الصورة الجيدة لسورية تبدأ من سورية وليس من بريطانيا! بقلم : شعبان عبود -الرأي العام الكويتية

 

افتتحت سورية في التاسع من يناير الجاري، مركزا اعلاميا في العاصمة البريطانية بحضور وزير الاعلام السوري مهدي دخل الله ومشاركة نحو اربعمئة مدعو من أطياف اعلامية وأكاديمية وسياسية مختلفة، وذكرت الصحف أنه كان من بينهم ما لا يقل عن عشرين برلمانيا بريطانيا وأربعة من أعضاء مجلس اللوردات وأكثر من عشرة سفراء عرب وأجانب, وقد أوضح رئيس المركز الدكتور يحيي العريضي، وهو اعلامي عمل في التلفزيون السوري لسنوات طويلة، وهو الذي أشرف على ترتيبات تأسيس وافتتاح مركز لندن، أن الهدف منه «تقديم الرسالة السورية الى وسائل الاعلام البريطانية والعالمية والعربية الموجودة على الساحة البريطانية», كذلك قال الوزير مهدي دخل الله، إن المركز الاعلامي السوري هو الاول من هذا النوع لكنه لن يكون الوحيد، وإن هناك نية في «فتح مراكز أخرى في عواصم عالمية مهمة كلندن وأن القضية الأم التي سيركز عليها الاعلام السوري في الخارج هي: «تحسين صورة العرب عموما، وسورية خصوصا، عند الرأي العام البريطاني، وتوضيح عدالة القضية العربية»,
بكل تأكيد لن تخلو الخطوة من ايجابيات، خصوصا أن هناك الكثير من الصور والانطباعات والأفكار المسبقة السيئة، عن سورية خصوصا والعرب عموما، ما زالت موجودة لدى الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من الدول، وهي صور وانطباعات غالبا ما لعب المستشرقون الأوائل دورا في تكريسها، اضافة للدور الذي تلعبه وسائل الاعلام المقربة والمتعاطفة مع اسرائيل، وخصوصا بعد ما حصل في الولايات المتحدة يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
لكن هذا شيء وافتتاح مركز اعلامي سوري لتحسين «صورة العرب وسورية» حسب وزير الاعلام دخل الله، شيء آخر، لأن المسألة والمهمة تبدو صعبة وشائكة، وقبل ذلك، هي مهمة تبدو عديمة الجدوى والنفع، وهو رأينا الذي سبق وقلناه للدكتور يحيى العريضي رئيس المركز خلال «سهرة» جمعتنا صدفة ذات مساء دمشقي ماطر منذ أيام في منزل أحد الأصدقاء الصحافيين, رغم أن الدكتور العريضي كان له رأي مختلف وحدثني باندفاع وحماسة وطنية عن ضرورة مثل هذه المراكز وأهميتها في الوقت الحالي الذي تتعرض فيه سورية «لضغوط وتهديدات ومحاولات كثيرة لتشويه صورتها».
هنا أيضا نسجل أننا لم ولن نختلف حول ذلك، اقصد عن «سوريتنا» التي تتعرض للضغوطات، لكننا نعيد ونسجل اختلافنا حول دور سورية ذاتها، وما يجري فيها، كعامل ونقطة انطلاق لا بد منها لتحسين الصورة في الخارج، اذ من غير المعقول، ومهما امتلك مركز لندن الاعلامي وغيره من امكانات ومهما بذل من جهود ومهما كان حجم ومستوى فريقه، أن يفعل شيئا لدولة ونظام سياسي ما زالت تعشعش فيهما وتنخرهما الكثير من الأمراض والآفات المهلكة، نقصد لن يستطيع مجرد مركز وأفراد، مهما امتلكوا من نوايا حسنة، أن يقوموا بفعل شيء لدولة وحكومة ونظام، تأخروا كثيرا في اصلاح ما يجب اصلاحه، وتحديث ما يجب تحديثه، وتطوير ما يجب تطويره، ووقف ممارسات كان يجب أن تتوقف منذ سنوات طويلة.
على سبيل المثال لا الحصر، ماذا سيفعل ذلك المركز في لندن ازاء صورة قائمة في بريطانيا والغرب عموما، عن النظام السياسي في سورية، تلك الصورة التي ترى فيه أنه مجرد نظام ما زالت فيه المؤسسات الأمنية تتدخل في الحياة اليومية للمواطنين والمؤسسات العامة والوزارات، وتقوم بسجن ناشطي المجتمع المدني لمجرد ابدائهم لآرائهم، وتقوم كذلك باعتقال بعض المثقفين والصحافيين لمجرد كتابتهم مقالات لا تتفق مع توجهات السلطة وحزب البعث الحاكم، كذلك كيف سيتم تحسين صورة دولة ما زال جهاز القضاء فيها، منخورا بالفساد وتحكمه اعتبارات لها علاقة بكل شيء الا باحقاق العدل بين الناس؟
أيضا كيف يمكن تحسين صورة سورية في وقت تغيب عنها الحياة السياسية والديموقراطية، وتغيب عنها الأحزاب المنبثقة عن الحراك الحقيقي للمجتمع السوري، لأنه من غير المعقول أن نقنع الرأي العام الغربي ونكذب عليه، كما جرت العادة مع جمهورنا، بالقول إننا نملك تجربتنا «الخاصة» في الديموقراطية، وإن لدينا أحزابا تشترك في «صنع القرار», ان الرأي العام في الغرب، اضافة للصحافة ووسائل الاعلام هناك تدرك جيدا أن ما هو موجود لدينا حقا، هو مجرد أحزاب كاريكاتورية هزيلة لا تمثل جيدا تطلعات الشعب السوري وتوقه لحياة ديموقراطية حقيقية، فهي أحزاب موالية لحزب البعث الحاكم ضمن ما يعرف «بالجبهة الوطنية التقدمية» وهو ائتلاف هرم وتجربة تم استنساخها واستيرادها من الدول الاشتراكية السابقة ذات التجربة السيئة الصيت في الحكم والاستبداد، ان ما هو قائم لن يحسن صورة سورية، ان من يفعل ذلك هي تلك الصور الحية عن صناديق الاقتراع الزجاجية والغرف التي يقوم فيها الناخب بالادلاء بصوته بكل حرية، ان صورا كهذه هي أبلغ وأصدق من كل الانشاء السياسي الذي قيل ويقال عن «الجبهة» العتيدة.
كذلك فان صحفا رسمية متخلفة ثلاث (البعث، تشرين، الثورة) تشبه بعضها في الشكل والاسم والمضمون كما التوائم السيامية والأطفال المرضى المنغوليين، (مع احترامنا وتقديرنا لهم ولمشاعر أهاليهم)، اضافة لقانون مطبوعات «ارهابي» أسوأ بكثير من قانون المطبوعات العثماني الذي سنّ في عهد السلطان عبد الحميد،، نقول ان واقع اعلامي كهذا بعيد كل البعد عما هو سائد ومعمول به في غالبية دول العالم، لن يساعد أبدا في تحسين صورة سورية في الخارج.
كذلك ماذا يمكن للدكتور يحيى العريضي أن يفعل ويجيب لسائل لندني عن شاب سوري يحتكر الكثير من القطاعات الاقتصادية الحيوية ويحقق يوميا الملايين من الليرات السورية من المداخيل على حساب جيوب المواطنين المثقوبة أصلا، وماذا سيقول وسيجيب لمستثمر افتراضي يرغب في الاستثمار في سورية فيما لو سأله عن طبيعة المعوقات وأساليب التطفيش السائدة؟
ان صورة جيدة عن سورية لن تصنعها الا سورية جيدة ومعافاة، سورية حديثة ديموقراطية، وما تبقى لن يكون سوى محاولات للتجمل والتجميل.
كاتب سوري