الحرية قبل الديموقراطية وليست بعدها

فهمي هويدي - السفير

 

من أغرب مفارقات زماننا ان شعوبا عدة في عالمنا العربي باتت تساق الى انتخابات <<حرة تماما>>، في حين ان تلك الشعوب فاقدة الحرية من الأساس. الامر الذى يجسد الفصل بين الديموقراطية والحرية، فيستدعي الاولى ويؤجل الثانية، على نحو لا يختلف عن وضع العربة أمام الحصان.
بين ايدينا نموذجان طازجان يجسدان تلك المفارقة: الانتخابات الفلسطينية التي تابعنا احداثها قبل ايام قليلة (في التاسع من الشهر الحالي)، والانتخابات العراقية التي يفترض ان تجرى بعد خمسة أيام. في الحالتين يرزح الشعب تحت احتلال من العيار الثقيل. كما ان الانتخابات تعد مطلبا للمحتل، مضمراً إسرائيلياً في الحالة الفلسطينية، لكنه معلن ومشهور اميركيا في الحالة العراقية، لدرجة ان الرئيس بوش شخصيا يقف على رأس المطالبين بإجرائها في موعدها. فضلا عن ذلك فهي <<مفصلة>> بحيث تحقق المصالح المرجوة. آية ذلك ان اللاجئين المقيمين بالخارج حرموا من التصويت في الحالة الفلسطينية رغم ان عددهم يتراوح بين 4 و5 ملايين شخص، في حين أنهم في الحالة العراقية (عددهم مليونان) استدعوا للتصويت حيثما كانوا، في مشارق الارض ومغاربها. وحين يكون الامر كذلك فل ابد أن يبعث على الشك والارتياب، حيث لا يخطر على بال احد أن يكون الدافع اليه هو الحرص على صدق تمثيل الارادة الشعبية للفلسطينيين والعراقيين. وهو ما لا نتوقعه في أرييل شارون، ولم نعرفه في ممارسات الرئيس بوش. ثم اننا لم نقرأ في أي تحليل اميركي محترم ان احدا منهما مشغول بالمسألة من هذه الزاوية، الامر الذى يعني ان لهما <<مآرب اخرى>> تخدم مصالحهما في نهاية المطاف. فإسرائيل التي سعت الى التخلص من الرئيس ياسر عرفات، وما زال اتهامها بتسميمه معلقا في رقبتها، رحبت بالانتخابات التي اتت بقيادة فلسطينية جديدة املا بتحقيق هدفين، اولهما وقف الانتفاضة وشل حركة المقاومة المسلحة، وثانيهما التوصل الى تسوية تنتهي بإقامة دولة فلسطينية (في غزة على الارجح) مع تأجيل كل القضايا الجوهرية الاخرى في الملف: القدس والاستيطان واللاجئين والحدود.
إن شئت فقل إن الانتخابات الحرة ليست فقط تلك التي تتوافر لها حرية التصويت أمام صناديق الاقتراع، ولكنها أيضا تلك التي يتمتع فيها المواطنون بحرية الأرادة والاختيار. أعني أنها ليست فقط تلك التي يمكن فيها الناس من التصويت بغير ضغط ولا إكراه أو إرهاب، أو تلك التي يتم فيها فرز الأصوات دون تلاعب أو تزوير. إذ الأهم من ذلك أن تتم في جو ترفرف عليه رايات الحرية، حرية التعبير وحرية إصدار الصحف وحرية تشكيل الأحزاب السياسية... إلخ. وهي الظروف التي من شأنها تحرير إرادة المواطن وتعزيز قوة المجتمع وتحصينه، من خلال ما تفرزه من مؤسسات مدنية ومنابر مستقلة تسهم بتشكيل الرأي العام، وتكبح جماح السلطة وتحول دون تغولها أو طغيانها.
إن الانتخابات حين تصبح غاية فإنها في أحسن فروضها توفر <<لحظة حرية>>. وحين تظل وسيلة فإنها تصنع مجتمعا حرا. ومن أسف أن لحظة الحرية هي التي يجري تسويقها الآن. ويتضاعف الاسف حين نجد أن النخبة مشغولة بترقب تلك اللحظة بأكثر من تركيزها على استحقاقات وشرائط إقامة المجتمع الحر المشارك والفعال.
ما يسري على الانتخابات ينطبق بالقدر ذاته على غيرها من عناوين ومفردات الممارسة الديموقراطية، من قبيل تشكيل الأحزاب وتأسيس مجالس ومنظمات حقوق الانسان والدعوة لإقامة مؤسسات المجتمع المدني وتمكين النساء من شغل الوظائف القيادية والعامة... الخ. ذلك أن تلك الجهود كلها إذا تحولت الى غايات ولم تصب في وعاء المشاركة الحقيقية وتعزيز الحرية في المجتمع، فإنها تصبح من قبيل محاولات الإلهاء التي تؤدي الى تزييف الديموقراطية وتفريغها من مضمونها.
لا بديل من وضع الحصان أمام العربة لكي تتقدم المسيرة صوب بر الامان. ولذلك لا مفر من تقديم الحرية على الديموقراطية واعتبارها مقاسا لها. إذ بالاولى نصل الى الثانية بصورة تلقائية، في حين أن التجربة علمتنا أن العكس غير صحيح. بمعنى أن الديموقراطية الشكلية يمكن توظيفها لإجهاض قيمة الحرية وإحداث قطيعة معها.
ليس في الأمر مغامرة من أي نوع. هذا ما تؤكده خبرة بلد كالهند وصل عدد سكانه الى مليار نسمة، وتعايشت في ظله تمايزات وتناقضات عرقية ودينية واقتصادية لا حصر لها، جعلته أصعب بلد يمكن أن تمارس فيه الديموقراطية. لكنه بالحرية امتص تلك التناقضات، وحقق في ظلها إنجازات اقتصادية كبيرة. وقدم نموذجا للاستقرار النسبي القائم على التسامح وتداول السلطة، الأمر الذي أضاف الى رصيد الهند انجازا سياسيا جديرا بالاحترام والاحتذاء.
ما حدث في الهند حصل مع أندونيسيا (250 مليون نسمة) التي بدورها بلد صعب للغاية، يحفل بالتناقضات والمشاكل التي ترواحت بين الصراعات الدينية (بين المسيحين والمسلمين) وبين دعوات الانفصال في (مقاطعة آتشيه مثلا). ومع ذلك فإن البلد خاض التجربة الديموقراطية الى نهايتها، وتم فيه تداول السلطة ثلاث مرات خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام الرئيس سوهارتو في عام 1998، بعدما ظل محتكرا لها طيلة 32 عاما، احتمى فيها الفساد بالاستبداد.
لم يكن في النجاح السياسي الذي حققه البلدان وكفل لهما الاستقرار سر. وإنما الذي حدث لها انهما اتبعا ذلك النهج البسيط الذي بمقتضاه تم وضع الحصان أمام العربة. فتجاوزا ديموقراطية اللحظة والمناسبة وتعاملا مع الانتخابات بحسبانها وسيلة لإغناء المشاركة، لا غاية استهدفت تثبيت ما هو قائم. لذلك فإنها كفلت في يسر شديد تداول السلطة، فأضفت حيوية على الحياة السياسية، وأزالت كل اسباب الانسداد ومن ثم الاحتقان السياسي. في الوقت ذاته فإنها رسخت اقتناع الناس بإمكانية تحقيق التغيير السلمي، الامر الذي قطع الطريق تلقائيا على دعاة التغيير بالعنف. حتى المتطرفون السيخ الذين يمثلهم حزب <<بهارتيا جاناتا>> حينما جاؤوا الى السلطة في الهند (عام 99) فإنهم تقلدوا موقعهم برضى الناس واختيارهم بأصوات الأغلبية أعني لكنهم اضطروا للتخلي عنها في أول انتخابات لاحقة (عام 2004) حين فاز حزب المؤتمر بأصوات الأغلبية. ومن ثم حق له أن يرأس الحكومة لمدة 5 سنوات على الأقل.
لماذا الحرية والديموقراطية الحقيقية ولادة عسرة في العالم العربي دون غيره من بقية أقاليم وأقطار العالم؟
من السخف أن يرد على السؤال بإحالة الإجابة الى <<جينات>> الانسان العربي، بدعوى أن تركيبته العضوية والنفسية لا تستجيب لقيم من ذلك القبيل. وأسخف من ذلك أن تتهم في ذلك عقيدة الأغلبية المسلمة في العالم العربي، بدعوى أن ثمة شيئا غلطا في العقيدة، يفضي الى تلك النتيجة البائسة. وهو الكلام الذي يردده نفر من الباحثين الغلاة، الذين يكرهون الاسلام والمسلمين (بعضهم عرب للأسف) ومنهم المستشرق اليهودي برنارد لويس، الذي ما برح يسوّق الفكرة خصوصا في كتابه <<أين الخطأ>>، متصدرا قائمة المنظرين لتشويه كل ما له صلة بالعرب أو المسلمين. وهم المنظرون الذين يلوون التاريخ، ولا يترددون في <<حرق>> مراحله ، وتجاهل حقيقية الحضارة العظيمة التي أقامها العرب والمسلمون يوما ما، وكانت وما زالت بمثابة صفحة مضيئة ومشرقة في سجل المسيرة الانسانية.
لكنني لا أتردد في الإجابة بأمرين، أولهما أن عسر ولادة الحرية والديموقراطية في العالم العربي راجع الى فشل النخب العربية في الدفاع عن استحقاقاتهما. ولهذا الفشل اسباب يطول شرحها، بعضها يتعلق بالبيئة السياسية والبعض الآخر يتعلق بالصراع الفكري الذي غيّب الإجماع الوطني، خصوصا بين النخب العلمانية والاسلامية. الأمر الثاني أن مصالح القوى المهيمنة في الخارج والداخل التقت على ضرورة إجهاض أي جهد من شأنه التوافق على إقامة مجتمع الحرية والديموقراطية، الذي سيكون بالضرورة رافضا للهيمنة الغربية. وتحضرني هنا الشهادة المهمة والمثيرة التي أوردها الدبلوماسي البريطاني المخضرم جون كاي في كتابه الذي أصدره بعنوان <<زرع الريح>> وعالج فيه جذور الصراع في الشرق الاوسط. في ذلك الكتاب، الذي أشرت الى مضمونه في مقال سابق، قال صاحبنا صراحة إن العالم العربي ضحية موقعه الفريد في قلب العالم. وهو الموقع الذي جعل قوى الهيمنة تتنافس في السيطرة عليه. وأضاف ان الدول الغربية هي التي رسمت الخريطة السياسية للمنطقة (في سايكس بيكو عام 1916)، وهي حريصة على الإبقاء على تلك الخريطة كما هي حتى الآن. ومنذئذ فإن تلك الدول المهيمنة لم تتوقف عن التدخل في مسيرة المنطقة وفي صياغتها وفقا لمصالحها الاستراتيجية.
خلاصة هذا الرأي أن تغييب الحرية والإبقاء على الديموقراطية الشكلية هو الوضع الامثل الذي يطمئن قوى الهيمنة إلى استمرار مصالحها الاستراتيجية، التي أصبحت مختزلة في الثروة النفطية والوجود الاسرائيلي. ورغم أن ذلك الاعتبار يضاعف من عسر الولادة المنشودة، ويرفع من درجة التحدي المطروح على دعاة الحرية والديموقراطية الحقيقية، إلا أن سنة الحياة وعبرة التاريخ تطمئننا الى أن الارادة الوطنية اذا تحركت، وكان عزمها أكيدا فلن يحول دون تحقيق مرادها شيء. ذلك أن الله ينصر من ينصره. وما الانحياز إلى الحرية إلا انتصار لحق من حقوق الله. ثم لا تنس أننا منذ كنا صغارا في المدارس كنا ننشد دائما بيت الشعر الذي يقول: إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.
إن سنن الكون في انتصار الشعوب وظفرها بحريتها قد تتأخر لسبب أو آخر، لكنها لا تخيب أبدا. وليس مطلوبا منا سوى أن <<نعقلها>>، ثم نتوكل.