أحزاب لا تجد ضرورة لقانون أحزاب

  بقلم : أكرم البني     الحياة    

 

ثلاث نقاط يمكن التوقف عندها في قراءة أولية لجديد ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية في سورية الذي أقرته قيادتها المركزية أخيراً.

الأولى، جاء الميثاق ليسوغ بصياغات لغوية ما هو حاصل على صعيد المواقف الرسمية السورية وسياستها الخارجية التي كانت سائرة على مسافة بيّنة من منهاج الجبهة وثوابتها القديمة. فخفف بصورة لافتة وطأة حضور الشعارات التعبوية وأظهر وجهاً معتدلاً، تجاه الموقف من تسوية الصراع العربي الصهيوني مستبدلاً عبارة «لا صلح لا تفاوض لا اعتراف بإسرائيل» بالدعوة إلى «الالتزام بالشرعية الدولية، وقرارات منظمة الأمم المتحدة لحل الصراع العربي الإسرائيلي، على أساس مبادئ الحق والعدل والقانون الدولي». وصار «تحرير الأراضي العربية المحتلة بعد الخامس من حزيران هو الهدف الاستراتيجي». تلاه تنحية للخطاب الإيديولوجي من مسألتي القومية والوحدة العربية والتعويض بخطاب ملموس يدعو إلى «فهم مكونات الواقع العربي والعوامل المحيطة بالأمة، والعقبات الناشئة عنها، وتأكيد ضرورة تحقيق تكامل اقتصادي.... وتحقيق ثقافة عربية واحدة، ومؤسسات ديمقراطية».

النقطة الثانية، لم يأت الميثاق الجديد على صعيد السياسة الداخلية بأي جديد، اللهم سوى تخلي حزب البعث عن احتكاره المزمن لقطاع الشباب ليسمح أخيراً لحلفائه بالعمل والنشاط في أوساط الطلاب والشبيبة، مع تأكيد المنع في صفوف الجيش الذي يعتبر حكراً على الحزب الحاكم، وأحد المحرمات أو المحظورات الأشد خطورة وحساسية، ليؤكد الميثاق «تعهد أحزاب الجبهة بألا تقوم بأي تنظيم أو نشاط حزبي أو تكتل داخل الجيش والقوات المسلحة».

ويتضح من متن الميثاق استمرار حضور المفهوم القديم والقاصر عن التعددية أو العددية السياسية التي تجسدها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية والتي يفاخر بها أولو الأمر ويعتبرونها تنوعاً سياسياً فريداً ومتميزاً يمثل مصالح أوسع شرائح المجتمع وفئاته. لكن هذا لا يمنع من التنازل، في ضوء ما شهده العالم من متغيرات وفتح باب الانتساب لأحزاب أخرى لم تكن تنعم بمزايا هذه التعددية وخيراتها. فالجبهة تزداد غنى بزيادة عدد أعضائها مثلما اغتنت في العقود الماضية، وزادت من خمسة مؤسسين إلى تسعة. بانضمام اتحادي العمال والفلاحين إلى صفوفها، وحصول انقسامات لبعض أحزابها أنجبت توائم احتل كل منها مقعداً خاصاً.

بعد حوارات صعبة في غير مؤتمر عام عقدته كوادر الجبهة في السنوات الأربع المنصرمة لمناقشة سبل تحديثها وتطويرها، ضاع الأمل مع الميثاق الجديد في تخفيف قبضة التحكم وآليات السيطرة، إن في مستوى مناخات الحرية وشرعية وجود معارضة سياسية أو على صعيد الموقع الذي يحتله حزب البعث كحزب قائد ومقرر في المجتمع والدولة، وتالياً في الجبهة ذاتها.

ثم بدا لافتاً صمت الميثاق أو تجاهله المتعمد لاستحقاق الإصلاح الديموقراطي، ولمطالب باتت ملحة، تتعلق برفع حال الطوارىء، واحترام حقوق الإنسان، وطي ملف الاعتقال السياسي. واكتفي بعبارات عامة اعتدنا سماعها منذ سنوات طويلة عن «ترسيخ التعددية والديموقراطية النابعة من حاجات شعبنا وظروفه وقدراته ومطامحه وتحقيق مشاركته الفعلية الواسعة في البناء الوطني». ما يعني عودة حليمة لعادتها القديمة ومنح النخبة الحاكمة حق تقدير الظروف وقدرات الشعب وحاجاته، وتالياً ماهية التعددية والديمقراطية التي تلزمه.

ولا بد أن نعرج هنا، وجراح القامشلي لا تزال طرية، على مسألة مثيرة للقلق والاستغراب تتعلق بتغييب الحال الكردية، وإهمال مناقشة حقوق الأكراد الثقافية والسياسية في سورية مثل منح الجنسية للآلاف من المحرومين منها، وإزالة السياسات التمييزية ضدهم والاعتراف بحقهم في العيش على أرض هذا الوطن كمواطنين متساوين في الحقوق المدنية والسياسية.

النقطة الثالثة، تتعلق بما يسري من شائعات تذهب الى ان تعديل ميثاق الجبهة أسدل الستار، إلى أمد غير معلوم، على الدعوات المتكررة لإصدار قانون للأحزاب تفتقر له سورية، وأن خمسة من التنظيمات الجبهوية وجدت أن ليس ثمة حاجة لقانون أحزاب، وإن الميثاق الجديد هو أفضل خيار ينسجم مع خصوصية المجتمع السوري الذي لا يزال قاصراً ومتخلفاً، في رأيهم.

لكن يبدو أن ليس من حجة تقف على قدميها أو ذريعة تقنع أحداً تستدعي تأطير الإصلاح السياسي وتأخير إشاعة مناخ الحريات. وقد برهنت التجارب أن الانفتاح، واحترام التعددية السياسية وحقوق الإنسان، الدواء الناجع لتفعيل مجتمع راكد ومأزوم، وفتح صيرورة حقيقية أمام تطوره، وتعزيز وحدته وشحذ قواه في مواجهة مختلف التحديات.

والخصوصية لا تتناقض أبداً مع حقيقة أن أي مجتمع مكون من قوى ومصالح متباينة، من تيارات فكرية وسياسية متنوعة، يحتاج كغيره إلى مناخ ديموقراطي تعددي لتنظيم وإدارة أوجه الصراع والاختلاف بوسائل سلمية تقيه احتمالات العنف والانفجار، ما يعني أن الخصوصية السورية هي «خصوصية» في إطار «العام»، لا يمكن أن نخرجها عن سمات ومشاكل وحلول هذا «العام»، في التأكيد على أهمية الحريات، وإلحاح الحاجة إليها لانتشال مجتمعات من صيرورة التفسخ والانحطاط.

لقد شهد العقد المنصرم تسارعاً لافتاً في استجابة معظم الأنظمة الأحادية لاستحقاق هذا التحول. وبادر الكثير منها إلى التكيف وتأهيل نفسه لعلاقة جديدة مع المجتمع وأنشطته المختلفة، لجهة قبول مبدأ التعددية السياسية، وإجراء تعديلات في القوانيـن الناظمــــــة لحرية الأحزاب وموجبات تكوينها.

إلاّ أن سورية، «وما أسعدنا» لا تزال تسير على السكة القديمة، وثمة من لا يزال يتمترس وراء مصالحه الضيقة وامتيازاته السلطوية ويمانع إجـــراء أي تغيير أو إصـــلاح يمكـــن أن يهـــدد مصـالحه وامتيازاته. والميثاق الجديد يصدر بإصرار لافت على طرح رؤية شكلية وصورية للتعددية أو العددية السياسية في سورية، تقتـصر على أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحال هذه الأخيرة معروفة. فهي ليست حتى الآن أكثر من امتداد أو استطالات لنظام الحزب الواحد، بل محكومة، سياسياً وتنظيمياً، بهذا الأفق مهما كثرت وتنوعت أحزابها. ومقلق أن يستمر منع نشوء وتبلور قوى اجتماعية وسياسية خارج حقل سيطرة السلطة المباشرة، وإهمال ما حصل من متغيرات عالمية وإقليمية، أو تجاهل أزمة مجتمع متفاقمة وضاغطة تستدعي بإلحاح السير بسورية في وجهة جديدة من تطور الحياة السياسية.