لقاء الأسد ـ بوتين: محاولة استعادة شراكة مضيعة

بقلم :محمد جمال باروت - البيان

 

 

سوريا بحاجةٍ ماسةٍ إلى روسيا، وروسيا بحاجةٍ ماسةٍ إلى سوريا. هذه هي قاعدة اللقاء ما بين الأسد- بوتين. وهي قاعدة صحيحة في تفسير التحول « المفاجيء» في العلاقات السورية- الروسية من الركود إلى الاقتراب غير المعلن من درجة« تحالف استراتيجي». وربما يكمن في ملامح هذا التحالف سر إخراج تل أبيب لخلافها مع موسكو إلى العلن، ودخول واشنطن بلهجة التحذير على الخط لمنع توقيع ما قيل عن صفقة الصواريخ السورية.

قد لا يكون مبالغةً كبيرةً الذهاب إلى حد القول إن بوتين الثاني يريد توظيف حرارة هذا اللقاء للرد على الاختراق الغربي الظافر في أوكرانيا المهد الأرثوذكسي للأمة السلافية، والذي اتهم فيه بوتين علناً وبتصريح انفعالي عصبيٍ «مؤامرةً صهيونيةً» في الضلوع خلفه.

ومن يتبنى هذا التفسير من محللي السياسات الروسية الخارجية يعتقد أن بوتين الثاني يستعيد في اللقاء مع دمشق السياسة الجيو-بولييتكية السوفييتية السابقة التي تقوم على فلسفة التعويض عن خسارة النفوذ في منطقة استراتيجيةٍ معينةٍ بوضع موطيء قدم في أماكن أخرى حساسة فيما يشبه نوعاً من حربٍ غير مباشرةٍ، أو لنقل تنافساً بين المواقع لايخل بأساسيات بوتين في التفاهم مع بوش الأول والثاني.

يمكن في إطار هذه الفرضية مقاربة فكرة تعويض كييف بدمشق، ولكن ما يخرق هذه الفرضية نسبياً أن من كان حريصاً في مثل هذا الشهر على وجه التحديد قبل أربعة أعوام وفي يناير 2001 على إعادة بناء تحالفٍ استراتيجيٍ مضمونٍ مع دمشق لم يكن سوى موسكو نفسها، بينما كان من أبدى« البرودة» تجاه هذه «الوجبة الشهية»وللمفارقة هو حكومة دمشق، التي أحبطت الصراعات التقليدية وغيرها الناشبة مابين مراكز القوة في حكومتها ذلك التفاهم، وحولته إلى مجرد تفاهمٍ أوليٍ جعلته لا يساوي ثمن الحبر الذي هدر فيه.

في يناير 2001 كان الجانب الروسي وفي مقدمته يومئذ رئيس الوزراء الروسي كيسيانوف قد عرض إعادة بناء تحالفٍ استراتيجيٍ مع دمشق تشمل حزمته تسليحها بصواريخ دفاعية ردعية فعالة مضادةٍ للطائرات وللدبابات فيما وصلت إليه آخر تطورات الصناعة العسكرية الروسية في مجال الحرب الافتراضية ضد الدبابات. ويبدو أن الحسابات الجيو- بوليتيكية الروسية قد تجاوزت منذ ذلك الوقت مسألة الديون ليس بمعنى التخلي عنها بل تسويتها بشكلٍ مغرٍ للجانب السوري، بدفع مايعادل مليار ونصف مليار دولار تقريباً مقابل تسوية الدين الروسي المستحق الذي قيل إنه قد بلغ 13 مليار دولار.

وقد لا تكون هذه الأرقام متناهية الدقة فالبعض يجعلها 11,3 ملياراً غير أن قاعدة تسويتها دقيقة، واشتمل إغراؤها على دفع نصف التسوية أو أعلى منه بقليل نقداً، وتسوية النصف الثاني عبر العودة إلى نظام المقاصة في العلاقات التجارية السوفييتية - السورية السابقة حتى العام 1993، وهو ما ينشط الصناعة السورية، وتسديد الدين عبر ما يعرف بنظام سواب Swap وهو مبادلة الدين بالاستثمار التكنولوجي،

 

فضلاً عن مشاريع استراتيجية أخرى في مجال الغاز والنفط تنقيباً وخطوطاً... إلخ.

قد يكون ممكناً القول إن الرئيس السوري بشار الأسد يحاول في يناير 2005 أن يستعيد ما ضيعته تناقضات حكومته، والتفكير « الديناصوري» والمحدود الرؤية بالفعل لبعضها في يناير 2001 . وتكمن أهمية هذه الاستعادة المطورة بالنسبة إلى دمشق في اختراق حالة الاحتواء التطويقي الهاديء الأوروبية-الأميركية لها بتنشيط العلاقة مع موسكو، وفي إعادة بناء حدٍ معقول من استراتيجيات ما يسميه العسكريون بالردع السلبي بعد انتهاك قوة هذا الردع في العدوان الإسرائيلي على قرية عين الصاحب، ومحاولة تل أبيب- واشنطن استثمار نظرية« ضعف سوريا» لفرض صفقة» السلام مقابل السلام» عليها.

من هنا استخدمت إسرائيل فزاعة المخاوف من انتقال تلك الأسلحة إلى« إرهابيبن» في لبنان والعراق في محاولة إحباط ما قيل عن صفقة الصواريخ، على الرغم من محاولة موسكو في القنوات غير المعلنة التهدئة من « مخاوفها». وهو ما تبني إسرائيل استراتيجيتها على محاولة إحباطه، بعد أن تمكنت بالفعل من فرض حالة شبه حصار على تزود الجيش السوري بالسلاح.

فما قيل عن صفقة الصواريخ يعكس إلى حدٍ ما أن بوتين الثاني قد خفّف كثيراً في سياق اتهامه لأصابع« الصهيونية» بالضلوع فيما جرى في كييف من الوعد الذي قدمه لشارون بعدم بيع صواريخ إلى« أعداء إسرائيل». وبالنسبة إلى موسكو يجب البحث عن أهمية استعادة العلاقة مع سوريا ليس في مجرد عناصر الديون والمصالح الاقتصادية وحتى السلاح بحد ذاته فحسب بل وأساساً في ضوء نظريةٍ روسيةٍ رائجةٍ في الكرملين، وترى بعض اتجاهاتها أن« سوريا هي آخر منفذ ونقطة تأثير لروسيا في الشرق الأوسط».

إن دمشق هي هنا بالمعايير الجيو-بوليتيكية الروسية مهمة بحد ذاتها بوصفها معبراً لروسيا إلى منطقة الشرق الأوسط، وتحولها إلى لاعبٍ في عملية إعادة البناء الأمنية الاستراتيجية في هذه المنطقة، تتوافق مع المصالح السورية نفسها التي يشكل تعزيز علاقاتها مع روسيا منفذاً لها من الاحتواء الأوروبي- الأميركي الضاغط.

إن مسألة الديون ـ ولقد كانت قابلةً للتسوية في يناير 2001 بنسبة 13 بالمائة مقابل كل مليار ـ مهمة لكنها مسألة فرعية في سياق ذلك الاهتمام الجيو-بوليتيكي بالأبعاد الاستراتيجية للعلاقة الروسية- السورية بالنسبة إلى الجانب السوري والجانب الروسي على حدٍ سواء، بل يمكن القول إن تسوية الديون قد أنجزت وإن كانت تسوية يناير 2001 أفضل بالنسبة إلى سوريا.

غير أن الفترة الفاصلة بين الاتفاقيات الناتجة عن لقاء الأسد-بوتين وبين فترة تطبيقها بالفعل ستكون مساحةً لتحرك أعداء العلاقة الروسية- السورية الجديدة، وفي مقدمتهم إسرائيل، التي تخشى بشكلٍ خاصٍ من تطور أبعادها العسكرية المستقبلية، واكتسابها مضامين شراكةٍ استراتيجيةٍ في إطار محاولة فرض« السلام مقابل السلام» على سوريا اعتماداً على نظرية« ضعف سوريا». فكيف سيواجه الروس استحقاقات

مضامين الشراكة في لقاء الأسد ـ بوتين؟