونبش قصة لوزان السويسرية؟

لان الرجل ظلم كثيرا. ظلمه من قصد او من غير قصد الذين لا يعرفون غيب الامور ودهاليز السياسة في لبنان وخارجه والذين صدقوا انه وحده مسؤول عن تعاسة الوضع الاقتصادي وتوابعه في لبنان وانه مرتبط بالاجنبي وان همه الاوحد زيادة ثروته التي قد لا تضاهيها ثروة للبناني وخصوصا داخل لبنان وانه طائفي ومذهبي. وظلمه قصدا الذين عرفوا ومن زمان انه غير طائفي رغم اعتزازه بانتمائه الى الاسلام والذين عرفوا ان هدفه هو ان يكون باني لبنان الجديد والذين ادركوا اصالة شعوره القومي العربي وتجذر شعوره الوطني اي شعور الانتماء الى لبنان وعدم وجود اي تناقض لديه بين هذين الشعورين والذين خافوا من حجمه الداخلي والاقليمي والدولي الكبير على احجامهم واحلامهم (او ربما اوهامهم) ومشروعاتهم السياسية وغير السياسية. طبعا اعطى الرئيس الراحل رفيق الحريري كل هؤلاء وغيرهم كثر الحجج لتصويره على غير حقيقته باحترافه العمل السياسي في لبنان اولا من موقع رئاسة الحكومة وثانيا من موقع النيابة ثم من الموقعين معا. فهدفه كان التصحيح والعمل من داخل وكان على حق وان بدا متفائلا اكثر من اللازم. اما هدف الذين سهلوا هذا الاحتراف فكان اغراقه في مستنقع السياسة اللبنانية والاقليمية بل في وحولها ليتسخ ويفقد رصيده والصدقية او يصبح ركنا اساسيا في هذا المستنقع. لكنهم لم يكونوا على حق اذ حافظ على رصيده وصدقيته في الداخل والخارج واستمر مؤمنا بمشروع اعادة بناء لبنان على كل الصعد ومؤمنا باتفاق الطائف الذي لا يمكن احداً ان ينكر انه كان احد عرابيه وعاملا على استكمال تطبيقه بشقيه الداخلي والاقليمي. اما مسؤوليات التدهور المتنوع التي يرميها عليه اخصامه الكثر فيتحمل هو منها جزءا يسيرا فيما يذهب الجزء الاكبر الى هؤلاء. ولعل هنا يكمن خطأ الحريري النابع من تفاؤله الدائم بالمستقبل وبلبنان وهو خطأ الاقتناع بانه يستطيع ان يُمِرّ مشروعه استعادة الوطن بعد حروب نيف و15 سنة بالتغاضي عن ارتكابات او بقبول ارتكابات مارسها كثيرون من مدّعي العفة في هذه الايام. طبعا نحن لا نريد ان "نؤله" الحريري بهذا الكلام وان نضعه في مصاف الملائكة. فهو بشر مثل الجميع. لكن لا بد يوما ما من اجراء تحقيقات نزيهة في كل مرحلة ما بعد الطائف (من 1990 حتى الآن) لتحديد المسؤوليات عن المصير التعس الذي آل اليه لبنان والمصير الاكثر تعاسة الذي يبدو انه مرشح له.

رفيق الحريري، ستبقى في نظري ونظر لبنانيين كثيرين الوحيد الذي حاول جديا بناء لبنان الحديث بعد كل ما اصابه في حروب اهله وحروب الاخرين على ارضه وبواسطتهم. انت بكيت في لوزان قبل نحو عشرين سنة. لكن لبنان سيبكي دماً بعد رحيلك. اعرف ان ذلك لا يسعدك وانت بين يدي الرحمن. لكنه الواقع.

سركيس نعوم