سيناريوهات التطور الفلسطيني......

د. محمد السيد سعيد....الاتحاد

لا بد أن نتائج مؤتمر شرم الشيخ قد أصابت المجتمع الفلسطيني بالصدمة. فقد ثارت كل هذه الضجة على لا شيء تقريبا أكثر من إعلان وقف اطلاق النار، أو هدنة. وفاز شارون بهذه الجولة. فهو لم يتنازل عن أي شيء، ونجح فى صياغة الخلفية السياسية للمؤتمر وفقا لخطته هو المسماة بفك الارتباط من جانب واحد. ويعد مؤتمر الشرم في حقيقته إطارا لتأمين نواياه في الانسحاب من تراب غزة وشمال الضفة وهو المحتوى الأساسي لما يسميه بحل مؤقت طويل المدى، فضلا عن نجاحه فى وضع المجتمع السياسي الفلسطيني بكامله تحت "إشراف أبوي" أو فلنقل "حراسة تربوية" دولية. ويسمح له هذا "الحل" بابتلاع جزء كبير من الضفة بما فيها القدس الشرقية. فاذا شاء الفلسطينيون إعلان "دولة" في الأرض التي ينسحب منها، فهذا شأنهم! وذلك شرط أن يتنازلوا عن بقية حقوقهم وأن تقوم هذه الدولة بحماية اسرائيل.
هل يمكن أن يمر "هذا الحل"؟، بالطبع لا. ولكن الفكرة، ومن ثم تفاهم شرم الشيخ، سيكون أساسا لسيناريو ما لتطور السياسة والصراع. يمكننا تصور هذا السيناريو كما يلي:
يشعر قطاع كبير من الشعب الفلسطيني بأن ما يفرض عليه أميركيا واسرائيليا وعربيا هو شيء أقل كثيرا مما منحه له اتفاق أوسلو. فالاتفاق الأخير اشتمل على عمليات انسحاب ثلاث تشمل ما يقدر بنحو 90 في المئة من مساحة الأرض المحتلة باستثناء القدس، ووفقا لجداول زمنية محددة. ومن ناحية أخرى، فاتفاق أوسلو رغم تفوقه عما يجري الآن لم يطبق، وبدأ ينفجر بعد أقل من ثلاث سنوات من توقيعه وأقل من عامين من تطبيقه فعليا. وبدأ الصراع العنيف يشتد مع انتخاب بنيامين نتانياهو عام 1996. ويمكننا أن نؤكد بكل ثقة أن الاتفاق الذي وقع في شرم الشيخ سوف ينفجر بنفس الطريقة. ولكن هذا الانفجار التلقائي قد يمزق المجتمع السياسي الفلسطيني، بل قد يغير الكيمياء السياسية الفلسطينية بصورة محسوسة. فطالما أن أبو مازن لم يحصل على شيء يذكر، والأميركيون والاسرائيليون أساءوا التعامل معه مرة أخرى كما فعلوها من قبل في نفس هذا الوقت تقريبا من العام الماضي عندما شغل منصب رئيس الوزراء، فلن يكون أمامه لتمرير الاتفاق مع شارون سوى استخدام قوات الأمن التابعة له، وهو ما قد يسفر عن استقطابات جديدة بل وعن تصدع حركة فتح. بل ولا يستبعد أن تنفجر "مناوشات" أهلية فلسطينية ممتدة، وهو أسوأ نتائج هذا السيناريو: أي تصدع المجتمع وتهافت الدولة.

سيناريو آخر يتمثل في أن تبدأ سلسلة من العمليات السياسية التي تعزز "تفاهم شرم الشيخ" وتعطيه محتوى سياسيا أقل سوءا. وتشمل اطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، وبدء انسحابات اسرائيلية متتالية وفي مدى زمني قصير وصولا الى خطوط 28 سبتمبر عام 2000، وحقن أموال كبيرة في الاقتصاد الفلسطيني، كما يستهدف مؤتمر لندن المقبل بهدف إنعاشه اصطناعيا وبسرعة كبيرة ودعم المركز السياسي لأبو مازن وقوات الأمن التابعة له، فضلا عن التلويح بورقة الدولة، وتسليم المعارضة الفلسطينية بفكرة منح أبو مازن فرصة واستخدام هذه الهدنة لإعادة التعبئة. وقد يصل هذا السيناريو في قمته الى شيء قريب من أتفاق أوسلو، ويتوج بإعلان دولة فلسطينية تقوم هي بالتفاوض مع اسرائيل. ويعني ذلك كما أشار الدكتور عزمي بشارة في أكثر من مناسبة الى تغيير طبيعة القضية الفلسطينية ومحاولة ابتكار تكييف جديد للصراع يحوله من حركة تحرر وطني الى "نزاع حدودي". وقد يمر هذا السيناريو لأسباب متعددة في الأمدين المباشر والقصير، ولكنه يصطدم في الأمدين الوسيط والطويل بإنكار اسرائيل والولايات المتحدة لحق العودة، وبقضية القدس والأراضي التي ينوي اليمين الاسرائيلي ضمها لاسرائيل بالقوة. وحيث إن هذا "السيناريو" لا يحل قضية الشعب الفلسطيني، فقد تظهر مع الوقت من جديد فكرة تحويل آخر للقضية لفلسطينية من حركة تحرر وطني تقوم على قاعدة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة الى حركة حقوق مدنية تستهدف تحسين مركز الفلسطينيين فى دولة ثنائية القومية، كما يدعو البعض على الجانبين. وبتعبير آخر فإن الآفاق طويلة المدى لتفاهم شرم الشيخ ولهذا السيناريو عموما سوف تتعدى حواجز الدولة والتفاوض حول الأرض وتنتهي الى حفر مجرى جديد للحركة الوطنية الفلسطينية عبر نموذج "النضال المدني" في دولة واحدة على كل أرض فلسطين تحت الانتداب. ولا يمكن استبعاد هذا السيناريو تماما، رغم ما يتطلبه من تحويل ذهني وسياسي جذري للقضية وللصراع برمته، ولكنه لن يمر بدون حرب أهلية فلسطينية شبه كاملة، قد تنفجر مبكرا وخاصة بعد التحولات التي شهدتها موازين القوى في الأرض المحتلة بين حركة فتح والقوى المعارضة، أو بالأحرى بين السلطة وكل القوى الرافضة بما فيها قطاع كبير من حركة فتح.

ولكن هناك سيناريو ثالثا يبدأ بتأمل عميق لما حدث وانتهى الى "هزيمة شرم الشيخ".

لنكن غاية فى الوضوح فيما يتعلق بهذه النقطة. إن ما حدث فى شرم الشيخ هو اعتراف صريح بهزيمة الانتفاضة، وحتمية دفع ثمن لهذه الهزيمة. وقد وقعت تلك الهزيمة لأسباب متعددة. أول هذه الأسباب هو أخطاء القيادة السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية خلال ما يربو على ربع قرن. فرغم أن هذه القيادة نجحت في وضع القضية الفلسطينية في قلب السياسة الدولية، فإنها أساءت إدارة كل ما يتعلق بالنضال ضد اسرائيل وبتنظيم المجتمع الفلسطيني وخاصة خلال سني أوسلو. فأهدرت طاقة الثورة الوطنية فيما لا طائل من ورائه, بدءا من الحروب الأهلية في الأردن ولبنان ووصولا الى تأسيس مسخ سياسي واداري في الأرض المحتلة بعد أوسلو. أما السبب الثانى الأهم فهو تصدع وتهافت الاسناد العربي وتناقضاته، وهو ما ترتب على سوء القيادات العربية وأزمات المجتمع العربي بعد هزيمة 1967 وفراغ القيادة الاقليمية منذ بداية عقد السبعينيات. وقد وصل هذا التهافت الى ما رأيناه في شرم الشيخ حيث تفاوضت القيادات العربية حول مطامعها الخاصة وليس حول دعم المفاوض الفلسطيني.

ويجب التوصل الى نتيجة أساسية وهي وضع نظرية جديدة للنضال ولحركة التحرر الفلسطينية على ضوء الأوضاع الدولية وخريطة القوى العالمية والإقليمية في المديين المباشر والوسيط، وعلى ضوء المعارف العلمية المتاحة حول تحولات المجتمع الاسرائيلي والحركة الصهيونية، وتحولات المجتمعات العربية في المدى المنظور.

وأتصور أن تكون النتيجة الأساسية لعملية التأمل والحوار الوطني المطلوبة هي إعادة تنظيم المجتمع السياسي الفلسطيني، وأولوية إعادة تحشيد وتنظيم جميع قطاعات الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة وفي المنفى العالمي الواسع، وبناء ترسانة نضالية جديدة لا تستبعد النضال العسكري، ولكنها تقوم أساسا على النضال المدني، من أجل الوصول الى هدف مزدوج، هو بناء دولة فلسطينية وتغيير طبيعة المجتمع الاسرائيلي بما يسمح بطرح فكرة دولة ديمقراطية علمانية في كل أرض فلسطين تحت الانتداب.