تحرك روسي من نوع مختلف -بقلم :جورج فريدمان -البيان

 

يشهد الوقت الحالي تغيراً في الطريقة التي تتعامل بها روسيا على المستوى الدولي، فهي آخذة في التخلي عن اهتمامها الرئيسي باقامة علاقات اقتصادية جيدة واستعدادها للتضحية بمصالحها الجيوسياسية، وبدأت بدلاً من ذلك في اتخاذ خطوات جيوسياسية هي أقرب الى السياسة الخارجية الروسية التقليدية منها الى السياسة الخارجية ل«روسيا الجديدة» وقد شعرنا بشيء من هذا التغير، أخيراً.

وظهر هذا التغير للعلن عندما أدانت اسرائيل صفقة أسلحة أبرمت بين روسيا وسوريا. وقال الاسرائيليون انهم يشعرون بقلق شديد حيال القرار الروسي بمد سوريا بصواريخ مضادة للطائرات تطلق من الكتف من طراز «إس إيه -18».

 

وهو نظام متطور. فضلاً عن ذلك، قيل ان الروس وافقوا على بيع صواريخ أرض ـ أرض من طراز «اسكندر إي» لسوريا، وهي الصواريخ التي ستجعل معظم أراضي اسرائيل في المرمى السوري.

وقال ريتشارد باوتشر، المتحدث باسم الخارجية الاميركية: نحن ضد بيع معدات عسكرية قاتلة لسوريا والروس على علم بهذه السياسة ذلك يعني:

1 ـ ان الروس آخذون في بيع أسلحة لسوريا.

2 ـ أميركا واسرائيل تعارضان هذه الصفقة.

3 ـ روسيا لا تعبأ كثيراً بما تراه اسرائيل أو الولايات المتحدة.

إن صفقة الاسلحة أمر مهم، ولكنها ليست في اهمية التغير الواضح في أسلوب التفكير الروسي، ففيما كان الروس في فترة من الفترات حريصين بشدة على ألا يتجاوزوا الضوابط الاستراتيجية التي وضعتها اميركا، فإنهم الآن يتعمدون تجاوز تلك الضوابط، فقد وقع أمر مهم.

ان ما نحسب انه حدث هو أوكرانيا، فقد قالت الولايات المتحدة، أخيراً، انها تخطط لإرسال مساعدات كبيرة الى اوكرانيا لدى تراجع حدة القلاقل هناك، وكان الروس قد اتهموا اسرائيل بتمويل الحركة المؤيدة للغرب في اوكرانيا.

فروسيا ترى في توجه اوكرانيا الى فلك الناتو والاتحاد الاوروبي تهديداً مباشراً لصالحها القومي، وتمثل اوكرانيا أهمية كبيرة بالنسبة للأمن الروسي في الجنوب، ولذا فإن قدوم الناتو الى أراضي اوكرانيا من شأنه ان يقوض القدرة الدفاعية الروسية بشكل كبير للغاية. وبالنسبة للروس فإن المخاطر في اوكرانيا هائلة.

وفي الوقت الراهن فإن لدى روسيا خيارات قليلة هناك. وهكذا فإنه اذا كانت اميركاَ ترى نفسها حرة في التدخل، فإن الروس على استعداد لقلب المائدة.

وسوريا، لاسباب كثيرة، هي الوسيلة المثلى للرد في هذا الصدد. فالاميركيون لا يزالون يحاولون ادارة السلوك السوري تجاه العراق. وينظر الاسرائيليون الى سوريا بوضوح على انها تمثل مصدر قلق استراتيجي دائم.

إن الامر الأكثر اهمية في هذا الصدد هو ان اميركا واسرائيل تنظران الى صواريخ «إس إيه -18» على أنها سلاح خطير في ايدي مسلحين متشددين منتشرين في جميع انحاء المنطقة، ولا تثق أميركا أو اسرائيل في ان السوريين لن يسمحوا، عمداً أو سهواً، لتلك الصواريخ بأن تذهب لأيدي اعدائها، ولذلك يتعارض ارسال تلك الصواريخ الى سوريا بشكل جذري مع المصالح الاميركية والاسرائيلية.

إن مفهوم الارتباط هو احد الأساليب الدبلوماسية الروسية التي درجت عليه موسكو منذ أمد طويل. والروس سعوا تاريخياً لتعويض ضعفهم في منطقة ما بممارسة ضغوط في مناطق اخرى لديهم فيها هامش تميز. واثناء المرحلة السوفييتية، كان هذا الارتباط في الاستراتيجيات اساساً من أسس السياسة الروسية.

وكان من المتوقع ان يكون التحرك ضد برلين هو الرد الروسي على غزو اميركا لكوبا. وفيما لم يكونوا قادرين على ايقاف الاميركيين في كوبا فقد كان هدف الروس ردع اميركا عن طريق تهديد مصالحها في اماكن اخرى.

نحن فعلاً لم نر مثل هذا السلوك من جانب الروس منذ فترة طويلة. ولكن المناورة الاميركية في اوكرانيا قد تجاوزت حدوداً جوهرية، من وجهة نظر الروس، فهم يرون دعمنا للعناصر الموالية للغرب في اوكرانيا ـ بصرف النظر عما اذا كانت تلك العناصر تمثل الغالبية ـ تهديداً مقصوداً لمصالحهم الاساسية.

ونظراً الى دعوات الغرب الى الديمقراطية على انها مجرد تسويغ لاحداث تحول جيوسياسي لا يمكن احتماله في منطقة النفوذ الروسي، وفيما لم يستطيعوا الرد على أميركا في اوكرانيا، فقد عملوا على الرد في سوريا.وتمثل سوريا أهمية كبيرة للدولتين اللتين يعتبرهما الروس مسؤولتين عن المسألة الاوكرانية.

 

فوجود انظمة دفاع جوي من الطراز الاول محمولة على الكتف في ايدي السوريين يمكن ان يؤدي الى انتقال تلك الاسلحة الى ايدي القوات التي تقاتل هاتين الدولتين، وهي خطوة لا يمكن تجاهلها على أنها غير مقصودة، والروس لن يقدموا على التقدم بطلب فج وصريح الى الاميركيين مثل ان يطلبوا مقايضة على ما يحدث في اوكرانيا، فهم يدعون اميركا واسرائيل للاحاطة بأنه كما تدين تدان.

كما انهم يعلمون العالم بأن روسيا تتبع سياسة خارجية جديدة تبدو مختلفة كل الاختلاف عن السياسة القديمة.

ليس من الواضح ما سوف تفعله كل من واشنطن وتل ابيب حيال الصفقة السورية. فليس لديهما الكثير مما يمكنهما التعويل عليه في علاقتهما بروسيا. وبالتأكيد لا تريد أي منهما ان يحصل السوريون على الاسلحة.

 

غير انه ستكون هناك فترة مهلة بين توقيع الاتفاقية وتسليم الاسلحة لاتاحة المجال لمواصلة المناقشات الدبلوماسية، إلا ان الثمن الروسي سيكون باهظاً ولا يجب ان يخفى ان هذه الصفقة هي ببساطة مجرد عينة لما يمكن ان يفعله الروس من أمور غير سارة.