حول جبلة وقصّابين والشاطئ وحقوق الإنسان في سورية: أدونيس

تحية - رسالة إلى أنطون مقدسي، وميشيل كيلو، وفايز ساره

‏- 1-‏

اعتدتُ، منذ أن تيسَّر لي الأمر، أي منذ فترة قريبة، أن أقومَ كلّ سنة في الصيف بزيارة الى قصابين، القرية التي ولدتُ فيها. أقول: ‏‏«منذ فترة قريبة»، لأنّ هذه الزيارة لم تكن ممكنة بسبب من الأوضاع الشخصية والعامة. فقد بقيت  مُبعداً عن سورية عشرين سنة ‏كاملة لم تطأها قدماي (1956 - 1976)، ثم أضيفت الى هذه السنوات، سنوات الحرب الأهلية في لبنان، حيث اضطررت للسفر الى ‏باريس والإقامة فيها.‏

زرت قصّابين، هذه السنة، مبكراً، في الشتاء، لكي أشاركَ الأخوة والعائلة جميعاً في إقامة احتفال لمناسبة مرور مئة سنة على ولادة ‏أمي، واستقبال عامها الأول بعد المئة. وقد فوجئتُ برفضها الفكرة كلياً. ولم أشأ أن أسألها عن سبب هذا الرفض، احتراماً لرغباتها ‏وأسرارها.‏

ربما رأت في هذا الاحتفال، بفعل حكمتها القروية نوعاً من الوداع الصاخب، لا تريده. كأنها تُحبّ أن تذهب الى الموت، أو يأتي اليها، ‏في صمتٍ كاملٍ يكون استمراراً لصمتها هي، ولصمت أيامها.‏

‏- 2 -‏

يبلغ طول الطريق الساحلية بين بيروت وقصّابين حوالى مئتي كيلومتر. نقطة الحدود اللبنانية - السورية، العريضة، هي منتصف ‏الطريق تقريباً. الحدود، جغرافية أو إنسانية، مادية أو معنوية، سجونٌ أخرى. وليس بيننا، نحن العرب، للمناسبة، غير الحدود.‏

‏- 3 -‏

على امتداد الشاطئ السوري، لا يكاد الزائر أن يرى إلا صحراء من البيوت البلاستيكية، خصوصاً بين طرطوس وبانياس. «ذروةٌ» في ‏البشاعة. يحلّ البلاستيك محلَّ البحر، والجبال، والحقول. محلّ الشمس والفضاء. هكذا لا يضربُ البصر وحده، وإنما يضرب كذلك ‏البصيرة. إنها صحراءُ تخنق البيئة (التي نتغنّى بها!) وتسمّم الطبيعة (التي نعشقها!)، وهي إضافةً الى ذلك، تدبيرٌ خاصٌّ ليس إلاّ نوعاً ‏من الفن في قتل الإنسان نفسه قتلاً بطيئاً.‏

كدتُ أن أسمع شهقات الحقول، وكدت أن أرى الشجر يبكي، في صحراء هذه «الجيوش» البلاستيكية الزاحفة.‏

أليس هذا «غزْواً» لأحشاء الطبيعة والأرض، ولـ«تدميرها» من داخل؟ ولقد خُيّل إليَّ، فيما أنظر الى هذا «الغزو» الفاتك الذي يُسَرْطنُ ‏قلب هذه الأرض - الأمّ، ان أصحاب هذه «الجيوش» - هذه البيوت البلاستيكية، لو استطاعوا أن يلتهموا الأرض بما عليها ومن عليها، ‏لما ترددوا.‏

إن الاستهزاء بالأرض، (كمثل الاستهزاء بالإنسان): إبادةٌ لما فيها من البراءة، والجمال، والقوة، وتحويلها الى مجرّد آلة للانتاج ‏السريع، انتاج ثمارٍ وخضارٍ لا طعم لها ولا فائدة، غير الاتجار والربح.‏

إنه فَنُّ تلويث الهواء الذي نتنشقه، والماء الذي نشربه، والجمال الذي نراه، والثمار والخضار التي نعيش عليها. إنه، باختصارٍ، فنّ قتل ‏الطبيعة، بعد الفن الذي برعنا به، شأن شعوب كثيرة، فنّ قتل الانسان.‏

كل شيء على هذا الشاطئ العريق الفريد ركامٌ من البلاستيك. كأنّ فيه ما ينذر بأن البشر أنفسهم يكادون أن يتفتتوا الى قطعٍ من ‏‏«البلاستيك الاجتماعي»، تتناثر في الفراغ.‏

‏- 3 -‏

جبلة - بلدة يمكن وصف حيّها القديم بأنه بين أجمل الأحياء القديمة في المدن المتوسطية ويمكن وصف مَسْرحها الذي يعود، في شكله ‏الأخير، الى العصر الروماني، بأنه بين أجمل المسارح الرومانية في حوض المتوسط. لكنه، على مدى السنوات التي تفصلنا عن تاريخ ‏بنائه، تهدّم وهُدّم، وخُرّب، ولا يزال خُرْبةً!‏

أما الحيّ القديم فساحةٌ لاستقبال النفايات من كل نوع!‏

أولو الأمر، وأعوانهم المثقفون، لا يكرزون إلا بتكفير البشر الذين يحيدون عن التراث. غير أنهم لا يفعلون، هم أنفسهم، إلا الاستهتار ‏بهذا التراث أي هدمه، على النحو الأكثر تنظيماً - لا التراث السومري، البابلي، الفينيقي وحده، وإنما كذلك التراث البيزنطي، والتراث ‏العربي.‏

وكيف يحدث أن النظافة هي من تعاليم الدين الذي يؤمن به سكان جبلة، ولا يُعنى بها أيٌّ منهم؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً حقاً ‏إذا لم يكن «نظيفاً» حقاً؟

‏- 4 -‏

كورنيش جبلة جميلٌ، خصوصاً أنه لا يزال قريباً الى الطبيعة، إضافةً الى غناه التاريخي بمآثر الأسلاف وبقاياهم المحفورة في الصخر.‏

ينقسم الى قسمين: شمالي وجنوبي. الحجاب هو العلامة الفارقة بينهما. نقطة «الحدود». للجنوب الحجاب. للشمال السّفور. أحياناً ‏يحدث «تسلّلٌ» - اختراقٌ، وتمازجٌ، لكن من جهة الجنوب.‏

لا شكّ أن وراء الحجاب جمالاً. غير أنّنا مضطرون الى الاكتفاء بتخيّله. ونتمنى أن يسفر لتزداد الحياة جمالاً.‏

هكذا يستأثِرُ السّفورُ بحضور الجمال الطالع من الشمال. ويستأثِرُ الكورنيش، ويستأثر رعاةُ النجوم، وصيادو الشمس والقمر. خصوصاً ‏أن المرأة الوافدة من قرى الشمال تحمل في جسدها الينابيع والجبال وكثيراً من خصائص الأودية والغابات. وتحمل تفتحات البراعم، ‏وتحمل بهاء الفضاء، وشهوة الأرض.‏

‏- 5 -‏

‏«جمعية العاديات» (الآثار) في جبلة: أمّ أيهم، طه، جهاد، بدر، فايز، أحمد... وأصدقاؤهم، «عُمّالٌ» - يدورون كمثل الكواكب في فلك ‏هذه المدينة. يحاولون تحريكها في اتجاه الفرح والحب والصداقة، أملاً في أن تنخرط كلها في العمل المبدع. بدأوا، تحقيقاً لهذا كله، ‏عملاً متواضعاً، لكنه ذو دلالة عالية: إقامة مهرجانٍ سنويّ في الأسبوع الأخير من تموز (يوليو). مهرجانهم التأسيسي الأول، في السنة ‏الماضية، نجح بشكلٍ باهرٍ. ومن المؤكد أنه سيكون هذه السّنة أكثر نجاحاً.‏

‏- 6 -‏

في أي لقاء مع السوريين، عُمالاً وفلاحين، كتّاباً ومفكرين، أطباء ومهندسين، معلمين وأساتذة جامعيين، إعلاميين وصحافيين، نساء ‏ورجالاً، تبدو ملامح كثيرة تدل على التفوق والتفرّد، وتشير الى توقهم المتلهف للخلاص من الظلم، ولسيادة القانون والعدالة وحقوق ‏الإنسان وحرياته. ولا يُخفي أحدٌ منهم استنكاره الكبير، الغاضب لهيمنة الفساد. فهو من الحضور الساحق، على كل مستوى، حتى ليبدو ‏أنه القاعدة، وأنه ماء الحياة اليومية وهواؤها.‏

وفي هذا الإطار، وعلى هذا المستوى الإنساني - الاجتماعي - الأخلاقي، قَلّما ترى شخصاً غير مُعارضٍ لواقع الحياة اليومية. وهذا ‏دليل صحة وحيوية. فالمعارضات في المجتمعات المتقدمة هي المحرّك الأساس لمزيد من التقدم. وغياب المعارضة في المجتمعات ‏المتخلفة كمثل مجتمعاتنا العربية، دليل موتٍ مزدوج: موت السياسة على مستوى النظام، وموت الحركية الخلاّقة على مستوى الحياة ‏الاجتماعية. فالمجتمع الذي لا معارضة فيه، سياسية وفكرية، على الأخصّ، مجتمعٌ لا حياة فيه. مجتمعٌ - مقبرة.‏

وهذا مما يفرض على المعارضة مسؤولية سياسية وأخلاقية عالية، تميّزها عن النظام الذي تعارضه، بحيث لا يصحّ، في أي حال، أن ‏تقوم المعارضة بممارسات تقوم بها السلطة التي تعارضها. ذلك أن أبسط المبادئ التي تقوم عليها المعارضة في أي مجتمع هي التفكير ‏والسلوك بطرقٍ أكثر فاعليةً ونزاهةً وعدالةً في إدارة شؤون المجتمع، وفي احترام الإنسان وحقوقه - من أجل تحقيق حياة أكثر جمالاً، ‏وأوسع حرية. من دون ذلك، لا تكون المعارضة إلا امتداداً لأهل النظام - أعني طرفاً آخر في صراع المصالح والأغراض والمنافع.‏

ما الفرق، مثلاً، بين أن يضعك النظام في السجن لأنك مُعارضٌ له، وأن تتهمك المعارضة بأنك عميل لهذا النظام أو خائنٌ أو طائفيٌّ على ‏الرغم من جميع ما أنزله بك هذا النظام نفسه؟ إن مثل هذا الاتهام أشدّ هَوْلاً، وأكثر استهتاراً بالانسان وحقوقه من السجن نفسه. ذلك ‏أن السجن قيدٌ ماديّ محدود، في حين أن هذا الاتهام نوعٌ من «الحصار»، بل إنه نوعٌ من القتل. أفلا تكون المعارضة في مثل هذه ‏الحالة فاتكةً بالانسان وحقوقه كمثل النظام، وربما أشد فتكاً؟

القانون هو، وحده، الذي يحقّ له أن يتهم: هذا مبدأ يجب أن يكون في مرتبة القداسة، عند كل شعب حيّ، حقاً، يحترم نفسه، حقاً. ‏وهو، مع ذلك، مبدأ تدوسه الأقدام يومياً في الحياة العربية - أقدام الأنظمة والمعارضات على السواء. فالشخص، بمصالحه وأهوائه ‏واتجاهاته (أو الحزب) هو الذي يتخذ، عند العرب، صفة القانون، ويُطلق التهم على الآخرين، كما يشاء، ساعة يشاء، باللغة التي يشاء. ‏ويجد الى ذلك، ويا للعار، من يؤيده، ومن يشجعه، ومن ينشره. إنها ظاهرة في الحياة العربية تعكس مدى الانحطاط السياسي، ‏والفكري، وتعكس المدى الذي وصلت اليه هذه الحياة في احتقار الإنسان وحقوقه.‏

ولماذا لا نُفيد، في سورية خصوصاً، من تجربتها السياسية، منذ خمسينات القرن الماضي، حتى اليوم. فلم يكن «النصر» الكبير الذي ‏يحققه حزب من الأحزاب يقوم على انتشار مبادئه، وتحقق برامجه، وتعميم الوعي في الأوساط الشعبية، بقدر ما كان يقوم على ‏‏«تخوين» الأحزاب الأخرى، والمطالبة بعزلها ونبذها،أو إبادتها. وهكذا كان لا بُدّ من أن يترتب على ذلك أن أي حزب من هذه الأحزاب ‏التي «يخوّن» بعضها بعضاً، أو «يُشَيطِنُه»، أو «يُعَملِنَهُ»، سيكون حين يصل الى السلطة، بالضرورة، حزباً أوحد، لا يُفسح أي مجال ‏للمعارضة - إلا بوصفها «ديكوراً» في بيت السلطة.‏

إن الحق في المعارضة يجب أن يكون مسألة بنائية تأسيسية تقوم في أساس الممارسة السياسية، وفي أساس الرؤية السياسية - ‏الفكرية، عند جميع الذين يؤمنون بالديموقراطية والتعددية والتنوع، وبالانسان وحقوقه وحرياته. وما يمارسه، اليوم، بعض «المدافعين ‏عن حقوق الإنسان» في سورية خصوصاً، والبلدان العربية، بعامة، من «تخوين» أو شَيْطنة» لكل مختلف عنهم في الرأي أو النهج أو ‏غير تابع، إنما هو متابعة وترسيخ لذلك الخطأ التأسيسي، وتوكيدٌ وتسويغٌ لممارسات الإقصاء والإلغاء والتهميش التي تقوم بها الأنظمة ‏الحاكمة في البلدان العربية كلها. وأسأل هنا: ما الفرق، إذاً، بين الحاكم والمعارض؟ وعلى هذا المستوى، تحتاج الحياة السياسية ‏العربية برمتها، يميناً ووسطاً ويساراً، وبخاصة في سورية والعراق، الى نقد ذاتي جذري وشامل، لكي تسترد هذه الحياة نفسها من ‏جهة، ولكي تستردّ، من جهة ثانية، حيويتها، وفاعليتها، ووجهها الانساني. أقول: بخاصة في سورية والعراق، لأن اليسار فيهما، ‏بمختلف تنويعاته، كان النواة الأولى في إلغاء الديموقراطية والتعددية والتنوع، وتبعاً لذلك، في ازدراء الانسان وحقوقه، وفي ازدراء ‏الحريات. كان بتعبير آخر النواة الأولى في التأسيس لنوعٍ من «الوحدانية»، ضد الحرية، وضد العقل والفكر، وضد الانسان: «وحدانية» ‏لا شيء فيها غير الطغيان.‏

أحبّ هنا أن أعطي مثالاً حديث العهد. وأعتذر لأنه يتعلق بي. غير انني آثرت أن أقدّم مثلاً يخصني، أعرفه جيداً، على أن أقدّم مثلاً آخر ‏عن شخص آخر، لا أعرفه جيداً. ولست أقدمه هنا لكي أدافع عن نفسي، بل لكي أؤكد ما ذهبت اليه في كلامي على المعارضة، توكيداً ‏على ضرورتها، واحتراماً لها. فقد وزّع الفرع السوري لمنظمة حقوق الانسان (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان - فرع ‏‏«المنظمة» في سورية) - أقول وزّع بياناً في الانترنت يقوم على مبدأ «تَسويد» صفحة شخص معين اسمه أدونيس. ومن أجل تحقيق ‏هذه الغاية، أباح كتّاب هذا البيان لأنفسهم أن يستخدموا جميع الوسائل: التزوير، والافتراء، والكذب الصُّراح. كلّ ذلك باسم الدفاع عن ‏حقوق الإنسان في سورية، وباسم المعارضة في سورية كذلك.‏

والحّق أن الدفاع عن حقوق الانسان مهمة نبيلة، بامتياز. وهي، من أجل ذلك، مسؤولية ضخمة، تبدأ بالنزاهة والدقة ومعرفة الحقيقة. ‏وإلا تحوّلت الى دفاع عن فريق، وافتراء على فريق آخر، بحيث يبدو هذا الدفاع «قتلاً» لآخر، و«إحياء» لآخر. يقدّم «الخير» بيد، ‏و«الشرّ» باليد الثانية. دفاعٌ أعمى، وغير إنساني، وخارج العالم الذي تنهض عليه مبادئ حقوق الإنسان.‏

وأسارع الى القول إن الخطوة التي قام بها أصحاب هذا البيان بالكتابة الى الأكاديمية السويدية لحجب الجائزة عن أدونيس لا تعنيني ‏إطلاقاً. إنها شأن خاص بين المرسل والمتلقي. وأعرف أن أشخاصاً عرباً كثيرين تبرعوا بمثل هذه الكتابة الى هذه الأكاديمية، وهي ‏كتابة مليئة هي كذلك بالتزوير والافتراء، وتدعو الى الرثاء.‏

بماذا يتمثل هذا التزوير وهذا الافتراء عند أصحاب هذا البيان؟ إنهما يتمثلان في ما ينسبونه لي، على نحوٍ باطلٍ كلياً. فهم ينسبون إليّ ‏ما يلي:‏

‏1 - عدم التوقيع على «عريضة دولية تطالب بإطلاق سراح البروفسور عارف دليلة».‏

‏2 - «مديح آية الله الخميني ونظام الملالي» (هكذا حرفياً).‏

‏3 - «الموقف المخزي من الفتوى التي أصدرها الخميني بقتل سلمان رشدي (هكذا، أيضاً، حرفياً).‏

‏4 - «رفض المساهمة في الحملة الدولية التي أطلقها أواسط التسعينات عدد من المثقفين والفنانين العرب، ومن أنحاء العالم الأخرى، ‏لإطلاق سراح الشاعر السوري فرج بيرقدار» (هكذا أيضاً، حرفياً).‏

‏5 - «العلاقة السياسية والطائفية المشبوهة مع أركان النظام السوري، وبشكل خاص بعض ضباط مخابراته» (هكذا أيضاً، حرفياً).‏

‏6 - «رفض اتخاذ أي موقف من اعتقال رموز حركة «ربيع دمشق من المثقفين المطالبين بالديموقراطية واحترام حقوق الإنسان» ‏‏(هكذا، أيضاً، حرفياً).‏

تكراراً، ليس في هذه الأمور الستة إلا التزوير والافتراء اضافة الى الجهل. وما يشار اليه في هذه الأمور يُكرر على نحو ممجوج منذ ‏أكثر من ربع قرن، حتى انني أكاد أن أشفق على المكررين متسائلاً: أين المخيلة عندهم، ولماذا لا يخترعون قضايا أخرى؟

وأكرر انني أقدم هذا المثل، دفاعاً عن الحق في المعارضة وعن ضرورتها، لا دفاعاً عن نفسي، واحتراماً للحقيقة وللقارئ، وللمعارضة ‏في سورية.‏

أولاً - لم يكلمني أحدٌ إطلاقاً عن هذه العريضة الخاصة بالاستاذ عارف دليلة. ولم يتصل بي أحدٌ، إطلاقاً. ولو عُرضت عليّ، لكنتُ أوّل ‏من يوقعها. ثم إن شخصاً يوقع على بيان الـ99 لا يمكن أن يتردد في توقيع عريضة كهذه.‏

ثانياً - هذه القصيدة - الخرافة لم يقرأها أصحاب هذا البيان، ولم يقرأها جميع الذين تكلموا عليها قراءة صحيحة، وإنما قرأوا ‏‏«مواقفهم»، من صاحبها - الشخص، ومن الثورة الايرانية. أما هي، بوصفها نصاً فقد غابت عنهم.‏

والدليل واضح: يقولون انها في «مدح الخميني والملالي»، وهي لا تقول كلمة واحدة عن الخميني - الشخص، ولا عن الملالي. وهي ‏تدور، جوهرياً، على العلاقة بين «الغرب» و«الشرق». هذه المقطوعة (ولا أسميها قصيدة) إنما هي لحظة من الحماسة مرتبطة حصراً ‏بظاهرة الثورة الايرانية، الفريدة بين ثورات الشعوب. كما أرى: غير عنفية، وغير طبقية. غير أنني، مع ذلك، انتقدت مباشرة قيام هذه ‏الثورة على الدين، وحذَّرت على نحو خاصّ ممن سميتُه بـ«الفقيه العسكري». وهو ما نراه، اليوم، بتنويعات مختلفة.‏

وأدعو أصحاب هذا البيان، إذا كانت الحقيقة تهمهم الى قراءة ما كتبته في هذا الصدد، منذ قيام الثورة الإيرانية، وهو منشور في الجزء ‏الرابع من «الثابت والمتحــول»، وفي معــظم كتــبي اللاحـــقة.‏

ثالثاً - لا يجهل أحدٌ، إلا أصحاب هذا البيان، انني أعرف سلمان رشدي شخصياً، وانني كنت بين أوائل الذين دافعوا عنه. وكنت أول من ‏ترجم دفاعه البديع العميق عن نفسه وعلاقته بالإسلام لنشره في مجلة «مواقف». وكان الوضع آنذاك في لبنان يحول، جذرياً، دون ‏إمكان نشره. فقد رفض عمّال المطبعة أنفسهم أن ينضّدوه! وقال لي صاحب المطبعة: إذا «جاؤوا» ونسفوا لي المطبعة، وقتلوا عمّالها، ‏فماذا يمكنك أن تقدّم لي؟

رابعاً - طلب مرة مني في باريس أن أوقع على عريضة تطالب بالإفراج عن «الشاعر فرج بيرقدار». قلت لمن طلب توقيعي:‏

‏- لا أعرف شاعراً اسمه فرج بيرقدار.‏

‏- استخدمنا هذه الصفة لكي نحقق أكبر قَدْرٍ ممكن من المساندة والدعم، من الكتّاب والشعراء في الغرب.‏

‏- لكننا لا نحتاج الى هذه الصفة. وعلينا أن ندافع عنه بوصفه معتقلاً، أياً كان. يجب علينا هنا أن نتجنب كلياً فوضى المعايير، التي ‏اعتدنا عليها في بلداننا العربية. وهي فوضى شاعت مع الحركات السياسية، و«الثورات»، فمنح كثير من المناضلين صفات وألقاباً ‏شعرية وفنية، بقوة النضال لا بقوة الشعر أو الفن.‏

لهذا السبب لم أوقّع على هذه العريضة. وليس لأنني لا أدافع عن المعتقلين السياسيين في سورية.‏

تذكرني قصة فرج بيرقدار الذي أحترم نضاله كثيراً، بقصة أخرى تعود الى سبعينات القرن المنصرم. كنت في موسكو بدعوة خاصة، ‏وفي أثناء حديث مع بعض الكتاب والشعراء هناك، سُئلت عن شاعر دمشقي يعيش في موسكو يوصف بين عارفيه من الحزبيين بأنه ‏ماياكوفسكي العرب، (هكذا، أيضاً وأيضاً، حرفياً). صُدمت حتى الذهول. وبسبب من هذه الصدمة، لا أزال أذكر اسمه حتى الآن: أيمن ‏أبو شعر.‏

قلت للحضور إنني لا أعرف شاعراً دمشقياً بهذا الاسم. لم أقرأ له بالعربية أية قصيدة. هل يكتب بالروسية؟

‏- لا. يكتب بالعربية.‏

‏- الفُصحى أو الدارجة؟‏

‏- الفُصحى.‏

‏- آسف، لا أعرفه.‏

تذكرني هذه القصة كذلك بالإشارة الى أسماء كثيرة خلعت عليها «آلة النضال» اليميني واليساري، صفة الشاعر - آلة الثورة ‏الجزائرية، وآلة الثورة الناصرية، وآلة الثورة الفلسطينية، وآلة الثورة العراقية - الصدّاميّة، خصوصاً في مهرجاناته المربدية، وفي ‏حربه «العربية» ضد «الفرس».‏

تذكّرني كذلك باتحادات الكتّاب العرب التي تضم أعداداً من الشعراء قد تتجاوز أعداد الشعراء في العالم كله.‏

‏- 7 -‏

أترفّع عن الخوض في ذلك الباقي من هذه الأمور المزوّرة المفتراة. وأقول لأصحابها: سامحتكم المعارضة، وسامحتكم حقوق الإنسان.‏

‏- 8 -‏

أعود الى جبلة.‏

مدينة جبلة واحدة، إدارة وسياسة. لكن ما أكثر المدن التي تتقاطع داخلها وتتنابذ. مدينة الزمن الأفقي الذي ليس إلا تراكماً. مدينة ‏الزمن العمودي الذي يخترق الأنقاض والتراكمات ويتخطاها. مدينة المعتقدات المتناقضة المتصارعة في صمت كأنه صمت السيف أو ‏صمت القبر. مدينة الحجاب. مدينة السفور. مدينة الصورة التي لا تكفّ عن التأوّه بحثاً عن معنى. مدينة الذاكرة التي لا تتذكّر إلاّ مَحْوَ ‏الآخر. مدينة الحاضر الذي ليس إلاّ خِرَقاً ممزقةً مِن عباءة الماضي.‏

‏- 9 -‏

يعيش محروماً من الحب والشعر والفكر.‏

‏- ماذا يفعل؟‏

‏- ينذر حياته للحقد والكراهية و«الانتقام».‏

‏- ممن ينتقم؟‏

‏- من كلّ شخصٍ تمتلئ حياته بالحب والشعر والفكر.‏

‏- 10-‏

الحاسّة بيت الروح.‏

عندما تتَوَلَّهُ الحاسَّةُ تتحوّل الروح الى جسد.‏

أدونيس ووالدته في قريته قصابين.‏

"الحياة"