موقع الثقافة في مشروع الإسلاميين السوريين -ياسين الحاج صالح - السفير

 

في سوريا لا يمكن للمرء أن يناقش أو ينتقد شيئا يخص الإسلاميين دون أن يحدد موقعه: هناك نقاش ونقد للإسلاميين يترصدان نواقص تفكيرهم بينما هما ينكران في الأصل شرعية وجودهم، وهناك نقد يقر بشرعيتهم لكنه لا يرتب على هذا الاعتراف الامتناع عن نقدهم. إن صواب مواقف الإسلاميين السوريين او تحليلاتهم او رؤيتهم العامة لا ينبع تلقائيا من الإقرار بشرعية وجودهم وحقهم المكافئ لغيرهم في العمل العام. وبالمقابل لا يمكن لمن ينكر شرعيتهم الوجودية إن جاز التعبير إلا أن يهدر جهده ووقته في حشد انتقادات تفصيلية أو حتى اساسية لفكرهم وتكوينهم وخياراتهم السياسية.
هذا المقال يقتصر على مناقشة موقع الثقافة في <<المشروع السياسي لسوريا المستقبل: رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سوريا>> (صدر في لندن في الشهر الأخير من عام 2004).
الشيء الأكثر لفتا للنظر في <<المشروع>> هو غياب مفهوم الثقافة. وبينما تستخدم كلمة ثقافة عدة مرات فإن أبرز ما في مفهومها غيابه. نجد تعابير من نوع <<النوادي الثقافية>> التي <<تهتم بالتطوير الفكري لدى الشباب وتزودهم بثقافة اصيلة تحصنهم ضد المذاهب الفكرية العبثية والممارسات الشهوانية الهدامة>> ص 113؛ و<<الجمعيات الثقافية>> التي <<تحض على الاخلاق الكريمة وتنشر قيم الفضيلة والعفاف في المجتمع>> ص115؛ و<<الاستعمار الثقافي>> الذي <<أدى إلى ازاحة مناهج التربية الإسلامية وتشويش العقيدة في نفوس المسلمين، وكذلك الحيرة الفكرية، وزعزعة توازن الشخصية المسلمة، وتعميق الإحساس بمركب النقص، وعقد التخلف>> ص121؛ و<<مواجهة ضغوط العولمة الثقافية، والعمل على نشر الثقافة الإسلامية بطرق عصرية وجذابة>> ص123. وذو دلالة أن التعابير المذكورة موزعة على فقرات مهتمة بقضايا الشباب والمرأة والإعلام والتربية.
بالمقابل، يكثر المشروع من استخدام مفهوم الحضارة والتحدي الحضاري (كان عنوانه الأصلي <<المشروع الحضاري الإسلامي لسوريا المستقبل>>، وهو يحيل إلى ذاته بهذه التسمية مرارا في متن صيغته الحالية)، لكن المقصود بالحضارة غير واضح. وفي موقع واحد على الأقل يقول المشروع ان الحضارة واحدة وإنها جهد إنساني مشترك. وفي غياب تعريف واضح لمفهوم الحضارة نرجح أن المشروع وفيّ لإحدى ثوابت الفكر الإسلامي الحديث في قصر الحضارة على دائرة الماديات والتقنيات الإنتاجية والإدارية. فالمشروع الحضاري بهذا المعنى بمثابة مزاوجة للقيم والشريعة الإسلامية مع النظم السياسية والإدارية والتقنيات الحديثة.
إلى جانب مفهوم الحضارة يستخدم المشروع مفاهيم العلم والفكر والمعرفة... ويتحدث بدرجة من التفصيل عن قضايا التربية والإعلام والبحث العلمي. لكن مؤلفيه لم يشعروا بالحاجة إلى إفراد فقرة خاصة للثقافة.
ما السر في ذلك؟ نجد طرفا من الإجابة إذا تفحصنا سياق ورود كلمة ثقافة فوق. ونلحظ أولا انها ملحقة بشيء آخر: نوادي، جمعيات، استعمار، عولمة. ونلحظ ثانيا أن إشكالية التفكير فيها تجمع بين الوصائية والتمحور حول العدوى والتحصين من العدوى. وعند الحديث عن ثقافة إسلامية لا نجد تعريفا لها، لكنها مطابقة بالتأكيد للثقافة الأصيلة التي تحصن ضد <<المذاهب الفكرية العبثية والممارسات الشهوانية الهدامة>>. ويرجح هذا المعنى أن المشروع يهتم بالطرائق العصرية والجذابة لنشر ثقافة إسلامية يبدو انها ثابتة ومتماثلة مع ذاتها. باختصار، تحيل كلمة ثقافة في المشروع إلى معاني الموروث والأصيل حين لا تحيل إلى معاني العدوى والتطعيم ضدها.
إلى ذلك، يصف المشروع الدولة الحديثة التي يتطلع إلى بنائها كدولة ذات مرجعية، ويقول إن للمرجعية <<مكونا عقائديا وثقافيا>> يُبرز <<خصوصيتنا الإسلامية>>. هنا ترفق الثقافة بالعقيدة وتحيل إلى الخصوصية.
والحال أن مفهوم الثقافة الغائب عن المشروع ليس الثقافة كخصوصية او كتراث أو كهوية ولا حتى كحضارة، بل الثقافة كفاعلية إبداع وتجديد وحرية، الثقافة بما هي خروج على الأصل والوصاية، خروج على النص، خروج من البيت، تحطيم للسياج، تمرد على السلف، <<قتل للأب>>، ومخالفة للأمر ولأولي الأمر؛ الثقافة كعدوى مرغوبة وكتعرض لفكر الغير وثقافته، الثقافة كتهجين وإخصاب وتلاقح و<<خيانة>>. الوفاء قيمة أخلاقية لكنه بالقطع ليس قيمة ثقافية، وللتحصين ضرورته في مجالي الوبائيات والعسكرية لكن ليس في الثقافة. إن سياسة ثقافية تتمحور حول التحصين لا يمكن إلا أن تكون سياسة مضادة للثقافة وحرية الثقافة.
ومع غياب مفهوم الثقافة يغيب مفهوم المثقف. لا تذكر الكلمة بتاتا ولا يشعر المشروع بلزوم قول شيء ما عن المثقفين أو لهم. كذلك تغيب الأنواع الثقافية التي ارتبطت بالحداثة وباستقلال الثقافة وظهور المثقفين: لا نجد كلمة واحدة عن السينما والمسرح والرسم والنحت، عن الرواية والقصة، ولا كذلك عن الموسيقى والغناء، عن الآثار والمتاحف... كما لا نجد مفاهيم النقد والفن والمخيلة.
ويبدو لنا أن جذر غياب مفهوم الثقافة والمثقف عن مشروع الإسلاميين يعود إلى مفهومهم للإنسان.
الإنسان في المشروع خليفة لله ومستخلف في الأرض. وهذا، حسب المشروع، ما يميز المفهوم الإسلامي للإنسان عن المفهوم الغربي الذي يؤلّه الفرد ولا يقر بحدود له غير حدود قدرته. والإنسان الإسلامي حر من حيث هو مكلف دينيا. ورغم أن الناس يحاسبون فرادى امام الله فإن للجماعة على الفرد حقوقا عينية وكفائية ينبغي عليه القيام بها.
هناك كما نرى إحداثيان للإنسان: خليفة لله، وعضو في جماعة. وبقدر ما أن الثقافة كإبداع نتاج للفردية التي ذمها المشروع (إبليس في التراث <<السامي>>، وبروميثيوس في التراث اليوناني القديم، وفاوست في التراث الغربي الحديث) فإنه لا مكان لها فيه. لن نجادل اصحاب المشروع فهمهم (الإنسان <<مستخلف>> من حيث هو إنسان بصرف النظر عن إيمانه... وهو حر سواء التزم بالتكليف أم لم يلتزم به، بل لعله حر لأنه قادر على رفض التكليف الإلهي...) لكننا سنلحظ أن الإنسان الفرد الذي يسائل السلطات السياسية والدينية والعائلية، الذي ورث نفسا زائغة، أمارة بالسوء، من إغوائه المؤسس على يد إبليس، الإنسان المعترض، المتمرد، المخالف، لا ينبت على هذه الأرض. إننا حيال صورة للإنسان الإسلامي، ولا أقول المسلم، كإنسان أحادي البعد، تخضع أدواره المتعددة لشرطه كمخلوق مستخلف وعبد لله ولالتزامه بهذا الشرط بالصيغة التي يحددها مفهوم عصره للإسلام الصحيح. ورغم ان المشروع يقر بحرية الاعتقاد في اكثر من موقع منه فإنه لا يبدو على بينة من أن حرية الاعتقاد تعني حرية عدم الاعتقاد وحرية نقد الاعتقاد وحرية تغيير الاعتقاد، وأن جوهر حرية المخلوق تمرده على الخالق.
وفي العمق، غاب مفهوم الثقافة عن مشروع الإسلاميين السوريين بسبب النزعة الاكتفائية الإسلامية التي تجعل من الإسلام ذاته ثقافة كافية. المشروع يشير إلى أنه <<من صميم موقفنا الشرعي والحضاري أن الحكمة ضالة لنا، ومهما كانت مشاركتنا في بناء الحضارة الإنسانية كبيرة أو ضئيلة، فإننا نعتقد أن ثقافات الأمم، وتجارب الشعوب، ومعطيات الحضارة الإنسانية بشقيها المادي والمعنوي هي مصدر إغناء لمشروعنا الحضاري، (فالحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق الناس بها) والاستفادة من تلك المعطيات يبقى محكوماً بالضوابط الشرعية والمصالح المشروعة>>. لكن ترحيبه بالحكمة يستأذن مصدرا شرعيا لا حكمة بشرية. وهو ما لا يمس بالاكتفائية الإسلامية أو المركزية الإسلامية التي تسم المشروع ككل.
في هذه النقطة لا يسجل الإسلاميون السوريون، للأسف، فرقا ذا بال عن تيارات إسلامية شديدة التعصب تعتقد ان الله أغنى المسلمين عن كل شيء بالشريعة. هذا موقف عدمي بحق، وظلامي بحق، ومعاد للحضارة بحق. وأهم من كل شيء معاد للحرية التي احسن الإسلاميون السوريون حين جعلوا منها <<القضية الأساسية في سوريا اليوم>>. فالحرية تجد <<اشرف>> ثمراتها في الإبداع الثقافي، الفكري والفني والأخلاقي. ولا معنى لحرية التفكير والاعتقاد التي يقر بها الإسلاميون إن لم تكن حرية كل فرد في إبداع الأفكار وفي تفحص الاعتقادات وتغييرها ونقدها و... نبذها أيضا. وإنه لذو دلالة انه في كل مرة تحدث اصحاب المشروع عن الحرية شعروا بالحاجة إلى قول شيء ما عن قيم الأمة وثوابتها.
والحال لا يحتاج الإسلام ولا المجتمعات الإسلامية للثقافة والإبداع الإنساني الدنيوي بل إن الثقافة محتاجة للإسلام أيضا، وبالخصوص في عالم يحتل فيه المسلمون موقع الشرير ويتعرض الإسلام ذاته للإدانة فيه من قبل <<أمم مثقفة>>. ينبغي ان يكون لدى الإسلام والمسلمين ما يرغبون في قوله للثقافة، ما يصرون على قوله. ليست الثقافة خطرا أو عدوى، الثقافة هي الحل.