عهد التغيير....

 برهان غليون – الوطن السعودية

 

 

في هذه المرحلة من التطور الدقيق للأوضاع المشرقية ينظر الرأي العام العربي، بالرغم من تراجع آمال الوحدة والاندماج أكثر من أي مرحلة سابقة، إلى ما يجري في البلاد العربية المجاورة، سواء أتعلق الأمر

بالمسألة الفلسطينية أم بالمسألة العراقية أم اللبنانية، على أنه ليس أمرا يهم هذه البلاد وحدها ولكنه يهم العرب أيضا بقدر ما يؤثر على حاضرهم ومستقبلهم. ومن المنظور نفسه نظر الرأي العام العربي إلى التهديدات التي تعرضت ـ ولا تزال تتعرض ـ لها سوريا على أنها لا تعني الشعب السوري وحده وإنما العالم العربي برمته بقدر ما يؤثر مصير سوريا على مصيره. فكل ما يعمل على إضعاف سوريا أو تدهور الأوضاع فيها يؤثر في نظره، عن حق، على مصير المشرق العربي بأكمله والعكس صحيح أيضا. ولهذا السبب لم تعد مسألة الإصلاح السياسي والاقتصادي التي يدور النقاش حولها في سوريا منذ سنوات مسألة سورية بحتة ولكنها أصبحت مسألة قومية حسب تعبيراتنا الكلاسيكية. وهي تحتل أكثر فأكثر موقعا متميزا في النقاشات العربية المعبر عنها في الصحافة المكتوبة والمسموعة أو في الندوات واللقاءات العلمية، كما تحتل موقعا مهما في النقاشات العالمية الدائرة حول مصير الشرق الأوسط ومستقبله.

وفي سوريا تحولت مسألة التغيير والإصلاح إلى المحور الرئيسي للحياة السياسية السورية. وليس هناك شك في أن الآمال التي أثارها عهد الرئيس بشار الأسد منذ وصوله إلى السلطة عام 2000 قد نجمت عن تبنيه بشكل أكثر وضوحا من أي عهد سابق مفهوم التغيير الذي كان الرأي العام السوري والدولي أيضا ينتظره بفارغ الصبر بعد أربعين سنة من حكم الحزب الواحد. لكن السنوات الثلاث التي مرت على العهد الذي أراد أن يكون عهد الإصلاح بامتياز، أظهرت أن التغيير يظل مسألة صعبة وإشكالية. وهو ما اعترف به الرئيس نفسه في مقابلاته العديدة مع الصحافة العربية والأجنبية. بيد أن الاعتراف بهذه الصعوبة التي لا يشك أحد في وجودها لا يمنع المراقبين للأوضاع السورية أيضا من الاعتقاد بأن العهد الجديد قد ضيع على نفسه فرصا عديدة كان من الممكن استغلالها بطريقة أفضل لتسريع وتيرة التحولات السورية. ومن هذه الفرص وربما آخرها الانتخابات التشريعية لعام 2002 التي كان من الممكن أن تكون وسيلة لتحقيق درجة أولى من الانفتاح على قوى المجتمع السياسي والمدني. ومنها أيضا تشكيل حكومة العطري الأخيرة في عام 2003 والتي كان الكثيرون ينتظرون منها أن تكون أقل خضوعا لحسابات ومصالح مراكز القوى الفئوية والحزبية. ومنها أخيرا الإجماع الشعبي الذي ظهر على أثر العدوان الإسرائيلي في عين الصاحب، والذي لم يتم استثماره لخلق حالة وطنية تساعد على الانفراج السياسي وتسمح بتوسيع قاعدة السلطة الاجتماعية.

لكن بالرغم من ضياع هذه الفرص جميعا ومرورها من دون أن ينجح الحكم الجديد في استغلالها لصالحه في سبيل تحقيق الانفتاح الأولي المطلوب وتغيير المناخ السياسي والنفسي السائد وإعطاء إشارة قوية بتبلور إرادة التغيير، لا يزال الأمل قويا في أوساط الرأي العام السوري والعربي والعالمي المعني بالشأن السوري بأن فرص العمل للخروج من الأزمة لم تنفد جميعا بعد. فالتخلي عن خيار الإصلاح لا يعني استمرار الأوضاع كما هي وإنما التدهور المستمر فيها سواء أكان ذلك على المستوى الاستراتيجي أم السياسي أم الاجتماعي أم الاقتصادي. كما أن أحدا لا يستطيع أن يفكر أو يعتقد بأن من الممكن لدولة كسوريا أن تغامر بمستقبلها وتقبل أن تتراجع عن فكرة التغيير أو تدير ظهرها بهذه البساطة للعالم المحيط بها والذي يتغير بسرعة البرق. ثم إن قطاعات واسعة من الرأي العام السوري والعربي والعالمي تعتقد أيضا أنه لا يمكن للتهديدات التي تتعرض لها البلاد، بعد سقوط بغداد في أيدي القوات الأمريكية وإخفاق سياسة الاستئصال الإسرائيلية في فلسطين، إلا أن تزيد من راهنية مسألة التغيير وإلحاحها على الشعب والقيادة السوريين معا.

والواقع أن إشكالية التغيير كما هي مطروحة اليوم في سوريا تثير أسئلة أساسية مثل: هل هناك مشروع تغيير حقيقي واضح أم إن الأمر يتعلق بعملية تجميل داخلية؟ هل هناك أسس موضوعية لحصول مثل هذا التغيير أم إن التغيير معلق برغبة ذاتية لبعض المسؤولين؟ هل لدى قوى التغيير إذا وجدت الوسائل والأدوات القانونية والسياسية التي تمكنها من تحقيق نواياها الإصلاحية التي لا يبدو أن أحدا يشك في وجودها في سوريا وخارجها معا أم لا؟ هل أخطأت المعارضة والمثقفون معها في التعامل مع الحقبة الجديدة فساهموا من دون قصدهم في تعثر المسار الإصلاحي أو في عرقلته، مثلما يتهمهم بعض مناوئيهم، أم إن ما أشيع عن تطرف بعضهم هو ذريعة استخدمتها القوى المتضررة من الإصلاح للضغط على الفريق الإصلاحي داخل الدولة وعزله وتسفيه أطروحاته؟ وأخيرا هل يساهم الوضع الجديد الناشئ عن احتلال الولايات المتحدة للعراق وتصاعد تهديداتها لسوريا في دفع النظام في سوريا إلى تسريع وتيرة التغيير والإصلاح؟

ليس لدينا من المعطيات بعدُ ما يكفي للإجابة الوافية عن هذه الأسئلة الصعبة جميعا. لكن التدقيق فيما يكتب عن سوريا مؤخرا على أيدي المثقفين المستقلين أو القريبين في موقفهم من الحكم يؤكد ملاحظة أولى هي تزايد الشك في إمكانية تقدم عملية الإصلاح. وهذا ما يعكسه التبدل الحاصل في جوهر الجدال السياسي والوطني. فبعد أن كان موضوع المناظرة في الطور الأول يدور حول تعيين أولويات الإصلاح، هل هي للملف الاقتصادي أم للملف السياسي والاجتماعي، أصبح يدور اليوم حول ما إذا كان هناك مشروع فعلي وجدي للإصلاح أم لا. وتكاد كتابات المثقفين السوريين الذين شكلوا الفريق الأكثر نشاطا وانخراطا في تغذية عملية التغيير السوري بالأفكار والمشاريع الإصلاحية منذ بدايته في الثمانينيات تقتصر اليوم على التأكيد المأساوي والمكرر لنهاية عصر الإصلاح أو للكشف عن أوهامه أو إعلان الحداد عليه.

تستند هذه الاستنتاجات المتشائمة واليائسة على حجج من الصعب للوهلة الأولى نقضها أو معارضتها. في مقدَّم هذه الحجج غياب النتائج المادية والملموسة على الأرض لأي شكل من أشكال التغيير بالرغم من التعديلات العديدة التي طرأت على القوانين الاقتصادية والإدارية. فهي تشير إلى أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية لا تزال كما كانت من قبل والإجراءات التحريرية للاقتصاد لم تجذب استثمارات جديدة. ولم تظهر الدولة من جهتها رغبة أكبر في الاستثمار العام أو في تشجيع الاستثمارات الخاصة. وبالرغم من الزيادة الطفيفة في المرتبات فإن الفقر لا يزال يزداد انتشارا وتوسعا كما أن الهوة لا تزال تتفاقم بين الشرائح الدنيا التي تشكل أغلبية المجتمع اليوم والقلة من المنتفعين، بموازاة انخفاض القوة الشرائية لمتوسطي الدخل وعدم تناسبها مع كلفة تأمين الحاجات الأساسية. ولا تزال الزيادة في المرتبات بعيدة جدا عن أن تمتص صدمة العجز الكبير الذي أحدثه تجميد الأجور خلال أكثر من عقد ونصف سابقين.

ولعل اعترافات كبار المسؤولين بوجود عقبات فعلية أمام الإصلاح وبعدم تنفيذ كثير من القوانين الجديدة وحديثهم الدائم عن ضرورة التدرج ورفض التسرع في التغيير تزيد من صدقية حجج المعارضة والمثقفين واستنتاجاتهم المتشائمة.

بالتأكيد تظهر حجج أخرى تفيد ما يعارض هذه الاستنتاجات أو يقلل من حدتها. وهي تميل إلى اعتبار ما يبدو للبعض وكأنه مظاهر إخفاق الإصلاح أو انتكاس في مسيرة التغيير أو التطوير والتحديث مجرد تعبير عن تأخر في الجدول الزمني أو عن ضغوطات في الوقت لا غير. وفي هذا الإطار يرد المدافعون على منتقديهم من المثقفين والمعارضين باتهامهم بالاستعجال وتبني تصور متهور لمسار الإصلاح. وهم يشددون في مقابل ذلك على أهمية التدرجية في التغيير من دون أن يغيب عن خطابهم التذكير بالنشاط الدائب لمؤسسات الدولة والحزب التشريعية والإدارية التي لم تتوقف عن إصدار القرارات الإصلاحية التي كانت حصيلتها مئات القوانين والمراسيم الجديدة والمجددة التي صدرت في السنوات الثلاث الماضية والتي مست ميادين النشاط الاقتصادي والنشاط الإداري بشكل خاص وجعلت من سوريا بيئة قانونية مثالية للاستثمار. وحتى لو أن هذه القوانين لم تطبق كلها بعد أو لم تسمح بجذب الاستثمارات الأجنبية الموعودة إلا أنها قد أعدت، في نظرهم، الشروط الضرورية لقيام حالة اقتصادية جديدة لن تتأخر ثمراتها حتى تظهر في المستقبل القريب. ثم إنهم يعتقدون أن من المستحيل أن ننظر إلى مسيرة الإصلاح، وهذه حجة أخرى أساسية، بمعزل عن الأوضاع الوطنية الخاصة التي تمر بها البلاد وما تتطلبه من ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار في مواجهة التهديدات الأجنبية القوية والمتزايدة.

* مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون

"الوطن" السعودية