حول الحرية... وفقاً لأيديولوجية بوش عزمي بشارة     الحياة     2005/01/27

 

يراود المستمع إلى خطابات الرئيس بوش المهمة إغراء ان يتوقف هنيهة عند النقاش حول التعابير. فهو لم يكتبها، ونفهم من تعليقات الصحافة الاميركية على الخطاب الأخير بمناسبة تأدية القسم يوم العشرين من كانون الثاني (يناير) الجاري أن مايكل جيرسون قد كتبه، وأنه قد مرّ باثنين وعشرين عملية مراجعة. وقلّما كتب بهذه الصراحة عمن يكتب خطاب الرئيس وعمليات مراجعته المستمرة. كان هناك دائماً كتبة خطابات، لكن المؤسسة الحاكمة لم تعد ترى ضيراً في الاعتراف بأن رئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم غير قادر على كتابة خطاب يستمر ربع ساعة. وهو في نظر الناس لا يفترض ان يكون قادراً على ذلك. لم يعد هذا موضوعاً اصلاً، إذ تتم مقابلة كاتب خطاباته صراحة حول الموضوع، وحول نقاط الخطاب وصياغته، وهذا ليست الحال في أميركا فقط بل ايضاً في دول كثيرة في العالم... لا شك ان عالم الحداثة المتأخرة ينتج معنى آخر تماماً للكاريزما، والأهم من ذلك انه ينتج معنى آخر للكذب. فالخداع هو حقيقة لمجرد كونه واقعاً، بمعنى أن عدم كتابة الرئيس لخطاباته كانت في الماضي واقعاً يخفى عن الناس، وفي واقع الحداثة المتأخرة لم تعد هنالك حاجة الى إخفاء هذا الكذب، أي ان الرئيس يمثل مسرحياً بشكل واضح القاء خطاب لا يعرف الجميع فقط انه لم يكتبه، بل لا يتظاهر ايضاً انه كتبه، فهو لا يخفي الواقع الكاذب بعد. ولسبب ما يعتقد بعض الناس أن عدم إخفاء الكذب، اي ان الاعتراف به يكفي للتسليم به كأنه حقيقة.

في اي حال نقدر تفاؤلاً أن بوش هو على الأقل أحد من ساهموا في مراجعة الخطاب. ومن هنا أهمية تحليل هذا الخطاب السياسي. إنه من انتاج المؤسسة. ولا شك انه كبقية الخطابات التي اتحفنا بها الرئيس الامريكي في السنوات الأخيرة تستحق التحليل، فهو محمل بوزر ثقيل من الأيديولوجيا والرموز والمعاني التي لا بد من التوقف عندها مع تسجيل الإعجاب بموهبة كتبته خصوصاً في المزج بين التعابير الفلسفية والثقافة الشعبية وسيكولوجية وسائل الاتصال والجماهير. ولا أعرف عن زعيم معاصر لدولة يستخدم التعابير الفلسفية المقترضة من تاريخ الفكر السياسي التنويري والديموقراطي كما يفعل كتبة خطابات جورج بوش، ولا أعرف عن حالة اخرى في عالمنا الحالي، بعد اندثار المنظومة الاشتراكية، يتم فيها تحويل تعابير فلسفية وفكرية بهذه الكثافة إلى أيديولوجية تبريرية لنظام سياسي. كل هذا أمام رأي عام يُشْكى من سطحيته وقلة اهتمامه بالثقافة والسياسة، كما تقضي الآراء المسبقة حول المجتمع الأميركي. لا يوجد زعيم اوروبي واحد يتحدث في ايامنا مستخدماً هذه العدة الثقيلة من التعابير الايديولوجية والأمثولات والأفكار الفلسفية كما يفعل كتبة خطابات بوش. الولايات المتحدة هي الدولة ذات المؤسسة الأكثر ايديلوجية في ايامنا خلافاً للمظهر والصورة. اوروبا القديمة هي في الولايات المتحدة.

وقد لفت نظر العديد من الكتاب والمعلقين استخدام بوش المكثف في خطابه لتعبيري «ليبرتي» 45 مرة و«فريدوم» 27 مرة. ولم ينشغل المحللون كثيراً، وبحق، في فهم الفرق بين الكلمتين اللاتينية الاصل والأنغلو سكسونية الاصل واستخدامهما الرائج تارة كرديفين وتارة بمعنيين مختلفين بالانكليزية مع أن المعنى الاصلي واحد. لكن الاستخدام المتراكم تاريخياً أحدث اختلافاً في المعنى، كما في الفرق في الاستخدام العربي بين ابوي وبطريركي رغم التطابق في الاصل. فنحن لا نقول ان فلاناً حر في الانصراف او حتى في حياته مثلاً مستخدمين مصطلح «ليبرتي»، بل «فريدوم». ولا نستخدمه بشأن تحرير العصفور من القفص، فلا نستخدم تعبير «ليبريت» بل «فري». كما لا يمكن ان نقول كما في الأغنية «ان الحرية هي كلمة أخرى للاشيئ تخسره» freedom is another word for nothing left to loose مستخدمين في ذلك كلمة «ليبرتي» بدل «فريدوم». الحرية (فريدوم) تصور بشكل أدق ذلك البعد في الحرية الذي يعني غياب الموانع، غياب القيود، في حين أن «ليبرتي» هي الحرية السياسية والاجتماعية تحديداً وهي تتضمن منظومة قوانين وقواعد وليس غياب موانع فحسب. وفي كلا الحالتين تكمن معاني انعتاق وتحرر.

استخدم بوش هذين التعبيرين من دون تمييز، ليس لأن كاتب الخطاب لا يعرف الفرق في الاستخدام الانكليزي بين التعبيرين بل لأن الهدف هو الخلط بين الحرية (فريدوم) وهي قضية غير محسومة في دول كثيرة في العالم وبين الحريات السياسية وقضاياها العالقة في المجتمع الاميركي. يقول بوش في خطابه جملة اعتبرت في أنحاء العالم كافة أساسا لتبرير حروب التدخل المقبلة ومحاولات التدخل من دون حروب في المستقبل أمام الرأي العام الأميركي: «إن بقاء الحرية في بلادنا يعتمد بدرجات متزايدة على نجاح الحرية في الدول الأخرى».

اصبح بوش بحاجة ماسة الى إقناع المجتمع الأميركي بأن حريته مرتبطة بحرية الآخرين وأنه يحارب في العراق من اجل حريته هو. لكن تعيين البرتو غونزاليس الذي برر التعذيب في سياق «الحرب ضد الإرهاب» مدعياً عاماً، واستمرار التقييدات على الحريات المدنية في اميركا المتحولة الى دولة بوليس يوضح ايديولجية الخطاب المقلوب عند مقابلته مع الواقع في أميركا ذاتها. أما خارج أمير كا فلا بد أن نتساءل، والحالة هذه، لماذا لا تتناسب حرية الشعب الفلسطيني مع حرية الشعب الأميركي؟ لماذا لا تشمل المصلحة الاميركية بالحرية توسع حرية الشعب الفلسطيني. ولماذا تتناقض الديموقراطية الاسرائيلية بشكلها الحالي مع حرية الشعب الفلسطيني. يقدم الواقع مسائل معقدة تستعصي على معادلات الخطاب الواضحة كما يبدو. لماذا لا تتناسب حرية الشعب الأميركي حسب تعريف بوش لها مع حرية الشعب في فنزويلا باختيار رئيسه، هذا الاختيار الذي تكرر بين انتخاب واستفتاء تسع مرات في ستة اعوام، فتستمر الادارة الأميركية بالتدخل مرة بالتهديد ومرات عبر صناديق تمويل التحول الديموقراطي مثل «اصندوق القومي من اجل الديموقراطية» الـ«ناشيونال انداومنت فور ديموكراسي» في دعم المعارضة لكي تفوز على هوغو شافيز بأي طريقة ممكنة؟

الى هذه العبارة التي لا تبشر بالخير نضيف مقولة أخرى وردت في الخطاب وتنص على انه «لا يمكن على المدى البعيد الحفاظ على حقوق الانسان من دون حرية سياسية»، بمعنى ليبرتي. وتعني هذه المقولة من ناحية نقداً أميركياً المصلحين أو الاصلاحيين إذ أنهم لا يستطيعيون تأمين الحقوق على المدى البعيد كنوع من التنازلات تقدمها الديكتاتوريات لمجتمعاتها على مستوى الحقوق مع الابقاء على غياب الحرية السياسية. ولكنها قد تعني من ناحية اخرى ان السعي من أجل «الحرية السياسية» يبرر التعدي على حقوق الانسان لأن الحرية السياسية هي الهدف الأهم على المدى البعيد. أليس هذا ما يحصل حالياً؟

وأكثر ما يلفت في الحقيقة هو ان بوش نفسه يوضح السبب والغاية من وراء استخدام هذه التعابير في خطابه، ألا وهو التطابق الكامل المطلوب تحقيقه في وعي الناس بين الايديولوجية والمصلحة. ولم تلفت هذه الفكرة نظر أحد، فهو يقول: «مصالح اميركا الحيوية تتطابق تماماً الآن مع أعمق معتقداتنا».

وسأسمح لنفسي بالقول انني لم اقرأ مقولة اكثر دعائية، أو أكثر تعبيراً عن الدعاية الايديولوجية ومحاولة انتاج تماهٍ تام بين العقائد السياسية والجمهور كما في هذه العبارة. فعلى المواطن الاميركي بموجبها ان يستوعب ان الايديولوجية، «أعمق ما في معتقداتنا» على حد تعبيره، والمصلحة هما شيء واحد. ونحن نعرف من هذا الخطاب ومن خطابات أخرى انه يعتبر فكرة الحرية اساس العقيدة الاميركية، وقد أصبحت الآن هي ايضاً المصلحة الاميركية العليا مع تحولها الى اداة اساسية في السياسة الخارجية والسيطرة الامبراطورية، وفي محاولته استنهاض الهمم يقول لشعبه صراحة أن لديه مهمة، رسالة تاريخية، وأمانة متوارثة من الآباء ومصلحة بالايمان بها: «دفع هذه المثل هي المهمة التي خلقت أمتنا. انها انجاز آبائنا المجيد. وهي الآن المتطلب الملح لأمن أمتنا، ونداء هذا العصر».

نقول لمن لم ينتبه ان الرئيس الأميركي يطرح علناً أن للامة الاميركية رسالة خالدة وهو يطالب المجتمع بالتماهي معها. تخيلوا لو قيل هذا الكلام بالعربية من جانب زعيم عربي كيف سيكون وقعه على ليبراليينا الجدد؟!

ولا يتجاوز بوش هذه المسألة قبل ان يحولها الى مسألة فلسفية يرفض فيها مثل كل يساري متنور سبق أن تخلص من فكر الحتميات التاريخية، يرفض فكرة الحتمية التاريخية ويرجح خيارات البشر: «نحن نمضي قدماً بثقة تامة بانتصار الحرية. ليس لأن أحداث التاريخ تندفع على عجلات الحتمية، فالخيارات الانسانية هي التي تحرك الأحداث».

لا اصدق ان كتبة هذا الخطاب لم يستمعوا الى زملائهم في الجامعة في السبعينات والثمانينات وهم يناقشون العلاقة بين الحرية والضرورة التاريخية وبين الذات والموضوع في فكر هيغل وماركس والهيغليين الجدد الخ... وحسناً، لا بأس، فالكلام متنور فعلاً، او هكذا يظن المرء، الى ان ينسفه بوش بضربة واحدة عندما يحول الموضوع برمته من جديد ليس فقط الى حتمية تاريخية بل الى عقيدة دينية يسخر الرئيس الله نفسه في خدمتها: «هنالك مد وجزر في تقدم العدالة في التاريخ، لكن للتاريخ اتجاهاً مرئياً يحدده مؤلف وخالق الحرية». فالله بموجب بوش هو مؤلف الحرية. وعلينا ان نعود الى خطاب لباري غولدووتر المتحدي الجمهوري لجون كنيدي لنفهم من أين يأتي كاتب خطابات بوش بهذه التعابير. وهذه ما قاله «المحافظ الجديد» الأب من الحزب الجمهوري في العام 1964: «لقد تأسست هذه الأمة على قبول أن الله هو مؤلف الحرية».

تتميز السياسية الأميركية الجمهورية الحالية عن غيرها من المؤسسات الرسمية الغربية بهذا المزج بين الدين والسياسة وذكر الله في الخطاب السياسي الموجه للأمة. ولا شك ان انتخاب هذه الإدارة يعكس مزاجاً سياسياً ثقافياً على مستوى فئات واسعة تكاد تكون محددة ديموغرافياً من الجمهور الأميركي تحبذ استخدام هذا الخطاب السياسي وتحبذ التعرض له حتى لو لم تؤمن به وحتى لو لم تصدق أن قائله يؤمن به. إنها تريد من الرئيس أن يقول هذا الكلام أكتبه أم لم يكتبه، وأكان يؤمن بما يقول ام لا. فهو بمثابة تأكيد على الهوية المحافظة في مقابل خطر التحلل الذي يحل مع المجتمع الاستهلاكي. وهي تريد ذلك لأن الفئات المحافظة الحاكمة زادت في تسويق هذه الهوية الثقافية المتوارثة من عهد الاستيطان بدل مصالحها الحقيقية.

لا شك أنه في الامكان متابعة مجموعة تعبيرات في عهد هذه الادارة حتى استخداماتها عند غولدووتر، وبدرجة اقل عند ريغان، وذلك في البحث عن خط تقليدي يجمع الرأسمالية الحرة، رأسمالية الغاب، مع الخطاب المحافظ على المستوى الشعبي بحيث تجد الناس فيه تعبيرها على مستوى الهوية الثقافية أمام النخب غير المحافظة التي يمكن تحويلها بسهولة بفعل هذه الأدوات الى عدو في نظر الجمهور. ولا تنتبه هذه الفئات الجماهيرية الى انها تغطي موقفاً اجتماعياً مناقضاً لمصالحها. فما نعتقد انه يعبر عن ذاتها وهويتها أمام ما تعتبره نخب ليبرالية منحلة هي الايديولوجيا التي تستخدم في رزم سياسة مناقضة لمصالحها، فابناؤها الذي سيموتون في الحروب هم الذين تتم مناشدتهم أن يقدموا أكثر وأن يضحوا أكثر من دون أن يكلف بوش نفسه عناء ذكر العراق المكان الذي يطالب فيه الاميركان بتضحيات أكبر، المكان الذي يقتل فيه الجنود الاميركان حالياً: «لقد قبل بلدنا بتعهدات صعبة التنفيذ ولكن التخلي عنها سيكون عملاً غير شريف».

لقد بلغت المراجعات في صقل الخطاب درجة تقليب الأمور وتمحيصها: هل من الأفضل ذكر التضحيات في إطار تاريخي: الحروب التي خاضتها أميركا في الماضي، والحرب الأهلية التي «سقط فيها الجنود موجة تتلو موجة في الدفاع عن الاتحاد الحر» على حد تعبيره، أم ذكر الضحايا العينية التي تقدم حالياً في العراق. ويبدو أن الكتبة اعتقدوا أن ذكر العراق «يسم البدن» ويفسد الخطاب.

يثير جورج بوش في رئاسته الثانية اعجابا مضاعفا لدى مجلة الايكونوميست «الحرة» ( عدد 15- 21 يناير كانون الثاني 2005) التي تفتخر بأنها تمثل خطاً سياسياً واضحاً رغم أنها «صحيفة حرة». وهو يثير اعجابها لأنه من بين قلة من الستة عشر رئيساً أميركياً الذين وضعوا لأنفسهم أجندة رئاسة طموحة في الدورة الثانية. فغالباً ما تكون الرئاسة الثانية دورة الفضائح: نيكسون ووترغيت، ريغان ايران غيت، كلينتون مونيكا ليفنسكي... ودورة الكسل وانتظار الانتخابات المقبلة بعد انتخابات الكونغرس في منتصف الدورة. لكن بوش حدد معركة الحرية في العالم أجمع كمعركته المقبلة، كما حدد قضية احتلال المحكمة العليا بالمحافظين، والمضي أيضاً في مشروع «مجتمع الملكية الخاصة» بخصخصة حتى مؤسسة الضمان الاجتماعي وهي المؤسسة الوحيدة التي بقيت من عصر روزفلت، وسياسة الـ«نيو ديل». فالرئيس بوش يريد «نيو ديل» جديداً بتشجيع من الوول ستريت جورنل والايكونوميست وغيرهما. والخطة باختصار هي «تمكين» العامل او الموظف او كل من يدفع مخصصات الضمان الاجتماعي من ان يفرز بعضها في حساب توفير خاص يستثمره اذا شاء، ويحرر الدولة بالتالي من عبء دفع جزء من رسوم تقاعد للمواطن لا تتوقف إلا مع ممات الشخص. وحياة الناس تزداد طولاً حتى لو قلت عرضاً، ولا نهاية للمخصصات. والتزامات الدولة لها تقاس بالترليونات. وبهذه الفكرة الجهنمية للخطر يعرّض بوش مصير مخصصات دخل الناس البسطاء الذين عملوا ودفعوا شهرياً رسومهم، للمضاربات والمجازفة في البورصة وغيرها.

في اطار سياسة «النيو ديل» تحدث روزفلت عن أربع أنواع من الحرية (فريدوم): حرية التعبير، وحرية المعتقد، والحرية من العوز والفاقة، والحرية من الخوف. كانت هذه استنتاجاته من الأزمة الاقتصادية الكبرى. ولكن الرئيس بوش الجديد سيعرض حريات الناس الثلاثة الاولى للخطر، بما فيها الحرية من العوز التي جعلت روزفلت يقيم مؤسسة الضمان الاجتماعي في مواجهته، وذلك بتحويل الحرية من الخوف الى حرية نشر الخوف على أمن اميركا. وهي حرية تستخدم لتقييد بقية الحريات حتى في المجتمع الأميركي ذاته.