موقع سوريا في الاستراتيجية الروسية الجديدة؟  محمد ظروف- الوطن-قطر

 

يبدو ان هناك قراءة روسية جديدة لمفهوم ومستقبل العلاقات مع سوريا‚ حيث تؤكد هذه النظرة‚ انه وفي اعقاب التطورات الاقليمية الكبيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط‚ ولا سيما تلك التي أعقبت الاحتلال الاميركي للعراق‚ وانتشار القوات العسكرية الاميركية في مناطق جغرافية قريبة من الحدود الجنوبية لروسيا‚ لم يعد امام موسكو من منفذ سوى التوجه نحو سوريا‚ والسعي الى تعزيز التحالف معها خاصة وان الحصار الأميركي لروسيا‚ بدأ يقترب من «الدول المستقلة» والتي تشكل العمق الاستراتيجي لموسكو‚

وما جرى في اوكرانيا مؤخرا‚ حيث تمكنت الولايات المتحدة من فرض مرشح المعارضة‚ على مرشح موسكو وهو رئيس الوزراء السابق‚ يقدم مثالا صارخا على ان الجنرال جورج بوش‚ بدأ يزحف سياسيا على موسكو‚ وذلك على غرار ما فعل الغزاة الذين تحطموا على أسوار العاصمة الروسية‚ فكل هذه المعطيات والتهديدات‚ باتت تقلق سيد الكرملين فلاديمير بوتين‚ الذي صرح مؤخرا بأن روسيا‚ أظهرت للغرب الكثير من نقاط الضعف وان الوقت قد حان لإظهار نقاط القوة‚ وذلك في اشارة واضحة الى وجود استراتيجية جديدة لدى موسكو‚ بشأن التعامل مع الغرب‚

سوريا والاستراتيجية الروسية

وهنا لا بد من التساؤل: أين موقع سوريا في هذه الاستراتيجية الروسية الجديدة؟ وهل يمكن للعلاقة بين موسكو ودمشق ان تعود كما كانت عليه في عهد الاتحاد السوفياتي السابق؟ وهل ان روسيا على استعداد لإقامة تحالف عسكري واستراتيجي مع سوريا‚ لإحداث التغيير المطلوب في ميزان القوى؟

ان من المبكر الحديث عن استراتيجية روسية جديدة في الشرق الأوسط‚ ذلك ان موسكو تدرك ان الثمن سيكون باهظا ومكلفا‚ خاصة وانهم في الغرب عامة وأميركا خاصة باتوا ينظرون الى روسيا على انها أضحت من بلدان العالم الثالث وهي تستحق الشفقة وإلا كيف نفسر التهديد الذي اطلقته واشنطن بفرض عقوبات على موسكو في حال اقدمت على تزويد سوريا بالصواريخ وصفقة الاسلحة الحديثة؟

ان هناك من يرى في مثل هذا التهديد الأميركي بانه أكبر استخفاف بروسيا‚ لا بل انه نوع من التحقير لها لان الولايات المتحدة‚ لم تكن تجرؤ حتى على مجرد التفكير في فرض عقوبات كهذه‚ بل انها كانت تسعى دوما الى تهدئة رد الفعل السوفياتي‚ لان الاتحاد السوفياتي كان يشكل قوة عالمية مهددة لأميركا ولمصالحها الدولية‚

أما الآن‚ وبعد انهيار الدولة السوفياتية‚ ودخول روسيا في هذه الدوامة من المشكلات والأزمات الداخلية‚ فإن الغرب لم يعد يقيم أي وزن لأي قرار أو تمرد روسي‚ ويجري تفسير الضجة السياسية والإعلامية المثارة حول صفقة الصواريخ المفترضة لسوريا‚ بانها تعبير عن أشياء أخرى لا علاقة لها بالصفقة مباشرة‚ بل هي تمس طبيعة وجوهر العلاقات الروسية ــ الأميركية من جهة وعلاقة موسكو مع اسرائيل من جهة أخرى؟

اختبار القوة

لكن هناك في العالم العربي من ينظر الى المسألة من زاوية مغايرة‚ ويرى بان صفقة الاسلحة الروسية لسوريا‚ هي بمثابة اختبار القوة بالنسبة لموسكو‚ على أساس ان اصرار الجانب الروسي على اكمال الصفقة‚ سيعني بأن هناك استراتيجية روسية جديدة في الشرق الأوسط‚ في حين ان التراجع والرضوخ للضغوط الأميركية والاسرائيلية‚ سيوجه رسالة سياسية مغايرة‚ وبالتالي فإن الرهان‚ بات معقودا على هذا السجال! وبطبيعة الحال‚ فإنه بالنسبة للدول الكبرى‚ فإن المسألة لا تقاس بهذه الصورة‚ ذلك ان مثل هذه الدول تجري حسابات دقيقة وواقعية لمصالحها وحجم الأرباح والخسائر‚ ومن ثم تتخذ القرار المناسب‚

وفي كثير من الأحيان فإن العواطف لا مكان لها في مثل هذه الحسابات بالرغم من ان الناحية الاعتبارية والسيادية‚ تبدو مهمة في بعض الحالات كحالة صفقة الصواريخ الروسية لسوريا‚ فإذا ما حدث تراجع في موقف موسكو‚ فإن النتائج ستكون مدمرة بالنسبة لمستقبل أي دور روسي في المنطقة‚ خاصة وان الجانب العسكري من الصفقة يؤكد بان صواريخ «اسكندر» هي ذات طبيعة دفاعية‚ حيث يصل مداها الى 280كم‚ وبالتالي لا يمكن ان تكون المزاعم الاسرائيلية من ان امتلاك سوريا لمثل هذه الصواريخ‚ سيشكل تهديدا لأمن اسرائيل‚ سببا كافيا لالغائها‚ اللهم إلا إذا كان المقصود هو ان تقيس موسكو عمق المياه الأميركية في المنطقة‚

ويدرك المسؤولون في الكرملين هذا الجانب‚ ولهذا فهم يسعون الى تصويب الخلل او الجمود الحاصل في العلاقات مع سوريا خاصة والعرب عامة‚ والعمل على ادخال تعديلات استراتيجية في حجم هذه العلاقات‚ ولو اقتصاديا على الأقل‚

عودة روسيا

ومن الجهة المقابلة‚ هناك من يرى بان المسألة باتت مرتبطة مباشرة بعودة روسيا الى الشرق الأوسط‚ وهو خيار بات حيويا وملزما لموسكو‚ خاصة بعد ان امتد الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الاطلسي الى الحدود الروسية من الجهة الغربية ــ الشمالية‚ واقتربت القوات الأميركية من الحدود الجنوبية لموسكو‚ وبعبارة أدق‚ فإن روسيا تواجه الآن ما يمكن تسميته بسياسة «الخنق الاستراتيجي» وهي مرغمة على ان تفتح ثغرة ما في هذا الجدار‚ لتعبر من خلالها الى مرتكزات المصالح الأميركية العالمية وهي منطقة الشرق الأوسط‚ ومن الطبيعي ان يختار الروس سوريا‚ لتكون هذه البوابة‚ خاصة وان هناك أرضية جاهزة لإحياء علاقات الصداقة والتحالف‚ اضافة الى الارث التاريخي والثقافي لمسألة هذه العلاقات‚ ويجادل أصحاب هذه الرؤية بان روسيا لن تتراجع عن ابرام صفقة الصواريخ والأسلحة المفترضة مع سوريا‚ لانها اي موسكو‚ تريد من خلال هذه الصفقة توجيه رسالة قوية الى واشنطن انه يمكن لروسيا ان تخرج من حالة الحصار وانه من الأجدى للولايات المتحدة ان تعيد النظر بدبلوماسية «الخنق الاستراتيجي» والتي ازدادت وضوحا‚ بعد تمرد قوى المعارضة في أوكرانيا على مرشح موسكو‚ وربما يأمل الجانب الروسي في ان يحصل على تنازلات أميركية‚ مقابل هذه الخطوة‚ سواء في الشيشان او حتى في اوكرانيا نفسها‚

والتهويل الأميركي من ان واشنطن قد تفرض عقوبات على موسكو‚ إذا ما تم ابرام صفقة الصواريخ مع سوريا‚ يشير الى ان الثمن الذي تريده روسيا‚ قد يكون كبيرا إذا ما قررت تجميد الصفقة‚ وبالتالي فإن الدبلوماسيين الروس العاملين في عواصم الشرق الأوسط‚ يرغبون ان تعود موسكو الى سياسة المواجهة واستخدام القوة‚ من دون ان يعني ذلك العودة الى أجواء الحرب الباردة‚ لأن الأمر يفترض ألا يصل الى هذا الحد‚ وروسيا لا تحتمل التبعات!!