بين أزمة الدولة وحيرة المجتمع

 

بقلم : سليمان عبد المنعم - السفير

 

 

 

أليس مثيراً للتأمل أنه عشية انهيار الاتحاد السوفياتى لم يكترث <<المجتمع>> وهو يشاهد تحلّل وتفكيك <<الدولة>>؟ فبدت عبقرية هذا المجتمع الخلاّق في العلم والموسيقى والرياضة والفن وقد أصابها التبلّد في مساء الانهيار العظيم لتسطع شمس اليوم التالي أقل دفئاً ونوراً وإن بدت أشدّ ناراً! كذلك أيضاً كان الأمر صبيحة سقوط نظام حكم صدام حسين في العراق حيث الحيرة التي كادت تصيب الناس <<بالانفصام الوطني>> وهم شامتون في نظام حكم ينهزم ويختفي حائرون ساخطون في مواجهة محتلّ يغزو ويتقدّم! إنها مجتمعات أصابتها الحيرة ودول أصابها التفكك ربما لأنها لم تستوعب مقولة جان جاك روسو فى كتابه العقد الاجتماعي <<إن الأقوى لا يبقى دائماً على جانب كافٍ من القوة ليكون دائماً هو السيد إن لم يحوّل قوته إلى حق، وطاعته إلى واجب>>!
من هنا، نحن اليوم محتاجون أكثر من أي وقت مضى الى الانشغال بعلاقة المجتمع بالدولة لا سيما في ظل أمواج العولمة التي تعلو وتتلاطم في الوقت الذي تبدو فيه شواطئ الوطنية وكأنها تنحسر وتتراجع. وكأن الأمر يشبه إعصار تسونامي المدمّر الذي ضرب مؤخراً بعض الشواطئ الآسيوية! فليس مقبولاً ولا معقولاً ان يفكر الآخرون نيابة عنا في صياغة مفاهيم ونظريات فكرية وسياسية جديدة تحلّ لنا إشكالية علاقة المجتمع بالدولة. ولعله ليس خافياً أن دعوات التغيير والإصلاح التي تهبّ من آن لآخر على صحراء العرب إنما تحاول <<مغازلة المجتمع>> بقدر ما تمارس <<ابتزاز الدولة>>. وحده العقد الاجتماعي الجديد الذي يعيد صياغة علاقة المواطن العربي بالسلطة هو ما يحصّن المجتمع من المغازلة، ويقوّي الدولة ضد الابتزاز.
وقد تردّدت وشاعت في الآونة الأخيرة مفردات مثل الحوار والتغيير واإاصلاح والديموقراطية والدولة النموذج حتى أصبحت هي الأكثر ذيوعاً في لغة الخطاب السياسي. وكاد الوطن العربي بأكمله يتحوّل إلى <<ندوة>> كبيرة طويلة ومستمرة! حسناً، هذه حالة استنفار مطلوب ومراجعة صحية. لكن يبقى السؤال كل السؤال هو هل ينجح العرب في التقاط الحلول والبدائل وتوظيف المتغيّرات وأن يطرقوا على حديد الصعاب وهو ساخن؟ ومتى يقفز العرب إلى هذه اللحظة الأزمة لكي يواجهوا في ذكاء ضعف وتناقض بعض هذه المعطيات والمتغيرات؟ وأخيراً كيف يمكن تقويم مناخ المراجعة الفكرية والسياسية السائد في المجتمع العربي الآن؟ بمعنى هل هو يمضي حقاً على نحو صحي وفي اتجاه صحيح أم أنه ينبغي علينا أن نحسّن وضعه أولاً على قضبان الحركة؟
ربما كان المطلوب الآن هو إجراء نوع من مراجعة المراجعة، ونقد النقد وهي مهمة تتطلب قدراً كبيراً من المجازفة وقدراً اكبر من رحابة الصدر! وفي هذا السياق نحن مدعوون جميعاً الى فتح دائرة الحوار حول الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى: أن المراجعة الفكرية والسياسية الدائرة الآن بعناوينها المعروفة مثل الحوار والتغيير والإصلاح والديموقراطية ما زالت تبحث جاهدة عن دور الدولة النموذج لكنها تقفز مجهدة إلى دور المجتمع الغائب! ولا أحد ينكر أهمية ولا ضرورة منظومة الدولة إصلاحاً وتحديثاً لكن علينا أيضاً وبنفس الدرجة الاهتمام بمنظومة المجتمع لأن تراجع الأمة حاصل وملموس على الصعيدين معاً وهو الأمر الذي يسهل رصده في مجالات عديدة على صعيد تراجع مستوى التعليم والثقافة وتدنّي قيم الإنتاج والعمل والانضباط والإتقان. ويكفي أن نعرف أنه وفقاً لأحد التقارير تمّ اختيار أفضل خمسمئة جامعة في العالم ليس من بينها جامعة عربية واحدة. وقد احتكرت الولايات المتحدة وأوربا واليابان النصيب الأوفر لكن ظهرت رغم ذلك أسماء دول مثل البرازيل وكوريا الجنوبية والصين وسنغافورة والأرجنتين. وكيف نفسر مثلاً تواضع إنتاجية ونشاط الفلاح وغياب ضمير وإخلاص الموظف وركاكة مستوى طلاب العلم الذين ألهتهم ثقافة التسلية فعجزوا حتى عن كتابة أسمائهم! قد يرى البعض أن منظومة أداء الدولة تتحمّل جزءاً من تفسير هذا التواضع لكن ألا تتحمّل منظومة أداء المجتمع نفسه تفسير الجزء الباقي؟ وعندئذ ألسنا مطالَبين بالانشغال بالأسباب؟
وربما أمكننا تشبيه الدولة بالطريق والمجتمع بالعربة. فنحن محتاجون إلى طريق سريع ممهّد (الإدارة الكفؤ) تحفه الإضاءة المناسبة من الجانبين (الشفافية) وتسير عليه دوريات الشرطة تحقيقاً للأمن (سيادة القانون). لكن مردود، وربما جدوى، هذا الطريق يتوقف على وجود عربات تنطلق فيه مسرعة لتنقل السلع والمنتجات والبشر والأفكار وكل نتاج النشاط والعقل الإنساني عموماً. لكن الحاصل اليوم أن عربة المجتمع (بقدراته وقيمه) تبدو متهالكة معطوبة بطيئة. من هنا تبدو حاجتنا إلى مشروع إصلاحي للطريق والعربة في آن معاً. وبقدر ما نحلم بطريق سريع ومضاء وآمن للدولة النموذج فإننا محتاجون ايضاً إلى عربة قوية حديثة يقودها مجتمع منتج ومبدع ونشيط بلا تهوّر يقوده إلى الشطط بحادث عنيف في وسط الطريق! وبلا خمول يؤدي به إلى النوم على جانب الطريق. لكن يبدو أن جلّ جهدنا منصرف إلى الاهتمام بإصلاح دور الدولة النموذج (الطريق) على حساب الانشغال بتحديث دور المجتمع الفاعل (العربة). ولعل هذا الحال هو ما يفسّر كيف أصبح لدينا من الباحثين والمنشغلين بالسياسة بأكثر مما لدينا من الباحثين والمنشغلين بعلمي الإدارة والاجتماع. وكيف أن غزارة الكتابات والتحليلات السياسية في الصحف والدوريات ووسائل الإعلام والفضائيات لا يقابلها بالزخم نفسه كتابات وتحليلات في القضايا الاجتماعية لتفسر لنا تراجع قيم التقدم والايجابية في مجالات السلوك الاجتماعي على تنوّعها واتساعها.
الحقيقة الثانية: إن هذه المراجعة الفكرية والسياسية بدلالتها الصحية وما تختزنه من آمال الإصلاح والتطوير ما زالت من أسف مقصورة على دائرة النخبة ولم تشمل بعد أو حتى تنجح في استقطاب واستنفار القاعدة العريضة من الملايين لا سيما الشباب. ولربما كان علينا الاعتراف بواقع أن النخبة العربية لم تستطع حتى الآن أن تخرج الناس من سلبيتهم وعدم اكتراثهم. وأن ذلك لا يحتمل سوى أحد تفسيرين: فإما أن هذه النخبة تتعالى على الناس وهي تحتكر الحكمة والحقيقة. واما أن الناس لم يجدوا لدى هذه النخبة بعد حلاً لقضايا حياتهم اليومية. وهو تفسير (على فرض صحته) لا يعني سوى أن هذه النخبة ما زالت تعيش في البرج العاجي ذاته الذي سكنت فيه دوماً اعظم الافكار لكن أقلها نفعاً للناس! وفي الحالتين فالنتيجة واحدة: وهي أن دائرة القائمين على المراجعة الفكرية والسياسية تحاور نفسها دون أن تغتنم هذه الفرصة الذهبية في التواصل مع الشباب والاستماع إليهم على الاقل بهدف إثارة حماسهم وإيقاظ انتمائهم وإشعارهم أنهم معنيون بهذا الذي يحدث إن لم يكونوا هم اكثر المعنيين به بحكم قانون الزمن الدوّار!
ولعل هذا الحال هو ما يفسر لنا، مرة أخرى، كيف أن الأسماء التي نطالعها في الصحف والدوريات وبرامج التلفاز والمنتديات والاحتفاليات والفضائيات هي الأسماء نفسها التي لا تتغير وكأننا أمام نادٍ مغلق أو محدود العضوية! فمتى تتسع الدائرة؟ وكيف السبيل إلى الجادين والموهوبين قبل أن يتحوّلوا إلى أدمغة مهاجرة تذهب كما ذهب آخرون إلى من يحسن توظيف طاقتهم والإفادة منها؟ لعلنا لم نستخلص جيداً دروس ودلالات ظاهرة تحلّق الشباب حول الداعية الإسلامي عمرو خالد وغيره من الدعاة الجدد مع أننا محتاجون لأكثر من عمرو خالد يحادث الشباب في الاقتصاد والعلم والسياسة وتحديات العصر. يحادثهم في دروس الدنيا كما في دروس الدين وكيف انتهى بنا المطاف على قارعة طريق الحضارة الإنسانية نرتجف برداً وخوفاً وتخلّفاً مع أننا حتى عدة قرون فقط كنا نضيء طريق الحضارة الانسانية نفسه! ولنتساءل: كم ندوة حاولنا أن نعقدها في مدارسنا وجامعاتنا ونوادينا ومساجدنا وكنائسنا حول التجربة الماليزية أو الصينية وكيف أن هذه الشعوب بلا نفط ولا ثروات معدنية ولا موقع جغرافي فريد ولا مناخ مثالي (ولا شعارات) استطاعت بعرق وكدّ ونظام وسواعد أبنائها أن تضاعف دخلها القومي عدة مرات؟ لماذا لا نذهب إلى هؤلاء الشباب اينما كانوا وننتظر منهم دائماً أن يأتوا الينا؟
الحقيقة الثالثة: أن المراجعة الفكرية والسياسية الدائرة هذه الايام تعتمد <<أجندة>> تحتاج بدورها للمراجعة! فهناك من يتصوّر أن مشاكل هذا الوطن الحياتية على كثرتها وتعقيدها وتراكمها يمكن حلّها بلمسة إصبع على زرّ سحري هو الديموقراطية، فما إن نضغط على هذا الزرّ حتى تنهال علينا الخيرات والبركات والنعم! وعلى الرغم من مصداقية هذا التيار ونبل مقصده، وبصرف النظر عن أن كل جناح من أجنحته يهفو للديموقراطية على طريقته ولغايته، فإنه مرة اخرى يختزل الديموقراطية ويعتبرها فقط إشكالية دولة متجاهلاً اعتبارها أيضاً (وربما أولاً) إشكالية مجتمع. ولا شك في أن لدينا جميعاً نفس الأشواق إلى الديموقراطية لكننا مدعوون في الوقت ذاته إلى التساؤل ولو كان مريراً ومحبطاً حول ثلاثية معوقات الديموقراطية وهي ثلاثية مجتمعية قوامها: الأمية والمعرفة والتربية. وهي ثلاثية تفاقمت معدلاتها وقيمها إلى حد كبير! فمعدلات الأمية لا تتراجع وثقافة التسلّط ما زال لها الغلبة حتى في أصغر مكتب حكومي وقيم المعرفة تنسحب حتى لجأ الناس إلى الشعوذة ومؤخرات الحمام لعلاج أمراضهم!! ثم ماذا عن غياب قيم التقدم الاجتماعية والثقافية والنفسية الأخرى وهي قيم يُسأل عنها المجتمع بقدر وربما قبل أن تُسأل عنها الدولة. وهل بالديموقراطية تعود تلقائياً هذه القيم؟ وماذا عن الصين التي تحقق منذ خمسة عشر عاماً معدلاً للتنمية لا يقلّ عن 8 و10 % سنوياً، وبلغ 12 في بعض السنوات؟ بماذا نفسر أن الاصلاح المجتمعي والاقتصادي والثقافي في الصين كان سابقاً، على الاقل حتى اللحظة، على الإصلاح السياسي بالمفهوم الليبرالي الغربي؟
ان الإصلاح الديموقراطي يجب أن يكون مسبوقاً أو على الاقل مقروناً بإصلاح آخر عميق وضروري في مجالات الأمية والمعرفة والتربية وبإصلاح موازٍ على صعيد احترام وحماية حقوق الإنسان؛ لأن الخوف لا يصنع ابداعاً مثلما أن القهر لا يضمن انتماء! المسألة في النهاية تصبّ في فكرة البدء: تلك التي يجب أن نميّز فيها بين عربة المجتمع وطريق الدولة النموذج. للمجتمع طاقات ينبغي إحياؤها وللدولة دور ينبغي تطويره. فلا الطريق يُغني عن العربة ولا معنى للعربة بغير الطريق!
(
) كاتب مصري أستاذ في جامعة بيروت العربية