هل تخرج سورية من لبنان؟ د. عصام نعمان - القدس العربي


تتعرض سوريّة، كما لبنان، الي ضغوط سياسية متصاعدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1559. أبرز بنود القرار سحبُ القوات السورية من لبنان وتجريد حزب الله من السلاح.
لا تمانع سوريّه، كما لبنان، في إعادة نشر قواتها في إطار إتفاق الوفاق الوطني في الطائف الذي يقضي بإنسحابها من كل المناطق اللبنانية وتموضعها في وادي البقاع طالما حال الحـرب قائمة مع إسرائيل. لكن سوريّه ولبنان تعارضان تجريد حزب الله من السلاح. فهو قلب المقاومة اللبنانية لإسرائيل وعقلها وذراعها، وقد أضحي قوةً يحسب لها حساب ورديفا للجيشين اللبناني والسوري في مواجهة العسكرية الصهيونية المتوحشة.
ثمة سبب آخر لحرص سوريه علي تموضع قواتها في لبنان. فقد أضحي لها فيه وجود ونفوذ ومصالح تتعلق بإقتصادها الوطني وأمنها القومي ووزنها الإقليمي. لذا فإن إنسحابها منه قسرا ينعكس سلبا علي تلك المكاسب والمزايا، ويعّرض نظامها السياسي للإهتزاز.
لتفادي الإنسحاب الكامل من لبنان تحاول سوريّه عقد صفقة سياسية مع كلٍ من الولايات المتحدة من جهة وبعض زعماء المعارضة اللبنانية وتكتلاتها من جهة اخري. فهي مستعدة لتطوير تعاونها امنياً وعسكريا مع واشنطن لمنع تسلل المقاتلين الأصوليين عبر حدودها الشرقية الي العراق، كما تبدي إستعدادا لإعادة النظر بأسلوب إدارتها الأمنية للبنان علي نحوٍ يهذّب اداء أجهزة المخابرات، ويقصيها عن التعاطي في الشؤون السياسية، ويوسّع تاليا مساحة الحرية.
لا تبدي واشنطن إهتماما بكل هذه الإغراءات السورية المفترضـة. فهي تري، شأن باريس، ان الرأي العام اللبناني إنقلب علي دمشق بسبب سوء الإدارة الأمنية للشؤون السياسية وتلازمها مع الفساد المريع المنسوب الي بعض المسؤولين اللبنانيين من حلفائها. ذلك كله بات يهدد، في رأي واشنطن، حلفاء دمشق بهزيمة أكيدة في الإنتخابات اللبنانية القادمة، خصوصا مع إستمرار الضغط السياسي عليها .
هل تدرك دمشق تدني شعبية حلفائها وتعاظم التبرم بسلوك أجهزة مخابراتها ؟
يري بعض المراقبين ان أجهزة المخابرات تضلل القيادة السورية بعدم نقلها صورة صادقة عن واقع نفور الناس من حلفائها الفاسدين، وعن دور رجالها في مشاركة بعضهم والتغطية علي بعضهم الآخر، وعن أن نهجها الراهن مجرد تكرار لنهج جري إعتماده في إنتخابات العام 2000، اذْ تظاهرت المخابرات يومها بمحاربة بعض رجالات المعارضة وأحزابها علي نحوٍ بالغ الفظاظة ما ادي الي توليد نفرة من رئيس الحكومة آنذاك الدكتور سليم الحص ومرشحي كتلته، فيما كان بعض أجهزة المخابرات يدعم ضمنا خصومه وخصوم سوريّه المفترضين في دوائر بيروت وجبل لبنان والشمال !
يستبعد فريق آخر من المراقبين تكرار أجهزة المخابرات نهج إنتخابات العام 2000 في إنتخابات العام الجاري لسبب بسيط هو إفتضاح سلوكياتها الأمنية والسياسية علي نحوٍ شامل. ويقول هؤلاء ان خطة المخابرات في الانتخابات القادمة تتمحور حول التوافق مع المعارضة، كلها او بعضها، علي قانون للإنتخاب يتضمن تشكيلا مؤاتياً لها للدوائر الإنتخابية في ظل نظام الاقتراع الاكثري يمكّنها من الفوز بنحو 50 مقعداً نيابياً ما يتيح لبعض رموزها العودة بقوة الي السلطة عبر حكومة إئتلافية يكون لهم فيها دور وازن. كل ذلك لقاء تخلي المعارضة عن المطالبة بتنفيذ بنود القرار 1559، لا سيما ما يتعلّق منها بسحب القوات السورية وتجريد حزب الله من السلاح.
لا يبدو ان المعارضة، المدعومة سياسيا من فرنسا والولايات المتحدة، تري فائدةً في عقد صفقة مع سوريّه. فهي واثقة علي نحوٍ متزايد من قدرتها علي الفوز بالأكثرية الساحقة من المقاعد النيابية في دوائر محافظتي جبل لبنان وبيروت، وبعدد وافر منها في بعض دوائر محافظات الشمال والجنوب والبقاع. كما يبدو ان المسؤولين المختصين بشؤون لبنان في فرنسا والولايات المتحدة يرون هذا الرأي ويخططون لإجراء انقلاب سياسي ابيض، عبر الانتخابات، من اجل إخراج سوريّه من لبنان او كسر شوكتها علي الأقل.
هل تتحمل سوريّه هزيمة من هذا الطراز؟
يعتقد بعض المراقبين المتخصصين بالنظام السوري انه يصعب الجزم بما ستكون عليه الحال إزاء هزيمته المفترضة. غير انهم يؤكدون ان لديه بدائل أربعة قد يختار واحدا منها لتفادي الهزيمة.

ہ التدخل في الانتخابات علي نحوٍ يمكّن حلفاء سوريّه من الفوز بأكثرية مقاعد مجلس النواب.
هذا النهج ممكن إجرائيا، لكنه مؤذٍ سياسيا إذ يتيح للولايات المتحدة وفرنسا فرصة ذهبية لتوليف تعبئة سياسية وإعلامية كاسحة، عبر المعارضة، لإسقاط حلفاء سوريّه ولتسريع إخراجها من لبنان.
ہ إجراء إنقلاب في التحالفات السياسية يتأتي عنه إقامة تحالف بين حلفاء سوريّه الرئيسيين و التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون هدفه تنفيذ بنود إتفاق الطائف بواسطة حكومة إئتلافية تضمّ شخصيات مسيحية من تيار عون وأخري راديكالية من حزب الله والقوي اليسارية والديمقراطية. كما تتولي هذه الحكومة إجراء إصلاحات سياسية واسعة وإنجاز مصالحة وطنية شاملة، وإرساء قواعد علاقة استراتيجية مميزة بين لبنان وسوريّه، والتمهيد لإنتخاب عون خلفاً للعماد اميل لحود في رئاسة الجمهورية.
هذا الخيار صعب تحقيقه بسبب موقف عون السلبي من سوريّه. واذا تحقق فصعبٌ استمراره لضيق هامش المناورة أمام عون بعد إنتقال تجمع قرنة شهوان المعارض بزعامة البطريرك صفير و اللقاء الديمقراطي بزعامة وليد جنبلاط الي مواقف اكثر حدة وتطرفا حيال سوريّه من موقف عون.

ہ التهديد برفع المظلة الأمنية السورية عن لبنان وطبقته الحاكمة ما يؤدي الي صعود المنظمات الأصولية والأحزاب الراديكالية الي سطح العمل المباشر وتهديدها امن الطبقة الحاكمة، بجناحيها الموالي والمعارض، وتاليا إعادة خلط الأوراق. كل ذلك بقصد إكراه رموز هذه الطبقة علي إجراء مفاضلة سريعة بين الوضع الراهن علي علاّته والوضع الممكن أن ينشأ بكل مخاطره وشروره، فيرسو الإختيار علي الوضع الأول مع إدخال بعض التعديلات والتحسينات عليه.
هذا الخيار محفوف بمخاطر جمّة ويشكّل في الواقع قفزة في المجهول قد ينجم عنها فوضي شاملة تطاول بذيولها النظام السياسي في دمشق.

ہ وضع قانون جديد للإنتخاب يعتمد نظام التمثيل النسبي علي أساس المحافظات الخمس التاريخية او تقسيم كلٍ من هذه المحافظات (ما عدا بيروت) الي دائرتين إنتخابيتين كبريين لضمان الإختلاط الطوائفي الوطني من جهة وعدالة التمثيل من جهة أخري، فتجري الانتخابات في مناخ جديد، وفق قواعد جديدة وعلي نحوٍ يسمح بتجديد الطبقة السياسية.
هذا الخيار هو الأفضل والأكثر واقعية بين الخيارات الأربع. لكن لا سبيل الي إعتماده الاّ بتأمين الشروط الآتية:
اولا: إقتناع القيادة السورية بضرورة التخلي عن سياسة المزيد من الشيء نفسه اللاديمقراطية المتبعّة في سوريّه ولبنان في آن، والخلوص الي ضرورة مباشرة حركة تصحيحية واسعة في سوريّه هدفها دمقرطة النظام علي ان يبدأ إختبارها في لبنان برفع القبضة الأمنية عنه لتمكين اللبنانيين عبر مؤسساتهم ومناهجهم وآلياتهم الخاصة من تطوير تجربتهم الديمقراطية المتعثرة.
ثانيا : مبادرة أهل القرار في لبنان الي الإرتفاع فوق مصالحهم السياسية الضيقة علي مفترق الطرق الذي يجد لبنان نفسه أمامه الآن بغية التوافق علي اقامة حكومة وفاق وطني حقيقي من خارج مجلس النواب تأخذ علي عاتقها، بصلاحيات إستثنائية، مهمة ايجاد المناهج والتشريعات اللازمة لإعادة تأسيس لبنان، دولة ووطنا، بدءا بوضع قانون جديد لإنتخاب مجلس نيابي علي أساس نظام التمثيل النسبي ليكون، بصحة انتخابه وعدالة تمثيله، بمثابة جمعية تأسيسية لتشريع تنفيذ جميع بنود اتفاق الطائف، وسائر الاصلاحات السياسية المستحـــقة لا سيما ما اصبح منها مواد نافذة في الدستور.
ثالثا: إجراء مصالحة وطنية شاملة لتكون قاعدة صلبة لمشاركة جميع الفئات والجماعات وشرائح المجتمع في الحياة السياسية، تبدأ بإصدار قانون عفو عام وشامل عن المحكومين بسبب جرائم ذات طابع سياسي.
رابعا: تنفيذ إتفاق الطائف بإعادة نشر القوات السورية في وادي البقاع في إطار معاهدة تحدد حجم الوحدات المتموضعة هناك وتنظّم علاقتها بالسلطة اللبنانية في منطقة انتشارها ومدة بقائها وتجديد هذه المدة ما دامت حال الحرب قائمة مع الكيان الصهيوني، وحماية المقاومة بما هي رديف للجيشين اللبناني والسوري.
خامسا: تخلي سوريّه عن أدعائها المضحك بانها لا تتدخل في الشؤون اللبنانية، وفي مسألة قانون الانتخاب تحديدا، لأن أحدا لا يصدق ذلك ولأن وقائع الماضي والحاضر تؤكد العكس تماما. فالمطلوب، إذاً، ان تتدخل سوريّه، قولا وفعلا، مع حلفائها ـ خصوصا أولئك الذين يتبنون رأيها ومواقفها بدافع من اعتبارات مبدئية او مصالح سياسية ـ من اجل توجيههم الوجهة الصحيحة التي سبقت الإشارة الي عناوينها في الفقرات الأربع الآنفة الذكر. كل ذلك من اجل الوفاء باستحقاقات ملّحة تتطلبها المصلحة الوطنية العليا في لبنان وسوريّه معا، ليكون التصحيح والتجديد في كل ما يقوم به البلدان في هذه المجالات تنازلا للشعب وليس تنازلاً للولايات المتحدة التي ترفع شعار الديمقراطية رياءً ونفاقا بقصد إمرار مشروعها الإمبراطوري للهيمنة علي دول المنطقة.
بتحقيق هذه الشروط يصبح لخروج سوريّه من لبنان معني نهضوي وتاريخي.


ہ كاتب وسياسي من لبنان