الاعلام العربي عام 2004: تهجين وتدجين... والتهييص سيد الفضاء!

 

  بقلم : أنور القاسم- القدس العربي

 


الآن وقد فرت عصافير عام 2005 متأبطة قشّاتها وحصيلة عام فضائي عربي، فيه بعض التألق ووفير الشحوب، جزره همي علي مده.
هدأ حشد برامج المسابقات، وأوزان الذهب، ولياليها الملاح، فتبخر من يربح المليون وصُهرت أونصات وزنك ذهب وأوزان الفضة في المحطات الحكومية. وتألقت وتسيدت مكانها سوبر ستار و ستار اكاديمي في الفضائيات اللبنانية.
وأذرت رياح الحرب علي العراق سخونة البرامج السياسية، التي هجعت بعد توثب، فالتهمتها الديمقراطية القادمة، وصبت علي ألسنتها المتوقدة قوالب الآسكا المجمدة.
العام الفائت شهد تبدل ملامح كل المحطات العربية، دون استثناء، لكن غالبها ليس للأفضل، فقد دُجن بعضها وهُجن كثيرها وعُجن بعضها الآخر، والتمع قليلها فنياً، فيما سري الخدر في عروق ما تبقي من محطات رسمية، فاكتفت هذه المحطات باستهلاك جميع الانتاج الدرامي غثه وسمينه، درجاً علي سنة استهلاك الكم لا النوع.
وبقي لفضائياتنا ـ ولله الحمد ـ حرية الغناء فمعظم فضائياتنا تغني، وتمتلك خصوصية ايقاعاتها، بدءاً من الدف وصولاً الي ذوات الشحوم الحمر، ليس مهماً هوية الاغنية وعما تعبر أو إلام ترمي، المهم التهييص، اهاصنا واياكم الله.
آثرت أن اتناول هنا مسيرة الفضائيات العربية خلال العام الفائت، كمتابع لانتاجاتها، وكمشاهد مهتم ومحايد، فمن الصعب ان يلم المرء بتفاصيل سنة كاملة، لكني سأركز فقط علي معظم الفضائيات، دون الارضيات، حسب ما بدت لاستطلاعاتي واستمزاجي آراء مدمني الفضائيات، وسأتناولها بتسلسلها الهرمي، وعلي حلقات، فأملي الواسع ان اقدم تحليلاً معقولاً نافعاً ونقداً مفيداً، وحسبي ان انجو من اللوم.

جزيرة الاحلام

فرس رهان جامح، اثخن بالجراح، لم يبق إلا قليل الدول العربية لم يرفع دعاوي ضدها، تارة للنيل منها وطوراً لتهشيم مصداقيتها، مستعينة بشتي السبل، فقد تجاوزت الشكاوي الرسمية التي رفعت عليها 225، فيما استمرت بعض الدول في منع اعتماد مراسليها، لتحرمها من النقل المباشر للاحداث.
إلا انها ما زالت تغني، بشموخ، مع السيد مكاوي الارض بتتكلم عربي ، ويتردد صدي تحديها في (الاتجاه المعاكس) وهو يستنهض غفاة الساسة الخائرين، مستعينا بالجمهور، وهو يحدو مع فيروز خبطت قدمكم عالارض هداره.. انتو الاعزا وانتو للصدارة .
و الجزيرة ، وهي تسابق الدقائق للقبض علي لحظة الحقيقة، تكاثرت عليها الانواء السياسية في العام الماضي، فقصفت الرعود السياسية موظفيها في العراق اولا، ثم اغلاق مكاتبها قسراً لاحقا، وتم القبض علي مراسلها تيسير علوني في اسبانيا، فيما تواصل التحرش بها امريكيا وخليجيا، واحيانا اوروبيا.
وحينما كانت عينا واشنطن تحمران علي الجزيرة كانت تتجه في تسريب ثمين اخبارها عبر العربية عقابا لها، وحينما تريد ايصال رسالة عريضة للجمهور العربي كانت تتجه لبث رسالتها عبر الجزيرة مضطرة.
وفي حين هدأت امواجها المتلاطمة في بعض موادها، وخاصة الاخبار، غير ان شريعتها في الحياة ثابتة، وظلت اكثر من قناة فضائية، تحاول ان تكون بلا حدود لتتعدي اهتماماتها ما يصنعه الرجال فتخاطب النساء فقط عقابا لهم.
والمأمول منها المحافظة علي خصوصية الاداء والاستمرار في تجاوز الخطوط الحمر وخلخلة المحرمات السياسية العربية، وان تبقي تستأنس بالمعارضات السياسية واشكالية حقوق الانسان، وتراقب الاداء السياسي للحكومات العربية، وتنقل تفاعلات السياسة الدولية بمهنيتها المعهودة، مع علمنا المسبق انها تستعيد حاليا مناجاة عبد الوهاب وتقول خايف أأول اللي بألبي ، فما زالت موضع الاحترام كله والجميع يرفعون طاقياتهم للجزيرة تحية.

العربية

استطاعت قناة العربية ان تحجز مكانها بثبات علي باقة المشاهدين في المقعد الثاني مباشرة بعد الجزيرة ، فقد أثمرت الستون مليون دولار (ميزانيتها السنوية ولمدة خمس سنوات) تقنية ومهنية، فافتتحت لنفسها 32 مكتبا في مناطق العالم الرئيسية تغطي الارهاصات والاحداث، سواء في الاخبار او في حواراتها، للتعليق علي الاحداث وتشريحها بـ العربي مع جيزيل خوري، تدعو المشاهد خليك هنا خليك بلاش تفارق .
ورغم توفرها علي تغطية واسعة وسرعة نقل للخبر، الا ان وجنتيها تحمران وتنكمشان، حينما يتعلق الحدث بالسعودية، او بالكويت، فتغدو مساحة الحقيقة هنا متواضعة.
وفي الوقت الذي دخلت بقوة في المنافسة مع باقي المحطات الخليجية تحديدا، الا انها لم تستطع امتصاص مشاهدي الجزيرة ، كما كان مخططا لها حين انطلاقها قبل عامين، لكن عام 2004 كان عام نجاحها، وتحقيقها اكثر من سبق صحافي، رغم عواصف المنطقة الهوجاء، التي اغلقت مكاتبها في العراق، اسوة بالجزيرة وبتشجيع ودعم من وزارة الخارجية الامريكية، كما قتل بعض صحافييها هناك، وواجه مراسلها في الكويت التوقيف القسري والتحقيق، فيما اعتدي علي مراسلها في قطاع غزة.
ويبدو انها ماضية في سياستها الحالية، وقد اتخذت من اغنية شادية شعارا لها، وتقول لمشاهديها يا رايح والسكة بعيدة .

قناة الحرة

في ضيافة الكرم العربي، لا قهوة ولا خراف ولا نوق، علاقة شك متبادل بين جمهور رافض وقناة تحاول جاهدة اختراق المنازل، ووراءها رغبة ملحة بالحوار، تناجي جمهورها مع محمد عبده دستور يا ساحل الغربي .
ورغم ان معظم الجمهور تخيل في البدء قناة امريكية اخبارية ناطقة بالعربية ستكون علي شاكلة
CNN وتمثل الديمقراطية الامريكية، وتنشر رسالة العدل والحرية والاصلاح الحقيقي، الا انها انطلقت ضعيفة شكلا ومضمونا، وفشلت بجدارة في حلبة المنافسة مع الجزيرة و العربية و ابوظبي . ورقصت وسط السلم فلا هي لمعت وحسنت صورة الولايات المتحدة المتجهمة في الخيال العربي، وفق ما رسمته الاستراتيجية الامريكية الجديدة لها، ولا هي اسست لملامح اعلام عربي جديد يمتلك ادوات تعبيره المختلفة، او حتي ارتقت بمستواها المهني الي ما هو موجود من محطات عربية، فظهرت للاسف بمظهر بائس باهت.
وكأني بجمهورها العربي يستعين بالاغنية الليبية في التعامل مع المحطة، والتي تقول خذ المحبس طلقني، انت عيّل ما تنفعني .
فالحرة تفتقد للمضمون الثقافي، وهويتها الفنية في برامجها المصورة متدنية، مع وجود القليل القليل من البرامج المعقولة، مثل برنامج ساعة حرة ، فيما تستأثر البرامج المحلية والداخلية الامريكية بحيز غريب، فهل بهكذا برامج تريد القناة التقريب بين الشعبين العربي والامريكي، بحيث تحبط الجمهور العربي، وتوصل رسالة له بأننا كلنا في التخلف والخدر سواء؟
وبعد مرور عام علي انطلاقها ورغم الامكانات المادية الهائلة التي تمد نسغها الا انها تواجه عقبات كأداء في تبريد الرأي العام العربي والاسلامي المعبأ ضد برامجها السياسية، التي ما اتت بأي خير للجمهور، وأمعنت في التحالف مع الديكتاتوريات والقيادات غير الديمقراطية ضد الناس.
وربما تنفع هنا نصيحة المفكر والصحافي السوري رياض نعسان آغا حينما قال ما معناه ان انفاق نصف ميزانية القناة علي اعادة بناء منازل الفلسطينيين، التي هدمتها اسرائيل بطائرات امريكية، وشردت اهلها يحقق لها مصداقية لا تحققها كل برامج التلفزيون مهما برع متحدثوها. (يتبع)
كاتب من أسرة القدس العربي