العراق الغائب الحاضر  -  بقلم كلوفيس مقصود – النهار

 

يبدو أن الرئيس جورج بوش يعتبر أن إعادة انتخابه تعفيه من أي مساءلة. وبدا من خطابه الذي ألقاه عندما أدى اليمين أنه اعطى أميركا منفردة حق ان ترسم للعالم معالم مستقبل مجتمعاته. بمعنى آخر استحضر رسولية الدور الاميركي معلبة بمثاليات آسرة، وشعارات فضفاضة تستهوي من تغيب عنهم المعاني البعيدة، فهي تنطوي على منهج يرسخ نمط الاملاء باخراج يتوخى الاقناع.

ورغم ان خطاب الرئيس الاميركي بهذه المناسبة كاد يوحي أن السياسة الدولية قد تطرأ عليها تعديلات جذرية في تعامل الولايات المتحدة مع المجتمع الدولي، الا ان المحك لقابلية توضيح عناصر محتويات الخطاب وتنفيذها لن يظهر الا بعد ان يخاطب الكونغرس في الايام المقبلة، اذ المفروض ترجمة عموميات خطاب القسم الى سياسات واجراءات أكثر وضوحاً والتزاماً. لكن لا بد أن ندرك ان خطاب القسم ينطوي على مؤشرات وإن كانت أولية عن مقاصد الرئيس بوش كما يريد أن يكون إرثه. كما يهيئ الرأي العام الاميركي والدولي للتكيف مع نياته وما يتصوره من أهداف يريد إنجازها.

وتقف خلف تصميمه على تعبئة الرأي العام الاميركي رسولية جامحة على الصعيد العالمي، كونه يدرك أن الادارة الثانية والاخيرة له سوف يرافقها نوع من الفلتان من أنصاره. فالعديد منهم يبدون رغبتهم في معارضة بعض برامج بوش خاصة في موضوع خصخصة جوانب رئيسية في قانون الضمان الاجتماعي. كما ان البعض الآخر من حزبه الجمهوري أمثال الشيوخ هايبل وماكاين ولوغار وغيرهم معترضون على أوجه عديدة من السياسة الخارجية التي يرسمها فريق المحافظين الجدد.

هذا لا يعني ان الفلتان سيحصل قريباً... لكن التململ الحالي في اوساط الجمهوريين سوف يؤول الى المجاهرة بالموقف المخالف. فرغم الوهج الذي رافق احتفالات خطاب القسم واشهر "العسل" التي سوف تستمر، الا ان غياب العراق عن خطاب القسم كان من ابرز اسقاطات الخطاب. فتفاقم التردي في العراق لا يزال العامل المقلق والمثير لجدل متواصل في المرحلة المقبلة من تعامل الولايات المتحدة مع العالم، وخاصة تعاملها مع المنطقة العربية وامتدادها الشرق اوسطي. وقد عبّر عن هذا القلق حدة المساءلة التي تعرضت لها كوندوليزا رايس خاصة حول السياسة الاميركية تجاه العراق. فحينما ووجهت بتصريحاتها المتناقضة عن اسباب غزو العراق تهربت من الاجابة بالادعاء ان طبيعة الاستجواب تشكك في التزامها بالحقيقة مما دفع العديد من اعضاء اللجنة الخارجية الى ان يطالبوا بمزيد من الوقت لتأكيد اهليتها لمنصب وزارة الخارجية رغم ان الموافقة مضمونة.

لكن الفلتان المتوقع بعد اشهر من جانب المعترضين داخل الحزب الحاكم حصل في اليوم الاول من العهد الجديد للرئيس بوش عندما ادلى نائبه ديك تشيني بتصريحه الخطير الذي اشار الى ان اسرائيل قد تضرب المنشآت النووية الايرانية. مما اوحى ان اجازة مسبقة لاسرائيل قد تكون واردة كعنصر ضاغط على الوساطة الاوروبية قبل زيارة بوش المقبلة الى اوروبا. اذ يبدو ان فريق المحافظين الجدد اعتبر ان عدم اختيار احد ابرز افراده بولتن نائبا لوزير الخارجية طعنة له ولتشيني. وقد يكون هذا احد التفسيرات التي دفعت تشيني الى الرد غير المباشر على ما اعتبره "المحافظون الجدد" نكسة لمشروع استمرار هيمنتهم على السياسة الخارجية. لكن هذا الفلتان من داخل ادارة الرئيس بوش يمكن احتواؤه موقتا لأنه اذا بقي الانطباع بأن هناك تيارين في ادارة السياسة الخارجية فان المنحى "الرسولي" الذي تجلى في خطاب القسم سوف يبهت ويمهد لازدواجية مربكة كانت دائما سبباً لسوء فهم ما تريده ادارة بوش.

ويبقى ما حصل ويحصل وسوف يحصل في العراق هو المفصل الذي يحدد موقف الرأي العام الأميركي من إدارة الرئيس بوش الثانية. وسيحدد ايضا تطور مواقف المجتمع الدولي تجاه نظام احادية القطب التي اذا استمرت قد تؤدي الى اجهاض المشروع الامبريالي الرسولي الذي يخطط له الفريق الذي دفع الولايات المتحدة الى تجاوز الشرعية الدولية بدون اي رؤية لما قد ينتج عن هذا "الغزو" من تداعيات سياسية ومعنوية ومادية وبشرية مكلفة للولايات المتحدة.

ان بوش عندما يعتبر ان اعادة انتخابه ازالت أي سبب لأثارة موضوع العراق، هو الى حد كبير يشكل الحافز للنفاذ الى حقيقة دوافع الغزو وعدم اعطاء الامم المتحدة فرصة التثبت من وجود اسلحة الدمار الشامل. ما هي اسباب التسرع؟ هل صحيح ان كل اجهزة المخابرات اعطت المعلومات الكاذبة؟ من المسؤول عن هذا التدهور في مصداقية الولايات المتحدة؟ ثم بعدما تأكدت انه لم يكن هناك اسلحة الدمار الشامل، ولم يكن هناك اي تنسيق مع منظمة "القاعدة"، لماذا لم تجر إدارة بوش تحقيقا صارما داخل اجهزتها مع من خطط لهذه المغامرة، وعن الاهداف الحقيقة لمن اوقع ادارة بوش في هذه المصيدة. هذه الاسئلة وغيرها لا يمكن ان تبقى بدون اجوبة، وهو امر بدأ يحظى بتأييد عدد متزايد من الاميركيين. لأنه اذا بقيت الأسئلة معلقة تنشأ حالة تجعل عدم المساءلة وعدم المحاكمة وعدم المعاقبة سابقة يمكن تكرارها في الساحة الداخلية كما في الخارج. فإعفاء مرتكبي ما حصل قد يمهد لإجهاض حق المساءلة الذي هو من صميم مقومات الحكم الديموقراطي الصالح. ولا ريب ان الإلحاح على إزالة سياسة التجهيل في ما حصل في العراق يتعدى العراق الى تأكيد حق المساءلة حماية لمتطلبات الحريات التي يتضمنها الدستور والتي أكد ضرورتها الرئيس بوش في خطاب القسم قبل يومين.

كما ان ما يحصل الآن في العراق، والذي يتمحور حول موضوع الانتخابات المزمع حصولها آخر هذا الشهر وسط الفوضى  الامنية والسياسية، هو احد اهم تجليات ونتائج فقدان تصور لمستقبل المجتمع العراقي. كما ان تغطية اسباب مخططي غزو العراق الزائفة بتبريرات كررها الرئيس بوش اثناء حملته الانتخابية ويرددها مسؤولي الادارة المجدد لها سابقة خطيرة. فهي اعفاء لها من مسؤولية التزييف والتزوير، وهي ترخيص للادارة بالانتقال من تبرير الى آخر وفق متطلباتها السياسية وليس طبقا لمصالح المجتمع الاميركي والدولي.

هنا، يجد المجتمع الدولي صعوبة في التعامل مع الحالة العراقية اذ انه لا يريد ان يترك العراق يتعثر ويتعذب ويعاني، بل يريد ان يستكشف اساليب ناجحة للمعالجة دون ان يؤدي ذلك الى مكافأة المحور الاميركي البريطاني على التزوير الذي قام به. لذا نجد ان المجتمع الدولي يحاول الاسهام في تجنيب العراق الانزلاق الى مزيد من التقسيم والفوضى، وفي اعادة اعماره بطريقة لن تجيز مستقبلا للمشروع الامبريالي القيام بمغامرات جديدة تفرض على المجتمع الدولي مهمات ادارة الفوضى. من هنا يمكن تفسير مطالبة البعض ومنهم حكماء بتأجيل الانتخابات أملا في ان يستطيع المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة ايجاد آليات تقلص احتمالات النزف.

اذا تمكن المجتمع الدولي، والولايات المتحدة في صلبه، من ان يجعل من تدخله تسريعاً لإنهاء الاحتلال وتأمين مرحلة انتقالية يتم اثناءها فرض مستوى أمني معقول، عندئذ يمكن العراق ان يستعيد توافقاً يمكّنه من رسم مستقبله واستعادة دوره وتفعيل طاقاته. وحينئذ يصبح  ما هو حاصل مرفوضاً ومرتبطاً بمرغوب يجب ان يحصل.

قد يقال هذا من باب التمني اكثر مما هو من باب الامكان. لكن اعتقد ان هناك اقتناعاً دولياً متنامياً بأن العراق إما أن يكون مدخلاً لمجتمع عالمي متعدد القطب اذا تم تفعيل دور انتقالي مركزي للامم المتحدة، او ان يبقى الأرض التي تزرع فيها بذور الهيمنة الامبريالية رسولية اميركية تؤكد قدرة الولايات المتحدة على الإملاء ولو بلباس الاقناع، كما ورد في خطاب القسم!

لم يعد جائزاً في الحالة العراقية أن تبقى الأمم المتحدة مهمشة وان يبقى العرب غائبين عنها، أو مغيبين عنها.

صحيح "ان لا عدالة بدون حرية" كما قال الرئيس بوش في خطاب القسم بالأمس، لكن أيضاً لا حرية بدون عدالة في العراق وفي فلسطين!