اما بعد  وجه السلطة الجميل! - مجلة العربي بقلم: سعاد جروس

 

ربما ليس ثمة وجه جميل للسلطة سوى ذلك الذي يتنعم به أربابها من جاه ومال ونفوذ, وهو ذاته الوجه المرعب والمريب الذي يخشاه ويرتعد منه الآخرون القابعون تحت نيره المغلوبون على أمرهم, والحاسدون ماسحي الجوخ والمطبلين المزمرين والانتهازيين. خطرت ببالي هذه الفكرة, وهي كثيراً ما تخطر, حينما رأيت الدكتورة نجاح العطار واقفة تتلقى العزاء في مأتم أستاذ الفلسفة الكبير انطون مقدسي إلى جانب أفراد أسرته. محصت النظر وقلت: هل ثمة وجه آخر جميل ووديع للسلطة؟!
هذا إذا اعتبرنا وزيرة الثقافة السابقة انعكاساً لأحد وجوه السلطة. وكي لا نظلم السيدة العطار لا بد من القول إنها لم تكن أي وزيرة, فهي الآتية من رحم الأحلام النهضوية والنهوض القومي, ومن النسيج الثقافي الأكاديمي, ابنة عائلة عريقة وبمعنى أدق وبالتعبير الشعبي «بنت أصول», أديبة وباحثة ومترجمة, تمكنت من بناء علاقة راقية مع المثقفين, كبيرهم وصغيرهم, على أسس المعرفة العميقة والاحترام والتقدير لتجاربهم وإبداعاتهم وأدوارهم. فلم تكن وزيرة بقدر ما كانت مثقفة ضليعة, صديقة لأجيال من الأساتذة والمفكرين, وراعية ومشجعة لأجيال لاحقة من الشباب الموهوبين, كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا. إذ حرصت على أسلوب خلاق لتكريمهم عملياً, فكرست تقليد اقتناء الوزارة للوحات الفنانين التشكيليين, وبددت كآبة جدران مكاتب الوزارة ومديرياتها, ومواصلة تزويد مكتبات المراكز الثقافية بنسخ من الصادر حديثاً في مختلف أنواع الأدب والدراسات, عدا عن مساعدة الكاتب بشراء نسخ من كتابه يعوض به نزراً يسيراً من خسارته المالية بفضل كساد سوق الفن والكتاب المزمن في مجتمعاتنا.
للأسف, هذا التقليد يشهد تراجعاً مخزياً, وتتصاعد الانتقادات القائلة بأن الوزارة تتكبد خسائر مجانية, لقاء تكديس اللوحات والكتب في مستودعات رطبة وضيقة نهباً للعث والغبار, هذا بدل تلافي الإهمال والتجاوزات والمحسوبيات في الاختيار ووضع الأسعار, والتي مهما ارتفعت لا تفي المبدع بعضاً من حقه على وزارته ومجتمعه. وبدل وضع تلك الأعمال في المكان اللائق كأفضل تكريم يستحقه المنتج الثقافي, تحث الخطا للحد منه وتهميشه لصالح الإغداق الحاتمي على مهرجانات واحتفاليات جوفاء, تلبية لحاجة سوق النفاق السلطوي والبؤس الفكري, والدجل الاجتماعي.
خمسة وعشرون عاماً أمضتها نجاح العطار في وزارة الثقافة, كانت كافية ووافية, سجلت زيادة غير عادية على العمر الافتراضي لأي وزارة مهما كانت جيدة. إلا أن المشكلة في أن ثلاث وزارات لاحقة لم تضف على ما بنته العطار, ومكثت الوزارتان الأخيرتان د.نجوة قصاب حسن, د.محمود السيد ترتقان الخزق الذي أحدثته وزارة السيدة مها قنوت بفضل حملة «التطهير» التي شنتها ضد ما دعي باليساريين والفرانكوفونيين أصدقاء العطار.
لا نأمل ولا نطالب بعودة نجاح العطار, لكن تعود بنا الأهواء إلى أغنية صباح «حبو علينا بس حبو متلنا», أي يا ليتنا أيامها أحسنا الاختيار. وسنبقى بانتظار تمكن الوزارة الحالية من سد الفراغ الكبير الذي خلفه خروج نجاح العطار, وتبديد الخيبة التي مني بها المثقفون بفقدان وزيرة سخية تتفهم مواقفهم وآراءهم, وتدرك حاجاتهم المعنوية للدعم, وكان لها أياد بيضاء على أهم مؤسسة حكومية ثقافية, لتكون كما يجب أن تكون حصناً لمختلف تلاوين وأطياف المثقفين دون إقصاء لمختلف أو مخالف, في عز هيمنة اللون الواحد, وهو ما عجز عنه كثر حتى في زمن شهد بدء خروج الأطياف السورية من القمقم. فكانت والحق يقال وزارة الثقافة للجميع, كما سفينة نوح الحافظة للتنوع والتعددية الثقافية, إن لم نقل محمية لمختلف التيارات الفكرية في سوريا.
وإذ تطل علينا الدكتورة العطار في مأتم الاستاذ انطون المقدسي, لفتة طيبة منها وتحية لما يمثله المثقفون, ويصعب علينا ردها بأحسن منها, لابنة الثقافة البارة التي طالما خصت شيخ المثقفين ومعلمهم بمعاملة استثنائية تستحقها مكانته الأدبية الرفيعة حين كان مديراً للتأليف والترجمة وكانت وزيرة, تأتي إلى مكتبه إذا ما احتاجت إليه بأمر ولا تطلب مجيئه إلى مكتبها, لأنها الطالبة وهو الأستاذ, فلا هي وزيرة ولا هو موظف, لتسمو بالسلطة مجترحة بعدها الإنساني بسلوك نبيل, نحن بأمس الحاجة إليه للارتقاء بمؤسساتنا الوطنية. ولعل وقفتها في مأتم المقدسي مكللة بالحزن ليس وفاء له بقدر ما هو وفاء للفكر الحر والمستقل ولثقافة الاختلاف وكل ما يختزله أستاذنا الكبير في الحياة السورية على امتداد ما يقارب القرن. سلوك لا يجب أن يقتصر على تبجيل العلم والفكر, بل تعزيز القدرة على إبقاء مكانهما محفوظاً في متاريس الثقافة والدفاع عن استقلاليتهما, بل وحتى معارضتهما, لأن الثقافة كانت ولا تزال الوجدان الحي للشعوب, ولا يمكن إلا أن تكون حرة.
تحية للدكتورة نجاح العطار ولكل من لم تفسد السلطة مودته لأحرار الثقافة الحقيقيين.