النقد الحداثي العربي للديمقراطية

 

 بقلم : خالد الحروب - الاتحاد

 

كثير من الكتاب العرب أسهموا بقوة في رصد مثالب الديمقرطية وتبيان "عيوبها" وعدم صلاحيتها إما الدائمة أو الظرفية للبلدان العربية. تلك المثالب والعيوب "يستورد" جلها إن لم يكن كلها من الأدبيات الغربية وتعتمد على النقد الغربي للديمقراطية. النقد الأخير ينطلق من منطلق النقد الذاتي والتصحيح والتصويب، لأن الديمقراطية متحققة في الواقع الغربي، والغرب في نهاية المطاف يملك ترف نقد الديمقراطية لأنه ينطلق من واقع ديمقراطي مهما كانت عيوبه. أما النقد العربي للديمقراطية فهو مضحك حقاً، لأنه مهما دافع عن نفسه سيصب الحب في طاحونة الدكتاتورية. في مقال سابق تعرض كاتب هذه السطور لتحفظات التيارات الإسلامية وخاصة السلفية على الديمقراطية، وكان أن رأينا أنها تتعدى مسألة المرجعية، أي أن مرجعية التشريع الديمقراطي هي الشعب. فتلك التحفظات طالت أسس المساواة المواطنية مؤكدة عدم مساواة المسلم مع غير المسلم في الدولة الإسلامية، وعدم مساواة المرأة مع الرجل، بما يقوض أي إحتمال للتقارب بين الفكرة الديمقراطية وفكر التيارات الإسلامية المذكورة. بعيداً عن المربع الإسلامي هناك تحفظات ليبرالية وحكومية على الديمقراطية من منطلقات فكرية تنظيرية فضلاً عن المنطلقات السياسية. في كتاب "أزمة الديمقراطية في العالم العربي" الصادر حديثاً، يقدم محمد الرميحي بحثاً عنوانه "الديمقراطية والنخب العربية"، ينقل بقدر لا بأس به تخوفات ليس فقط النخب الرسمية الحاكمة، بل وأيضاً تلك الأكاديمية والحداثية التي تنظر بشك لمآلات أية دمقرطة متسرعة. على عكس سجالات الإسلاميين مع الديمقراطية، نقرأ هنا مقاربة ليبرالية علمانية تقر بصلابة أن جوهر الديمقراطية يكمن في الإعتراف الذي لا غبش فيه بأن المواطنين المتساوين في الحقوق هم مصدر شرعية الحكم، وأن القوانين التي يخضع لها المجتمع هي من صنع نفسه عبر ممثليه وعبر عملية لا تنتهي من نقاش الآليات والأشكال القانونية وإعادة توليدها بما يوائم سيرورات التغير الإجتماعي الذي لا محيص عنه.

من تاريخ مثالية وسلامية أثينا ودكتاتورية وعسكرية أسبارطة، كما يشرح الرميحي، إلى ديمقراطيات ودكتاتوريات القرن العشرين، ظل الفكر العالمي السياسي أسير النموذجين وما بينهما. الدكتاتورية جلبت الخراب لمجتمعاتها، لكنها في حالات كثيرة جلبت النصر. والديمقراطية جلبت الحرية لمجتمعاتها، لكنها في حالات كثيرة أيضاً جلبت الحروب الأهلية والهزائم. والخلاصات المبثوثة في سطور الرميحي كما في قراءات نقدية أخرى للحل الديمقراطي تثير أسئلة ربما أكثر مما تجيب عن أسئلة، وقد يرى فيها البعض آثاراً للداروينية الإجتماعية. فهو يقول إن "الديمقراطية الناجحة في أي مجتمع تتطلب وصول هذا المجتمع إلى درجة معينة من التطور الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والذي يكفل نجاحها. بينما تؤدي الديمقراطية في غياب هذا التطور إلى وثوب اي مغامر غوغائي إلى السلطة ليقود مجتمعه إلى أوخم العواقب. وهنا ستكون الديمقراطية ليس فقط محفوفة بالمخاطر، بل وكارثة أيضا". ويشير الرميحي إلى حالات الدمقرطة في دول يوغسلافيا السابقة وبعض الدول الأفريقية التي تحولت إلى مجازر برأيه بسبب عدم تحقيق تلك الشروط.

وباروميتر الوصول إلى "العتبة" تلك، كما يُطرح، هو تطور طبقة وسطى ومؤسسات مدنية تكون حاضنة للتحول الديمقراطي. نظرياً وأكاديمياً، هذا الكلام جميل، لكن المشكلة العميقة فيه تكمن عند تقعيده على الوضع في البلدان العربية التي يتناول الكتاب حالتها. فهنا لا يمكن الوثوق بنخب حاكمة مهمومة بتطوير طبقة وسطى ولو بعد عقود تشكل المرحلة التوسطية للانتقال الديمقراطي. في حالات كثيرة، عملت النخب الحاكمة سواء عن قصد أم لا، على تذرير ما يمكن اعتباره شبه طبقة وسطى، وقسمت المجتمع إلى شريحتين، واحدة ثرية غنية وقليلة العدد محقود عليها من قبل الثانية التي هي فقيرة ومعدمه ومولدة لكل تيارات التطرف. ليس سهلا قبول أو رفض مقولة "العتبة" الإجتماعية والإقتصادية والثقافية الإشتراطية لحدوث التحول الديمقراطي، لكن الأمثلة العملية في العالم تكاد تدحضها. أكبر وأهم مثال يأتي من أكبر ديمقراطية في العالم، من الهند. فهنا يتحالف الفقر، والتخلف الإجتماعي الثقافي (نظام الطبقات...)، مع التطرف الديني والإثني بشكل بائس. لكن مع ذلك هناك ديمقراطية تعمل بشكل معقول، ولولاها لكانت الصراعات التي تنفجر بين الفينة والأخرى قاتلة ودائمة وربما لمزقت الهند من سنوات طوال. الديمقراطية الهشة والتي بالكاد تعتبر ناجحة في الهند كانت صمام الأمان هناك، وليس مفجرة الأزمات. أتاحت للضغوط والاحتقانات التي تتجمع مرة هنا ومرة هناك كنواتج طبيعية لعمليات التغيير الإجتماعي أن تنفس عن نفسها بطرائق غير عنفية.

عملية التحول الديمقراطي صعبة ولا يقلل أحد من أكلافها، لكن التخوف الزائد عن الحد من النواتج الهامشية السلبية التي تستجلبها معها يحبط التوجه الديمقراطي برمته. كما أن البديل عن الإنخراط في التحول الديمقراطي هو إعلان الوصاية على الشعب لأن غالبيته غوغائية وجاهلة. وهذا الأمر عملياً وواقعياً هو ما تطبقه عن قناعة معظم الأنظمة العربية بشكل أو بآخر، مع الاستمرار في عملية رشوة تلك المجتمعات بمظاهر ديمقراطية وانتخابية. والمشكلة في البلدان العربية لا تكمن في ميكانيكية إجراء الانتخابات أو بقية صور وآليات الديمقراطية الظاهرية، إذ ربما في كل بلد عربي هناك شكل ما من أشكال الممارسة الانتخابية، حقيقة أم ديكوراً. المشكلة تكمن في غياب التربية الديمقراطية في أوساط المجتمع نفسه، طبعا ناهيك عن النخب الحاكمة نفسها. نحتاج إلى صيرورة إجتماعية عميقة وطويلة تكسر الانغلاق على الفكرة الواحدة، وتهز القناعات بوجود موقف موحد، وتفتح الأفق على الإيمان بأن الحقيقية موزعة على الأطراف، وأن ليس ثمة أسود وأبيض عندما يأتي الأمر لسوسيولوجيا العيش المشترك ضمن إطار وطني. صحيح أن "الغوغائية" و"الشعبوية" سوف تسيطران على الأجواء العامة لفترات طويلة عقب أي تحول نحو الديمقراطية، وذلك على حساب التيارات والتوجهات العقلانية والحداثية، لكن لا يبدو أن ثمة مناصا من خوص التجربة بحلوها ومرها ودفع أكلافها. حيث إن الوصول إلى درجة التوازن الإجتماعي المتعقلن يجب أن يمر بمرحلة شرطية من المراهقات السياسية والشعبوية التي لن يكون ثمنها بسيطاً. وإذا نظرنا إلى شعبويات الشعارات التي سادت في السودان وإيران في العقدين الأخيرين نرى بوضوح كيف أنها انتصرت وسادت بسبب استثمارها لعواطف ومشاعر الغالبية. لكن الحال الآن في البلدين مختلف على مستوى المزاج الشعبي "والتعقلن". وسواء نظرنا إلى بروز تيار كامل من الإصلاحيين في إيران، أو انفضاض الناس في السودان عن الشعار المتأسلم فإن الخلاصة هي انخفاض مستوى تأثير الشعبوية والديماغوجية.