عولمة المشكلات الإنسانية  السيد يسين - الاتحاد

 

كيف نفهم العالم؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحته على نفسي في عام 1990 حين انتقلت من القاهرة إلي عمان عاصمة الأردن لأشغل منصب أمين عام منتدى الفكر العربي الذي أسسه مجموعة من المثقفين العرب ويرأس مجلس أمنائه الأمير الحسن بن طلال.
استلمت عملي في أول أغسطس عام 1990 تاريخ الغزو الصدامي (نسبة إلى صدام حسين). وكان هذا الغزو إيذاناً في الواقع بانهيار النظام الإقليمي العربي واقعياً، بالرغم من بقاء جامعة الدول العربية بشكل رمزي وغير فعال عنواناً لهذا النظام. سقطت نظرية الأمن القومي العربي والتي كانت ترى في إسرائيل مصدر التهديد الرئيسي، أولاً بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد والمعاهدة المصرية الإسرائيلية، والتي بمقتضاها لم تعد إسرائيل مصدر تهديد. ولكن الضربة القاضية جاءت بعد غزو دولة عربية لدولة عربية أخرى، مخالفة بذلك قواعد الشرعية الدولية، ومبادئ الشرعية العربية إن صح التعبير.
وتشاء الظروف أن يترافق مع هذا الحدث الإقليمي الخطير الذي سرعان ما تحول إلى حدث دولي مؤثر، سقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية ونهاية النظام الدولي الثنائي القطبية. وربما لم يكن صدفة أن يعقب هذه الأحداث التاريخية الدرامية بروز العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وربما لم يكن فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" مخطئاً تماما في أطروحاته! وهو إن كان قد بالغ في الإدعاء بأنه تمت الهزيمة الكاملة والنهائية لخصوم الرأسمالية، وإن تربع القوى الليبرالية على عرش العالم معناه نهاية التاريخ، إلا أنه كان يمكن أن يكون مصيبا لو قرر أن هناك تاريخا معيناً قد انتهى، وهو تاريخ النظام الدولي الثنائي القطبية، الذي دار في جنباته الصراع الإيديولوجي الحاد والعنيف بين الشيوعية والرأسمالية، أو بعبارة أخرى بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية.
بعد سقوط هذا الصراع الإيديولوجي العنيف، بدأت تظهر في العالم تحولات كبرى. أولها ولا شك في ذلك هو زوال عصر الدولة الشمولية التي كانت تعتقل شعوبها في سجون الحزب الواحد، أو في إطار الإيديولوجيات المتحجرة، والانتقال إلى عصر الديموقراطية. وثانيها تحول عديد من الدول في الشرق والغرب على السواء من إطار الاقتصاد المخطط إلى سياق الاقتصاد الحر، والذي يلعب فيه القطاع الخاص الدور الرئيسي في النمو الاقتصادي.

وثالث هذه التحولات هو بروز البعد الثقافي داخل كل مجتمع وفي العلاقات بين الدول باعتبار الثقافة عاملاً أساسياً يؤثر على حركة المجتمعات وعلاقات الدول. ولذلك ظهرت نظريات صراع الحضارات وحوار الثقافات في هذه الحقبة بالتحديد، التي أعقبت سقوط الصراع الإيديولوجي بين الشيوعية والرأسمالية. ورابع هذه التحولات الكبرى هو بروز آثار الثورة الاتصالية الكبرى التي تمثلت في البث التليفزيوني الفضائي وشبكة الإنترنت، والتي أصبحت الأداة الرئيسية للتواصل بين البشر، ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين.

والواقع إننا نستطيع أن نشمل كل هذه التحولات الكبرى في مفهوم واحد هو العولمة بتجلياتها السياسية، والتي تتمثل في الديموقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، والاقتصادية والتي تتمثل في حرية الاقتصاد والتبادل التجاري، والتي رمزها البارز هو منظمة التجارة العالمية. وللعولمة أيضاً تجليات ثقافية تتمثل في بروز ثقافة كونية تعبر عن وعي كوني شامل يرمز إلى وحدة الإنسانية، وكل ذلك بالإضافة إلى تجليات العولمة الاتصالية، والتي جعلت كل أركان العالم في حالة "اتصال" دائم.

في ضوء كل هذه التطورات الكبرى برزت ظاهرة جديدة هي أن المسافة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للدول ضاقت إلى حد كبير، لدرجة أن صانع القرار الوطني لم تعد لديه الحرية النسبية التي كان يتمتع بها من قبل، وذلك نتيجة لبروز ظاهرة التكتلات الإقليمية كالاتحاد الأوروبى، أو ظهور العولمة بتنظيماتها الدولية الملزمة، في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة.

وهكذا يمكن القول إننا نعيش عصراً جديداً يتسم بعولمة المشكلات الإنسانية. ولذلك برزت مؤسسات عالمية أصبحت بمثابة "مصانع تفكير عالمية" لا تقتصر إبداعاتها النظرية ولا اجتهاداتها في حل المشكلات على قطر بعينه، أو قارة محددة، بل إنها لتبسط رواق اهتماماتها على المشكلات الإنسانية كلها، بغض النظر عن الفروق في الجنس أو الدين أو الثقافة. ولعل من أبرز هذه المصانع الجماعية للتفكير "هيئة اليونسكو"، والتي برزت في السنوات الأخيرة بانتقالها إلي دائرة التفكير الفعال لحل المشكلات. مما يؤكد هذا, المؤتمر الدولي الكبير الذي نظمته اليونسكو في باريس منذ سنوات، وجمع مجموعة من أرفع العقول العالمية في مجال الفلسفة والاقتصاد والثقافة والبيئة، للتحديد الدقيق للإشكاليات المعرفية التي ستواجه الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. وقد وضع هذا المؤتمر يده على إشكالية مهمة، هي حاجة الإنسانية لصياغة عقود جديدة, إجتماعية وثقافية وإنسانية وبيئية.

ويكمن في هذا العقد المقترح بالذات الاستبصار الذكي بأن مستقبل الكوكب ذاته على المحك! ويرد ذلك إلى اعتبارات شتى بعضها من صنع الإنسان، وبعضها الآخر من فعل الطبيعة وتطوراتها.

أما تلك التغيرات التي طرأت على الكوكب من فعل الإنسان، فهي في الواقع ترجع إلى تعامل الإنسان الوحشي مع الطبيعة في ظل الاقتصاد الرأسمالي. فقد أبيدت ملايين الفدادين من الغابات، وأدى هذا السلوك الذي لم يراع قواعد الاتزان الكامنة في البيئة الطبيعية للكوكب إلى عديد من الاضطرابات. وإذا أضفنا إلى ذلك التوسع الصناعي العشوائي في عديد من بلاد العالم، وما أدى إليه من تصاعد الغازات والأبخرة وتأثيرها السلبي على المناخ العالمي، لأدركنا أننا أمام أزمة إيكولوجية كبرى قد تهدد مستقبل الإنسانية ذاته.

ولذلك فإن معاهدة "كيوتو" التي صممت لمواجهة تزايد الغازات والأبخرة، والتي وقعت عليها أكثر من مائتي دولة، تعد وسيلة إيجابية لوقف نزيف المناخ الصحي العالمي إن صح التعبير. غير أن الولايات المتحدة الأميركية والتي تنبعث منها أعلى معدلات الغازات والأبخرة الضارة، انسحبت من المعاهدة، هروباً من أداء التزاماتها المكلفة مالياً. ومن هنا أصبح المناخ العالمي يعيش تحت التهديد.

ولم تكن هيئة اليونسكو هي فقط التي ندبت نفسها لتكون مصنعاً للتفكير الجماعي لحل مشكلات العالم، ولكن انضمت إليها مشروعات هيئات ومراكز أبحاث أخرى متعددة، من أبرزها "المشروع الألفي" الذي تتبناه جامعة الأمم المتحدة في طوكيو باليابان. وهذا المشروع يصدر منذ أربع سنوات تقريراً باسم "حالة المستقبل" يستعرض فيه المشكلات الواقعة التي ستواجه الإنسان في القرن الواحد والعشرين. وقد تم بالفعل التعرف على الملامح البارزة لخمس عشرة مشكلة عالمية.

ومن بين هذه المشكلات – على سبيل المثال – كيف يمكن تحقيق التنمية المستدامة لكل الناس؟، وكيف يمكن إقامة التوازن بين التزايد السكاني والموارد، وكيف يمكن إتاحة الفرصة لكل فرد نصيبه من المياه النظيفة بغير صراع؟، وكيف يمكن للعولمة وشيوع المعلوماتية والاتصالات أن تعمل لخير كل إنسان؟ وكيف يمكن تدعيم البعد الأخلاقي للأسواق لسد الفجوة بيين الغني والفقير؟.

تقارير اليونسكو والمشروع الألفي وغيرها من تقارير دولية، تؤكد بالفعل أننا نعيش عصر عولمة المشكلات الإنسانية. ولذلك فما حدث من زلازل وفيضانات عارمة في آسيا مسألة لا تخص الشعوب الآسيوية فقط، ولكنها تخص الإنسانية كلها. وهي من ثم تدعو لتكثيف الجهود العلمية، لاكتشاف آلية محددة تتنبأ بوقوع الزلازل قبل الحدث بمدة كافية، تسمح بتنفيذ السياسات واتخاذ الإجراءات اللازمة، درءاً - بقدر المستطاع – للأخطار المحدقة.

وإن كان التحدي الحقيقي في الواقع أن العالم اليوم– لأسباب متعددة – أصبح يمثل مجتمع المخاطر!

فهذه المخاطر تتعدد مصادرها. لدينا أولاً ظاهرة الإرهاب العالمي ورد الفعل العشوائي عليه. ولدينا ثانياً مخاطر الانتشار الذري، وسلبيات الهندسة الوراثية في مجال النبات والحيوان.

وخلاصة الأمر أن عولمة المشكلات الإنسانية لابد أن تقابلها عولمة للبحوث العلمية الفعالة لمواجهة المخاطر وتحقيق أمن الإنسان.