الساعة تسير لمصلحة لبنان الديموقراطي - أكرم البني - النهار

 

إذ يثار انسحاب القوات السورية من لبنان كخبر شبه مؤكد فإنه لا يزال موضع تشوش والتباس تقدير الحال اللبنانية التي سوف تعقب ذلك، ما الذي يحتمل أن يصير إليه لبنان، هل تعود المواجهات الى سابق عهدها وينهار السلم الأهلي، أم تستطيع الدولة والقوى اللبنانية إدارة الصراع تحت مظلة حكم المؤسسات وسيادة القانون؟!

بين هذا وذاك ثمة مصالح ومواقف وأيضاً عوامل عديدة  يقف على دورها ونضجها الجواب عن سؤال، هل يكون اليوم التالي للانسحاب السوري من لبنان يوماً غائماً تفوح منه روائح التفكك والاحتراب، أم عتبة لمرحلة جديدة من التعايش والتوافق يثبت اللبنانيون فيها قدرتهم على رسم صورة راسخة لاجتماع ديموقراطي ؟!

ليس نافلاً الرهان على حضور معاناة الماضي وآلامه كرادع لاحتمال انفلات الوضع اللبناني نحو صراعاته الطائفية والمذهبية التي يرجح الكثيرون حصولها بعد تراجع النفوذ السوري استناداً الى تقدير مبالغ فيه عن صعوبة التوفيق ذاتياً بين تنازع المصالح والمواقف اللبنانية.

  صحيح أنه ليس في لبنان اليوم شخصية كاريزمية جامعة وطنياً يمكن أن تملأ الفراغ الناجم عن غياب الوزن السوري، وليس من قوة، بعد أن انحسرت الثقة بعمومية السلطة وحيادها، قادرة على لعب دور رئيس في ضبط الصراعات الداخلية وترشيدها تحت مظلة واحدة، لكن الصحيح أيضاً أن مآسي الحرب الأهلية والخسائر التي عمت الجميع والتضحيات المجانية التي هدرت على مذبح الحسابات الأنانية والضيقة، ربما تكون حاضرة وفاعلة موضوعياً لتحجيم أية اندفاعات تدميرية وتالياً توليد حالة تفاهم أو تعاقد مضمر بين مختلف الفئات الشعبية والسياسية من أجل حماية السلم الأهلي، والنأي ما أمكن عما يضعفه وينهكه من ضروب العصيان والتمرد الداخلي، ثم وبعد أكثر من عقد من الزمن ألا يساهم طعم الحياة المشتركة الذي ذاقه اللبنانيون بعد طول معاناة في الدفاع عن قيم التعايش والحرص عليها ؟!

ما يخفف أيضاً من تطور الخلاف الى احتراب داخلي هو خصوصية المستجدات التي يشهدها لبنان والتي نهضت بصورة رئيسة بفعل متغير خارجي وليس بسبب تفاقم الاحتقانات الداخلية، بل تظهر التفاعلات الداخلية اللبنانية أشبه بردود فعل ومنازعات بين حصص ومشاريع سياسية مستقبلية أكثر مما هي صراعات لقوى متخندقة في امتيازات الماضي. فالسياسة السورية هي التي فتحت الباب لحضورهذه المستجدات وتوالدها ودخول الدور الفرنسي يلقى الى الآن احتراماً من قبل غالبية اللبنانيين ويشكل عامل توازن واطمئنان على المستقبل حتى لو فسر كشكل من أشكال المحاصصة على النفوذ في المنطقة، طالما ينازع احتمال هيمنة أميركية في ظل شيوع اقتناع بأن موقف واشنطن من لبنان يرتهن في أهم أسبابه الى الحال العراقية ومدى الحاجة الى تطويع الدور السوري في مصلحة أمن العراق واستقراره.

والاعتراف بأن الانسحاب العسكري المرتقب ناجم عن ضغط عالمي لا يعني أبداً  أن السياسة السورية فقدت كل أوراق قوتها بل لا تزال تملك مقدرة يحسب حسابها على المناورة والإشغال، فما تم بناؤه خلال عقود من نفوذ سياسي وأمني وركائز اقتصادية لا يمكن شطبه بجرة قلم. وأيضاً صارت لبعض القوى اللبنانية مصالح عميقة وراسخة تتعارض مع انحسار الوزن السوري. ثم من المرجح ووفقاً لاتفاق الطائف تمركز قوات عسكرية سورية في شمال البقاع لحماية الخاصرة السورية والحفاظ على سوية الموقع التفاوضي مع إسرائيل.

وربطاً مع حجم الخسارة الاقتصادية، وانحسار التسهيلات التي كانوا يتنعمون بها في لبنان وأيضاً الخوف من أن يهدد نجاح لبنان الديموقراطي الاستقرار الهش لأنظمة لا تزال تعتمد أساليب الاستبداد وترعاه لضمان سيادتها وهيمنتها، من غير المستبعد أن يلجأ بعض المتنفذين السوريين الى تضمين ورقة الاستقرار اللبناني حساباتهم، وليس غريباً أن تظهر اندفاعات غير منطقية وأحياناً هجومية ومستهترة تجاه لبنان في محاولة، ربما يائسة، لوقف تدهور الوزن السوري وإعادة الأمور إلى سابق عهدها، وتالياً الميل  الى دفع السياسة السورية رغم شروطها الصعبة كي تخوض معركة النفوذ في لبنان كمعركة  " كسر عظم "  دون تقدير للعواقب المحتملة.

ولا نذيع سراً عند القول إن ثمة تعويلاً على هذا الصعيد عند بعض صناع السياسة السورية وأصحاب الامتيازات، فيجدون في إحياء تخلخل الوضع اللبناني وجره الى أزمة وفاق والتهويل بخطورة التيار الإسلامي، وأنه يتحين الفرصة للانقضاض على المجتمع ثم التشجيع على تسخين الحدود اللبنانية مع إسرائيل، يجدون في ذلك ما يشبه سيناريو متكاملاً يمكن الإفادة منه لإظهار الدور السوري كحاجة موضوعية لا غنى عن استمراره في لبنان وأنه خير من يضبط إيقاع الصراع بين اللبنانيين وحدود دور المقاومة في آن واحد.

من المفارقات المدهشة أن معظم القوى السياسية المعارضة في سوريا أو الموالية للنظام تعترف ضمناً أو جهراً بالنجاح الذي حققته السلطة في العقود الأخيرة من القرن الماضي على صعيد إنماء الدور والنفوذ الإقليميين، وأنها استطاعت أخيراً الخروج من لعبة " الصراع على سوريا " كما عنون باتريك سيل كتابه الشهير، ودخول الصراع الإقليمي كرقم فاعل وأحياناً قوي، لكن بعد انهيار الحليف السوفياتي وتفرد الرأس الأميركي واحتلال العراق، يفترض التنبه إلى أن الطرائق والأساليب التي كانت تدار بها الأزمات في الماضي فقدت اليوم الكثير من جدواها وفاعليتها فإذا نجحت السياسة السورية بعقليةالماضي واساليبه في كسب جولات معروفة في غير زمان ومكان، وبالأخص في لبنان، لتعزيز حضورها الإقليمي وتمكنّها من أوراق قوتها، فإن تلك الأساليب لم تعد تجدي نفعاً اليوم بل قد تفضي إلى عكس الأهداف المتوخاة وتدفع الأزمة إلى ذروة قاتلة، مما يجعل من أية خطوة هجومية لا تأخذ في اعتبارها حقيقة توازن القوى الجديد الحاصل وجدية ردود الفعل العالمية وطوق الحصار شبه المحكم الذي أحاط بالساحة السورية، نوعاً من المغامرة أو المجازفة غير المحسوبة النتائج، ولعل من الأجدى في هذا السياق التأمل ملياً بالآثار السلبية التي نجمت عن اندفاع السياسة السورية وتفردها في تقرير مصير الاستحقاق الرئاسي اللبناني!!

من جهة أخرى ثمة قلق واضح أن لا ينجح الوضع الذاتي اللبناني في استثمار هذه المتغيرات وتوظيفها لتأكيد حضوره واجتماعه الوطني، فما يشهده لبنان من شيوع أساليب التحدي واستعراض القوة ولغة المهاترات والانفعال لا يخدم أحداً ولن يؤدي إلا الى مزيد من تعزيز دور العوامل الخارجية أياً تكن في تقرير مصير اللبنانيين.

صحيح أن المعارضة اللبنانية نجحت في كسر الطوق الطائفي جزئياً لكنها وقد انتقلت الى موقع الهجوم، معنية اليوم أكثر من غيرها بالكشف عن وجه وطني عريض لا تظهر عليه ملامح التسرع وأهازيج النصر وانعدام الصبر، قادر على بلورة خطاب يفتح الباب واسعاً للتوافق والتشارك مع مختلف الأطراف اللبنانية دون استثناء، وينأى تالياً عن أية اندفاعات أنانية وضيقة تعمّق التخندقات وتشعر الخاسر أنه خسر كل شيء ولم يعد له مكان في المرحلة المقبلة، وبدون هذه الروح من المحال تشجيع أطراف أخرى على تقديم التنازلات الضرورية لخلق التفاهمات وبناء التوافقات أو حسم تردد مجموعات وزعامات إسلامية هي اقرب الى بعض المعارضة في رؤيتها ومواقفها من الصراع الدائر ومن مستقبل لبنان.

ربما تكون الظروف الموضوعية مؤاتية لرفد مهمة بناء دولة مركزية ديموقراطية لكن تطور الحال اللبنانية لا يزال قلقاً وحرجاً ولا يزال توازن القوى متقلباً وحساساً ولن ينجح أي طرف وحده في خلق " بديل " يشكل مظلة للجميع ويحظى بثقة الناس واحترامهم. وما يحصل من تطورات لن تثمر وتأتي أوكلها إلا إذا اتضحت قدرة الشعب اللبناني على الانتقال من عهد الوصاية الى حكم نفسه بنفسه، وتمكن اللبنانيون من تجاوز سقف التحزب مع القرار  1559  أو ضده، وأبدوا نوعاً من الحرص العام على الحياة المشتركة على قاعدة حاجة إصلاحية ديموقراطية متعددة المستويات سياسياً واقتصادياً تشارك فيها كل القطاعات الحية في الدولة والمجتمع اللبناني، وتتضمن صياغة صحية لعلاقات متميزة ومتكافئة مع سوريا وتطمينات جدية بأن لا يتحول لبنان الى جرح مفتوح في الخاصرة السورية وحرصاً على مصير العمال السوريين في مختلف القطاعات الاقتصادية اللبنانية، واهتماماً بتحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين وشروط حياتهم، وإصراراً على حماية الحقوق الوطنية اللبنانية واستعادة ما تبقى من ارض محتلة.

الساعة اليوم تسير لمصلحة لبنان الديموقراطي، وصيرورة التنمية السياسية رغم ما يعترضها من عثرات هو امكان مفتوح ووارد التحقق في مجتمع لا يزال يزخر بتقاليد الحرية وقيم التعايش، وربما في نجاح اللبنانيين ما يقنعنا نحن السوريين قبل غيرنا بأنه لم يعد بالإمكان ضمان الوحدة الوطنية والسيادة والتصدي للتحديات إلا ببناء مجتمع حر معافى.