حقوق الإنسان: ثقافة أم إيديولوجيا.......

د. محمد عابد الجابري......الاتحاد

راجت في العقدين الأخيرين على سطح الخطاب العربي عبارات جديدة مثل "ثقافة حقوق الإنسان" و"ثقافة التسامح" وما أشبه: عبارات "دخيلة"، لا أساس يسندها ولا تاريخ يؤسسها في الوعي العربي، شأنها شأن كثير من المفاهيم الاجتماعية التي راجت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، والتي كان الحديث يجري عنها بتوظيف مفهوم "الإيديولوجيا"، مثل مفهوم "الطبقة"، و"الوعي الطبقي"، و"الوعي المزيف"، "والبروليتاريا".. الخ.
لقد حلت اليوم كلمة "ثقافة" محل كلمة "إيديولوجيا"، على الأقل في مجال تأطير مثل هذه المفاهيم، فأصبحنا نقول "ثقافة التسامح" و"ثقافة حقوق الإنسان".. الخ، بدل "إيديولوجيا التسامح" و"إيديولوجيا حقوق الإنسان" وغيرها. فما الفرق بين العبارتين:"ثقافة كذا" و"إيديولوجيا كذا"؟ وما الذي جعل الكتاب والمثقفين وجميع "المتكلمين" اليوم يعرضون عن لفظ "إيديولوجيا" ويقبلون، هذا الإقبال المنقطع النظير عندنا على الأقل، على لفظ "ثقافة"؟
لن نستفيد كثيراً من القواميس الحالية (أقصد قواميس اللغات الأوروبية لأنها هي التي تسجل في الغالب تاريخ استعمال الكلمات وتاريخ الانتقال بها من معنى إلى آخر، أما القواميس العربية فلم تدخلها الحياة بعد فالكلمات فيها بلا زمان!)- أقول: لن نستفيد كثيراً من القواميس المعاصرة الحية فيما نحن بصدده، فلفظ "الثقافة" ولفظ "إيديولوجيا" فيها ما زالا مؤطرين بنفس المعطيات التي بقيت تحددهما منذ عقود. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالرواج الكبير جداً، و"الزائد عن اللزوم"، الذي تعرفه العبارات التي نحن بصددها كعبارة "ثقافة حقوق الإنسان" مثلا، إنما يختص به، أو يكاد، خطابنا العربي الراهن. بعبارة أخرى إنك لا تجد في اللغات الأخرى هذا الإسراف –أو قل هذا الكرم- في استعمال لفظ "ثقافة"، الذي تجده في الخطاب العربي الراهن.

ليس ثمة شك في أن تراجع الماركسية وسقوط الاتحاد السوفيتي كان له الدور الأكبر في تراجع مفهوم "الإيديولوجيا" الذي ظل طوال تاريخه مصطلحاً ماركسياً في الدرجة الأولى، خصوصاً عندما يستعمل في الخطاب اليومي الأوروبي الذي كانت تؤطره المفاهيم الماركسية. أما لفظ "ثقافة"، في هذا الخطاب، فما زال يحتفظ بمواقعه وبمجالاته الخاصة. ومع أنه اليوم أكثر استعمالا وبروزاً فهو لا يقوم مقام لفظ "الإيديولوجيا" كما هو الشأن في خطابنا العربي الراهن، وإنما يعبر في الغالب عن شيء يمت إلى تصنيف غير التصنيف الطبقي، مثل الطائفية والسلالية (الإثنية)، مما يدخل فعلا في مفهوم "الثقافة" في اللغات الأوروبية، وبكيفية خاصة بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة.

أما وضع كلمة "ثقافة" مكان لفظ "إيديولوجيا" في العبارات التي تناسبها هذه الأخيرة، فهذا ما ليس شائعاً في الخطاب الأوروبي شيوعه عندنا. وأحسب أن الأذن الأوروبية ما زالت تستسيغ عبارة "إيديولوجيا التسامح"، مثلا، أكثر مما ترتاح لعبارة "ثقافة التسامح"، عكس ما عليه الأمر عندنا!.

كيف نفسر هذه الظاهرة؟

لا شك أن ثمة دوراً يجب أن يعزى لما يتميز به الوضع الثقافي في الغرب من ارتفاع في المستوى ومن انتشار للنظرة النقدية، التي تمنع صاحبها من الاستسلام بسهولة لما يطفو على السطح في مجال الفكر واللغة. ويجب أن نعترف أن النخبة العصرية عندنا ليست كلها متمكنة من وسائل عصرنا الثقافية، بل كثيراً ما تجد الواحد منها يطفو على السطح، سطح ما نسميه بـ"الثقافة المعاصرة"، فتتقاذفه أبسط الرياح يمنة ويسرة، فيمسك بما يطفو على السطح معه وبجواره من قشور، أعني من كل ما خف وزنه مما تتقاذفه الأمواج. وهكذا يقفز من اليسار إلى اليمين ومن أمام إلى وراء أو العكس

ولكي
لا نسترسل في تشخيص الأمور هذا النوع من التشخيص الجارح –ربما- الذي ليس ها هنا مجاله، نطرح المسألة من خلال الكلام في "الكلمات" بدل الكلام في "المتكلمين"! لنقل إذن: الكلمات لها تاريخ، ومن لا يختزن في وعيه تاريخها نوعاً من الاختزان يسهل عليه القفز فيها وبينها وإحلال الواحدة منها محل الأخريات. وتاريخ الكلمات ليس هو فقط ذلك الذي تسجله القواميس الحديثة، بل إن للكلمات عندما تتحول إلى مفاهيم تاريخاً آخر أوسع وأغنى. إن المفاهيم كائنات فكرية تولد بفعل ظروف معينة ترتبط بها وتحيل إليها وتكتسي منها مضمونها التصوري وقوتها المفهومية التي تنقلها من مجال الاصطلاح اللغوي المجرد، البارد الميت، إلى مجال "الواقع الحي"، العلمي أو الإيديولوجي.

لقد تحدثنا في المقالات الماضية عن مفهوم مركزي في مفهوم "حقوق الإنسان"، أقصد مفهوم "حالة الطبيعة". مفهومٌ يؤسس مفهوماً آخر! نعم، المفاهيم هكذا كلها تقريباً، بعضها يؤسس بعضاً، وغالباً ما يتعذر شرح مفهوم بدون استعمال مفاهيم أخرى. خذ مثلا مفهوم "الإيديولوجيا"! هناك ما لا يحصى من التعريفات لـهذا اللفظ، غير أن معظمها يبدأ بالقول:"الإيديولوجيا: منظومة من التمثلات…" الخ. التعريف هنا يبدأ بذكر مفهومين يحتاجان إلى سابق معرفة بهما، هما: "منظومة" و"تمثلات"! فإذا كان الواحد منا لا يختزن في ذهنه المعنى الاصطلاحي لكل من "المنظومة" و"التمثلات" - وهناك مفاهيم مماثلة أخرى تتلو هذين في تعريف الإيديولوجيا- فإنه لن يتمكن من الإمساك بمدلول هذا المفهوم. والأمر نفسه يصدق على مفهوم "الثقافة" وغيره من المفاهيم.

المفاهيم لها تاريخ. وإذن فالإمساك بمضمون أو بمضامين مفهوم ما يتطلب المعرفة بتاريخه. وليس المقصود هنا بـ"المعرفة" الاطلاع الواسع المنظم الذي تتميز به المعرفة لدى الباحث المتخصص، وإنما المقصود أساساً هو نوع من الألفة شبيهة بتلك الألفة التي تربطك بطريقك إلى منزلك مثلا. كلنا يقطع الشوارع والأزقة وهو في طريقه إلى بيته، وفي الغالب نمشي في الاتجاه المطلوب دون شعور: نمر في الشوارع وقد "لا نراها": فأذهاننا غالباً ما تقع بعيداً عنها، ومع ذلك فنحن لا نضل سبيلنا، لا نفقد الاتجاه، ولا نخطئ في التعرف على باب بيتنا!.

كذلك الشأن في المعرفة بالمفاهيم، فليس المطلوب التعرف عليها بالطريقة التي يسلكها الغريب الذي يحمل في يده ورقة ويسأل الناس عن عنوان منزل معين. هذا يجب فعله مرة واحدة أو مرتين، أما عندما يألف الشخص "المكان" فلا يحتاج لا إلى ورقة ولا إلى سؤال أو دليل. ولكن ما القول إذا كان هذا الشخص لا يحمل العنوان على ورقة ولا يعرف كيف يسأل؟ المثقفون العرب - أو معظمهم على الأقل- لا يخلطون بين "أبي نواس" و"أبي العلاء المعري"! غير أن هذين الشاعرين قد لا يعنيان للمثقف الأوروبي شيئاً على الإطلاق! مثل المثقف الأوروبي في ذلك مثل كثير من مثقفينا العرب إزاء مفهوم "العقد الاجتماعي" ومفهوم "حقوق الإنسان".. الخ.

لنقل استطراداً إن ما نريده من هذه المقالات هو الانتقال بوضعية كثير من القراء العرب إزاء المفاهيم التي نتناولها هنا من وضعية الأوروبي إزاء "أبي نواس" إلى وضعية العربي إزاءه! نعم قد يجهل العربي "أبا نواس" الشاعر، ومع ذلك فعبارة "أبو نواس" تربطها به علاقة ألفة ما –ولتكن لغوية محض- قد يفتقد مثلها عندما يسمع عبارة "حقوق الإنسان" أو "التسامح" أو "العقد الاجتماعي"!

المفاهيم لها تاريخ، ومنها مفهوما: "إيديولوجيا" و"ثقافة". فما الفرق إذن بين قولنا "إيديولوجيا حقوق الإنسان" وقولنا "ثقافة حقوق الإنسان"؟.