بأصواتهم المرتفعة المثقفون العرب عاجزون عن التضحية والفعل

 


د. بشير موسي نافع

حفلت وسائل الإعلام العربية، المرئية والمسموعة والمقروءة، خلال الأيام القليلة الماضية بحملة هجاء غير مسبوقة للعرب والحياة العربية. وكأنما نهاية العام هي فعلاً بوابة لحقبة جديدة وعالم جديد ومنعطف مادي محسوس، مارس المثقفون العرب هوايتهم التقليدية في توجيه أسهم النقد اللاذع للحالة العربية وللهوة التي انحدرت إليها. نعي المثقف العلماني ـ الليبرالي غياب الديمقراطية وتخلف العرب عن اللحاق بركب التحول الديمقراطي الذي اكتسح العالم خلال العقدين الماضيين، كما شجب سيطرة القيم الدينية علي الاجتماع والثقافة وخضوع الدولة في العالم العربي لابتزاز المتدينين. أما المثقف القومي فقد صب جام غضبه علي انهيار نظام التضامن العربي وتحول الأنظمة العربية إلي وكالات محلية للمصالح الأجنبية وإلي أدوات للصراعات الداخلية وانهاك الجسم العربي. وقد شارك المثقف الإسلامي بنصيبه هو الآخر في هذه الحملة الهجائية ملقياً الاتهامات يمنة ويسرة: فهو ضد الاستبداد المستشري وضد الارتهان الاقتصادي للخارج وضد تحلل نظام القيم وانخراط الدولة في الحرب علي الموروث الإسلامي.
الانتقادات التي يوجهها المثقف العربي للواقع من حوله هي في عمومها انتقادات صحيحة، وإن اختلفت زوايا النظر والدوافع وراء هذه الانتقادات. بالرغم من الثروات العربية المادية والإنسانية الهائلة، تعاني الحياة العربية بمستوياتها المختلفة من إشكاليات بنيوية كبيرة. وقد تعاظم أثر هذه الإشكاليات خلال السنوات القليلة الماضية بفعل التدهور الفادح في الوضع الإستراتيجي العربي، الذي أدي بدوره إلي تقويض الموقف العربي في معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإلي الاحتلال الأنجلو ـ أميركي غير المبرر للعراق وعودة النظام الاستعماري التقليدي إلي المنطقة. تحولت المدن العربية في شكل متزايد إلي أسواق هائلة للمنتجات الأجنبية، بينما تنهار آخر قواعد الصناعة في الدول العربية الرئيسية أمام أعين من تبقي علي قيد الحياة من جيل الستينات الذي قدم تضحيات لا تحصي من أجل تحويل المجتمعات العربية إلي مجتمعات صناعية منتجة. لم يحدث في تاريخ العرب الحديث ان توفر لهم هذا العدد من الكوادر المؤهلة علمياً والمطلعة علي الشأن العالمي، ولكن أغلب البلاد العربية تفتقد الرؤية الجادة للمستقبل والتخطيط لتوظيف الموارد المتاحة في مشروع نهضوي. كل هذا صحيح، ولكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً في مختلف المدن العربية هو أي دور ذلك الذي يقوم به المثقف العربي للخروج بشعبه وأمته من الأزمة المتفاقمة؟
تعود جذور المثقف العربي إلي النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما أخذت حركة التحديث في تقويض وتهميش مؤسسة العلماء التي حافظت علي لحمة الجماعات العربية ـ الإسلامية، ودافعت عنها ضد بطش الحكام، وحمت كينونتها واستمرارها في مواجهة الغزو الأجنبي لقرون طوال. دخل التعليم الحديث إلي المجتمعات العربية علي نطاق واسع، سواء بفعل جهود دولة التحديث أو المدارس الأجنبية، وأدي الإنقلاب المفاجئ في أنماط الاجتماع ووسائل الاتصال وبنية الدولة إلي ولادة حقول جديدة للعمل. في مكان العالم المسلم التقليدي ودوره في قيادة المجتمع، برز الضابط الحديث، المدرس والأستاذ الجامعي، الصحافي والكاتب، المهندس، المحامي، ورجل البيروقراطية الرسمية، بل والممثل السينمائي والمسرحي. هذه هي الإنتلجنسيا العربية التي كان يفترض أن تقوم بقيادة مجتمعاتها والتحدث باسمها والتعبير عن مصالحها. وباستعارة العرب مؤسسة الحزب السياسي الحديث من الجوار الأوروبي، انخرطت أعداد متزايدة من الإنتلجنسيا العربية في المنظمات الحزبية وأصبح الناشط السياسي (المحترف أحياناً) أحد المتحدثين البارزين باسم الاجتماع العربي الحديث.
لم تولد الإنتلجنسيا العربية من رحم حركة تطور داخلية كما كان عليه الأمر في السياق التاريخي الأوروبي ـ الغربي، بل من حركة التحديث المفاجئة التي قادتها الدولة، وهذا ما جعل بناء ورعاية الإنتلجنسيا العربية عملية باهظة التكاليف. ومنذ بداية نشوئها، كانت الإنتلجنسيا العربية بمهنييها ومثقفيها منقسمة علي ذاتها، لان لحظة ولادتها كانت في جوهرها لحظة انقسام عربي ـ إسلامي علي الذات. انقسمت الانتلجنسيا العربية علي سبل الإصلاح، علي الدولة العثمانية ومصيرها، علي الإسلام وموقعه ودوره في الحياة العربية الحديثة، وعلي العلاقة مع الغرب والقوي الغربية والإدارات الإستعمارية. وما زالت منقسمة علي ذاتها حتي الآن. ولكن هذا الانقسام لم يمنع الإنتلجنسيا العربية، أو بالأحري قطاعاً هاماً منها، من القيام بدورها الاجتماعي وتحمل مسؤولياتها تجاه شعوبها حتي الستينات من القرن العشرين. أخذت أجيال المثقفين والمهنيين العرب الاوائل مهماتها علي محمل الجد، واندفعت إلي مقدم الصفوف في حركة النضال ضد الاستعمار الأجنبي، ضد الأحلاف، في مواجهة الاستبداد الداخلي، ومن أجل حرية الجزائر وفلسطين. لكن شيئاً ما طرأ علي الساحة العربية منذ منتصف السبعينات وأخذ في تقويض فعالية الإنتلجنسيا العربية.
كان ممكناً منذ الحرب الأولي، ومروراً بالأربعينات والخمسينات والستينات، أن تتحرك المظاهرات الشعبية بمبادرة وقيادة مدرسين وأساتذة وطلاب وصحافيين ومهنيين حزبيين، وأن تؤدي الحركات الشعبية إلي إسقاط حكومات وانظمة، أو إلي قيام دول وحدة، أو تغيير سياسات رئيسية. ولم يكن غريباً أن تستضيف السجون، لأيام وشهور وسنوات، مثقفين كباراً أو كوادر حزبية من مختلف الاتجاهات وقطاعات الإنتلجنسيا العربية، الذين علقوا علي مشانق جمال باشا السفاح كانوا من بين أبرز رجال النخبة العربية، والذين قادوا حركة المقاومة المصرية للاحتلال البريطاني كانوا من طلاب وكوادر الجامعة، ومن المهنيين والصحافيين والكتاب، والذين أخذوا قرار الثورة الجزائرية والذين أسسوا حركة فتح والجبهة القومية لتحرير اليمن الجنوبي، كانوا مثلهم تماماً. وقد لعب رجال الفكر وخريجو الجامعات دوراً رئيسياً في تأسيس وقيادة القوي الإسلامية السياسية، سواء تلك التي عبرت عن توجهات الاحتجاج الداخلي أو تلك التي انخرطت في المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي. اليوم، تغيب هذه القوي والفئات في أغلبها عن المشهد العربي كقوي تغيير وفعل. المثقفون العرب بالطبع ما زالوا يكتبون ويتحدثون، يهجون وينتقدون، ولكنهم لا يخرجون إلي الشارع إلا نادراً، ويبدون وكأنهم فقدوا الحافز والاستعداد للتضحية، اللذين حركا أسلافهم من المثقفين والمهنيين. فلماذا وقع هذا التطور؟
أحد الأسباب بالطبع هو التغول غير المسبوق للدولة العربية الحديثة. فبالرغم من ان كل الدول العربية تقريباً قد تخلت عن النظام الإشتراكي الشمولي الذي ساد الساحة السياسية العربية، لا سيما دولها الرئيسة، في الستينات والسبعينات، إلا ان هذه الدول أعادت إنتاج الشمولية بوسائل أخري. بالتقنين وسن التشريعات، بالسيطرة المباشرة وغير المباشرة علي مؤسسات العمل الرسمية وشبه الرسمية، بتغيير أنظمة التعليم والدراسة، بتحويل الطبقة الحاكمة إلي طبقة رأسمالية مالكة أو العكس، باستغلال التقدم في وسائل الإتصال وأنظمة المعلومات، بالتضخم غير المسبوق في أجهزة الأمن، وبسلسلة من التحالفات والمساومات الدولية، وصلت قدرة الدولة العربية الحديثة علي التحكم مستوي لم تصله منذ نشأتها.
بيد ان هذا ليس السبب الوحيد، بل وما كان للدولة ان تنجح في تعزيز قدراتها التحكمية لولا تراجع القوي التي يفترض بها ان تضطلع بدور تحديد نفوذ الدولة وسيطرتها. إن انحطاط فعالية الإنتلجنسيا العربية، بالرغم من الزيادة الهائلة في أعدادها وفي نشاط التجمعات المدنية التي تنتظمها، نجم عن تغيير جوهري في نظام القيم التي يعتنقها المهنيون والمثقفون العرب. كانت الإنتلجنسيا العربية، بغض النظر عن تباين توجهاتها الفكرية، نتاج عملية التحديث ومؤسساتها التعليميـــة ومعاهدهــــا، نتاج لغتها ومنطقها ومفاهيمها. ولما كان مثـــــال عملية التحديث هو المثال الأوروبي الغربي، فإن جذور الإنتلجنسيا العربية هي في جزء كبير منها تمتد في أرض الثقافة والمفاهيم والقيم الغربيـــة. خلال النصف الأول من القرن العشرين، وبفعل بشاعة نظام الاحتلال الأجنبي وفجاجته، غلبت الانتماءات الوطنية والقومية للإنتلجنســــيا العربية علي الروابط الثقافية والقيمية المستبطنة بالغرب. لكن الإدارات الإستعمارية غادرت المنطقة العربية، أو معظمها علي الأقل، منذ عقود طويلة، وأصبح التدافع مع النفوذ الأجنبي أكثر تعقيداً من معركة التحرر الوطني واضحة المعالـــــم. وأصبح من الممكن الجدل بأن أولويات العرب تنحصر في إعادة بناء الذات عوضاً عن استعداء القوي العالمية. بل أصبح من الممكن الجدل بضرورة التحالف مع الخارج واستلهام أنماط اجتماعـــــــه وإدارته والقيم الحاكمة لمؤسساته السياسيـــــة والاقتصادية.
وفي خضم هذه التطورات في بنية الدولة العربية الحديثة والعلاقة مع الخارج، كانت المجتمعات الغربية تزداد رفاهاً وثروة. ولان المثقف العربي هو بطبيعته أول أبناء مجتمعه وعياً بالعالم من حوله، ولان وسائل الاتصال الحديثة باتت تنقل رفاه المثال الغربي إلي الفضاء الثقافي العربي كما لم تفعل من قبل، ولان تفكك البني الاقتصادية العربية أدي إلي تحول المجتمعات العربية إلي مجتمعات استهلاكية، فقد تعاظمت هموم الثروة والرفاه لدي الإنتلجنسيا العربية. كل فئات المجتمعات العربية هي فئات كادحة من أجل المعاش، ولكن وطأة متطلبات الرخاء وصعود السلم الاجتماعي هي الأثقل لدي المهنيين والمثقفين العرب. والدولة الحديثة هي كائن بالغ الذكاء، تتحرك بقوة عوامل إعادة إنتاج ذاتها بإعادة إنتاج وسائل القوة والسيطرة. وهي لذلك أسرعت في التقاط هموم الإنتلجنسيا وطموحاتها والاستجابة لهذه الهموم. ولم تكن الدولة الحديثة تحتاج الدخول إلي مساومة مكشوفة مع الإنتلجنسيا العربية، فقد كانت كل الأطراف تدرك شروط الصفقة الاجتماعية التاريخية.
خلال العقدين أو الثلاثة الماضية وفرت الدولة العربية للمهنيين والمثقفين العرب كل السبل الممكنة لتحقيق طموحات الرفاه الاجتماعي، سواء ضمن أجهزة الدولة ومؤسساتها، أو بطرق الارتباط بالخارج. والإنتلجنسيا من ناحيتها، حتي وهي تقف في صفوف المعارضة، حرصت علي تجنب خطوط الدولة الحمراء. في أحوال أخري، لم تكن الدولة حتي في حاجة لان تبذل مثل هذا الجهد؛ فقد انتشرت في دوائر الإنتلجنسيا العربية أيديولوجيا النجاح بمعناه الرأسمالي ـ البرجوازي المجرد، وانتقلت الإنتلجنسيا العربية بذلك من موقع الناطق باسم الجماعة والمدافع عنها إلي موقع التصارع علي الموارد المحدودة المتاحة. في النهاية، وفيما عدا حالات قليلة واستثنائية، تحول المثقفون العرب من حيث أرادوا أو لم يريدوا إلي طبقة تلهث وراء طموحاتها المادية والإجتماعية، وإلي ظاهرة سياسية صوتية: لا الشعب يلقي بالاً إلي رطانتهم، ولا الدولة تأخذهم مأخذ الجد.
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث