هل أصبح الإعلام السوري عبئاً على السياسة؟  مروان قبلان     الحياة     2005/01/23

 

 

إذا كانت وظيفة الإعلام الرسمي المملوك لأي دولة في العالم التعبير عن توجهات هذه الدولة ومواقفها السياسية من قضايا راهنة فإن ذلك لا ينطبق على الإعلام السوري في هذه المرحلة بالذات. اذ ان المتابع لهذا الإعلام لا بد من ان يشعر بتخلف خطابه مقارنة بالمواقف والتصريحات التي تصدر عن المستوى السياسي, ما يتعلق منها باستحقاقات الإصلاح الداخلي او بالتحديات المفروضة من الخارج. فهذا الإعلام ما زال الى حد بعيد يعيش ظروف الحرب الباردة ويردد الخطاب الإيديولوجي الذي سيطر في حقبة سياسية - تاريخية معينة على مختلف جوانب الحياة في هذا البلد. فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي وفي وقت كانت السياسة السورية تحاول التأقلم مع المتغيرات الدولية والإقليمية من خلال تبني مواقف براغماتية بعيدة من الإيديولوجية السائدة ظل الإعلام السوري منغلقاً على نفسه منقطعاً عما يجرى حوله وسجيناً لواقع مصطنع كرّس عجزه عن مواكبة اي تحول في المواقف السياسية الرسمية إن لجهة شرحها للرأي العام المحلي او لجهة ايصال إشارات الى المراقب الخارجي. وحتى وقت قريب اقـتـصرت الخسائر الناجمة عن عبادة الإيديولوجيا وتقديس الذات وصعوبة التأقلم مع المتغيرات المحيطة على فقدان الجمهور المحلي الذي سرقته المحطات الإذاعية الغربـيـة الناطقة بالعربية في فترات مبكرة مثل "بي بي سي" و"مونت كارلو" و"صوت اميركا", ثم ورثته عنها المحطات الفضائية العربية التي انتشرت كالفطر خلال السنوات الأخيرة.

كان على الإعلام السوري ان يقبل بهذا الوضع لسببين: الأول, فقدان السيطرة على تدفق المعلومات وتنوع مصادرها مع انتشار وسائل الاتصال والمعلومات الحديثة, إذ لم يعد في مقدور القائم على الإعلام ان يحدد للمواطن ما يرغب بمشاهدته, فقرار اختيار المادة الإعلامية ونوعيتها اصبح شأن المشاهد وحده يقرره في بيته ومن خلال جهاز الاستقبال الذي يملكه. والثاني ان هذا الإعلام ليس تنافسياً, فهو مملوك للدولة وبالتالي فإن استمراره لا يخضع لاعتبارات النجاح او الفشل في تحقيق مردود مادي او في استقطاب الجمهور حتى لو كان هذا الجمهور واقع بحكم الجغرافيا السياسية في اطار السلطة السيادية للدولة.

في مرحلة معينة بدا ان الإعلام السوري مستسلم لحقيقة انقطاع الصلة بينه وبين جمهوره من دون ان يقع تحت اي ضغط لتطوير نفسه واستعادة ما يجب ان يكون حقه بخاصة بعد ان تلاشت حماسة الدولة لتعبئة رأس المواطن بخطاب سياسي لم يعد احد - بما في ذلك نخب الدولة نفسها - مؤمناً به على رغم استمرار وسائل إعلامها بترديده. لكن الأمر اختلف بوضوح بعد احتلال العراق وتزايد الضغوط الخارجية على سورية.

فالإعلام السوري الذي ظل يردد ما اعتاد عليه من خطابات خشبية ومواقف دونكيشوتية اخذ وبسبب جموده وعدم قدرته على فهم ما يجرى حوله يورط قيادته السياسية في مواقف ليست في وارد تبنيها. وبسبب كون سورية واقعة تحت المجهر الدولي والغربي تحديداً في قضايا مثل لبنان والعراق وفلسطين, فإن اهمية هذا الإعلام بدأت تتعدى حدود قدرته على جذب جمهور معين لمتابعته, بل اخذت تنبع من مراقبة الخارج لما يكتبه او يصدر عنه من مواقف على اعتبار انه يعبر عن وجهة نظر القائم عليه. وفي كثير من الأحيان يجرى اختزال الموقف السياسي من قضية معينة بما تقوله وسائل إعلامه الرسمية وفي ذلك لا نستطيع لوم احد على اعتبار ان من واجب الإعلام التعبير بالفعل عن موقف القائم عليه. وأشار ولتر راسل ميد المستشار في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي الى حقيقة هذا الأمر خلال زيارته الأخيرة الى دمشق عندما حاول ان يشرح صعوبة إحداث تغيير في موقف الولايات المتحدة السلبي من سورية, إذ ذكر ان العرب عموماً والسوريين خصوصاً لا يستطيعون فهم آلية صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية لأن مفهومهم لصناعة القرار مختلفة. ففي سورية - والكلام ما زال للمستشار الأميركي - يتم صنع القرار ضمن خلية مؤلفة من الرئيس ووزير خارجيته وفي افضل الحالات تتم الاستعانة بمجموعة صغيرة من المسؤولين, اما في الولايات المتحدة فإن العملية شديدة التعقيد بسبب الانقسامات بين اجنحة السلطة المختلفة وتأثير جماعات الضغط والكونغرس والرأي العام والإعلام وغيرها. وعند مواجهة المسؤول الأميركي بالقول ان لدى سورية اعتبارات مشابهة علق ساخراً بأن هذا لا يخرج عن كونه نوعاً من الدعاية للحكومة السورية. لكن موقفه بدأ يتبدل عند الإشارة مثلاً الى وجود اتجاهين في اروقة السلطة السورية حول طريقة التعامل مع قرار مجلس الأمن 1559, يدعو الأول الى الاعتراف بأهميته وتطبيقه في الوقت المناسب, ويحض الثاني على رفضه وإيجاد آليات مناسبة لمواجهته. فما كان من الضيف الأميركي إلا ان سأل مستغرباً: ولكن لماذا لا نسمع او نقرأ في وسائل إعلامكم على غرار ما يحدث في لبنان مثلاً, بخاصة اننا نتابع الإعلام العربي بشكل جيد. وكانت الإجابة ان وسائل الإعلام السورية غير قادرة حقيقة على التعبير عن الموقف السياسي.

لا شك في ان هذا الموضوع بدأ يسبب نوعاً من الأرق لدى النخب السياسية والفكرية والثقافية السورية. فكان ان صدرت قرارات بتطوير هذا الإعلام بطريقة تعكس عمق التغيير في المواقف السورية من قضايا مهمة وكذلك حجم المتغيرات على الساحة الدولية والإقليمية. لكن القرارات وحدها لا تستطيع تغيير واقع جرى تكريسه بطريقة منهجية على امتداد عقود طويلة وهو ما لمسته الحكومة السورية التي بلغت درجة من الضيق بدأت تشكو معها من بطء اعلامها في فهم مواقفها فضلاً عن استيعاب المتغيرات على الساحة الداخلية والإقليمية. وقد تركزت الانتقادات في مجملها على فقدان هذا الإعلام القدرة على المبادرة الذاتية في اي شأن مهما كان صغيراً. فأي تغيير يجب ان ينتظر وصول الأوامر من الأعلى, حتى ان وزير الإعلام الجديد الذي يعتبر ثوروياً بطروحاته اضطر الى التدخل اكثر من مرة لتغيير طريقة جلوس المذيع مثلاً امام عدسة التلفزيون او طلب تعديل عنوان خبر رئيس تعاملت معه وسائل الإعلام بالطريقة الفجة القديمة, او طلب رفع سيف الرقابة التي تعمل بآليات تعود الى العهود العثمانية بخصوص موضوعات معينة. وبلغ يأس الحكومة من قدرة اعلامها على التغيير ومواكبة التقنية الحديثة والعمل بروح مهنية ان بدأت تستعين بوسائل إعلام عربية لتوضيح وجهات نظرها من قضية معينة بدل استخدام وسائل الإعلام الخاصة بها او التعهد الى من تجد لديهم القدرة في التعبير عن حقيقة مواقفها بكتابة مقالات في صحف خارجية لتمرير موقف سياسي من قضية معينة.

والواقع ان الإعلام السوري الذي تحول على مدى الأربعين سنة الماضية - حاله حال كل وسائل الإعلام العربية والعالمثالثية - الى آلة دعائية جبارة وظيفتها تعبئة الجماهير ضمن اطار ايديولوجي معين والتعبير عن مواقف النخب السياسية - ومن ورائها المصالح الاقتصادية التي تمثلها - من القضايا الخارجية حقق نجاحاً كبيراً في فترة تاريخية معينة. لكن عوامل النجاح بدأت تتحول الى عوامل فشل بتلاشي الظروف التي خدمتها وبتغير السياسات التي فرضتها. فالحكومة السورية لم تعد في وارد وصفها بنعوت مثل "جبهة الصمود والتصدي" ولا "الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات الخارجية", كما لم تعد في وارد الحديث عن "ثوابت" في بيئة سياسية دولية تتطلب مرونة مفرطة فضلاً عن ان هذه التعابير والمفردات لا تعبر عن الواقع كما انها قد تعطي الانطباع بوجود تضليل إعلامي لمواطن واع وقادر على الوصول الى المعلومة الصحيحة بيسر وسهولة.

ان تطوير الإعلام السوري وتحويله من عبء على السياسة الى اداة تخدم اهدافها لا يتم إلا بمعالجة مدروسة للظروف والأسباب التي ادت الى تخلفه وجموده ويأتي على رأسها: تحريره من سيطرة خطاب ايديولوجي متخشب, وتحرير الإعلامي السوري من وطأة الرقيب الذاتي المسيطر بدافع الخوف وعدم الرغبة في تحمل المسؤولية تجاه اي خطأ, وتحرير المؤسسات الإعلامية من وطأة روتين قاتل عمره اربعة عقود, وتشجيع المبادرة الذاتية في التعامل مع أي حدث إعلامي ومحاربة ثقافة الجمود واللامبالاة, وإعداد كوادر إعلامية غير مؤدلجة وتأهيلها في شكل احترافي بما يساهم في رفع مستواها الثقافي والمهني, ومحاربة الفساد المالي والإداري في المؤسسات الإعلامية والحد من تدخل جهات غير اعلامية في التعيينات, وتخفيف سيطرة الجيل القديم الرافض لثقافة التغيير على إدارة المؤسسات الإعلامية, وضخ دماء جديدة في مفاصل الإدارة والقرار, وتحرير المؤسسات الإعلامية من المركزية الشديدة وإعطاؤها سلطات مالية وتحريرية واسعة, وإلغاء النظرة الى العمل الإعلامي على انه عمل ارتزاقي تسيطر فيه المادة على ما عداها, والتأكيد على دور الإعلام المستقل كعامل اساس في عملية التنمية, والتطوير ونشر ثقافة هادفة ورفع مستوى الشفافية, وتأكيد الدور الرقابي للإعلام لجهة الوقوف على حسن اداء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية, وسن قوانين جديدة تحمي الصحافي بدل ان تكبله او تذله, وضمان استقلالية نقابة الصحافيين عن اي سلطة او حزب, والتأكيد على ان مهمتها الأساسية هي حماية الصحافي وليس مراقبة ميوله السياسية والفكرية, والتأكيد على دور التكنولوجيا الحديثة في نجاح العمل الإعلامي المعاصر ورفد المؤسسات الإعلامية بما تيسر منها ورفع قدرة الإعلاميين على التعامل معها وزيادة الوعي بأهمية الرأي العام والاهتمام بمضمون الرسالة الإعلامية وشكلها بدلاً من التركيز على ملء الفراغ المكاني او الزماني في الإعلام المطبوع والمرئي والمسموع وتأكيد صدق الأجواء الانفتاحية اذ يخشى الكثيرون من ان هامش الحرية الذي تمنحه السلطة ما هو إلا مصيدة للمعارضين كما حدث في فترات سابقة, وتشجيع دراسات اعلامية جادة تتناول سبل تحسين وضع الإعلام وتنفيذ التوصيات والاقتراحات الناتجة منها, ووضع فلسفة إعلامية جديدة تحل محل الفلسفة القديمة وزيادة التنسيق والتعاون بين المؤسسات الإعلامية العاملة والأوساط الأكاديمية وإجراء دراسات مشتركة لخدمة العمل الإعلامي العام, وخلق جو تنافسي بين المؤسسات الإعلامية الحكومية والسماح بظهور إعلام سياسي خاص والابتعاد عن منهج التجريب في الإصلاح ووضع رؤية اصلاحية شاملة ومدروسة والابتعاد عن اسلوب "الترقيع" في حل المشكلات واستعادة ثقة الجمهور بإعلامه وردم الفجوة التي تفصله عنه.

يبقى ان نقول انه في غياب اي مؤشر على رغبة الحكومة السورية بالتحلل من وسائل إعلامها التي بدأت تشكل عبئـاً سياسياً عليها من طريق نقل ملكيتها, لا يبقى امامها إلا خيار تطويرها بطريقة تعبر عن حقيقة مواقفها على اعتبار انها ناطقة باسمها ومن واجب الناطق ان يعبر عن حقيقة موقف المنطوق باسمه. هذا الأمر يتطلب باختصار التركيز على مكونات التنمية الحديثة وهي الإدارة الناجحة والاستثمار في الموارد البشرية والتأكيد على دور التكنولوجيا العصرية في عملية التطوير.

* استاذ الإعلام في جامعة دمشق.