بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي

د. محمد عابد الجابري  

 

كان قصدنا من الملاحظات التي سجلناها في المقالين السابقين الوصول إلى السؤال التالي الذي ينقلنا إلى موضوعنا، أعني خصوصية مفهوم "الحق" في عبارة "حقوق الإنسان":
هل نستطيع الوصول إلى "حقوق الإنسان" بمفهومها المعاصر من هذه الطريق التي سلكنا إلى الآن؟ وبعبارة أخرى: كيف يمكن انتشال مفهوم "حقوق الإنسان" من ميدان النسبي، والتفكير فيه في فضاء المطلق؟
لقد انطلقنا في التفكير في مفهوم "حقوق الإنسان" تحت سلطة وتوجيه فكرة ثنائية "الحق والواجب"؛ ومع أنه بالإمكان الاسترسال في التنظير للحق والواجب على المستويين القانوني والأخلاقي فإن ما تقدم يكفي لجعلنا ندرك أنه يصعب جداً، إن لم يكن يستحيل، الوصول من هذا الطريق إلى مفهوم "حقوق الإنسان"!
لماذا؟
يمكن أن نقدم كتبرير أولي أن مفهوم "حقوق الإنسان" متحرر من التقيد بعلاقة التلازم القائمة بين الحق والواجب، علاقة "المقايضة" التي أبرزناها قبل. ذلك أنه إذا كانت فكرة "الحق"، على المستويين القانوني والأخلاقي، تستدعي فكرة "الواجب"، لكونها تعبر عن علاقة بين الناس، بعضهم مع بعض، أو بين الفرد والمجتمع، علاقة يكون فيها "الحق" كنوع من العوض لـ "الواجب"، فإن مفهوم "حقوق الإنسان" لا يستدعي أي مقابل ولا أي عوض. حقوق الإنسان بالمعنى المعاصر هي حقوق له من حيث هو إنسان وليس من حيث أن عليه واجبات.
كيف يمكن أن نتصور "حقوق الإنسان" بهذا المعنى؟ وكيف ينبغي أن نؤسسها؟
هنا لابد من تجاوز التحليل القانوني والأخلاقي الذي يستمد مواده من التاريخ والمجتمع، ومن ثم لابد من الارتقاء إلى مستوى التحليل الفلسفي الذي يشرع لكل من المجتمع والتاريخ!
ذلك ما تم مع اليونان، وخصوصاً مع "سقراط" و"أفلاطون" و"أرسطو".
قد يتساءل القارئ: لماذا فقط مع هؤلاء؟

يمكن أن نقدم إجابة عامة فنقول: لأن التحليل الفلسفي المنظم إنما ظهر مع مفكري الإغريق، حسب ما لدينا الآن من معارف عن تاريخ الفكر البشري! (قد يكون هناك فلاسفة قبل اليونان، ومن شعوب أخرى، ولكن لا شيء لدينا عنهم).

وبقطع النظر عن هذه المسألة يمكن القول إن التحليل الفلسفي كطريقة في النظر، سواء كان صاحبه من هذه الجهة أو تلك من جهات المعمور، لا يفسر بمفرده ما نحن بصدده، أعني ما عبرنا عنه بالارتقاء بالتفكير في "الحق" إلى المستوى الفلسفي الذي سنخوض فيه الآن.

ذلك أن الانتقال بفكرة "الحق" من المستوى القانوني التاريخي الاجتماعي إلى المستوى الفلسفي إنما تم عبر خاصية لغوية هي كون الكلمة التي تفيد معنى "الحق" من الكلمات التي تقال بـ"اشتراك"، في اللغة اليونانية واللغات الأوروبية عموماً؛ فاللفظان "droit, loi" بالفرنسية و"law, right" بالإنجليزية يقالان بمعنى "القانون الوضعي" الذي تعتمده المحاكم - مثلا- وبمعنى الاستقامة وعدم الانحراف عن "القانون الطبيعي" الذي يحكم الظواهر الطبيعية (الخط المستقيم، الزاوية القائمة... إلخ). أما في اللغة العربية فكلمة "حق" لا تقال بهذا النوع من الاشتراك: لا نقول:"الحق الطبيعي" بمعنى القانون الطبيعي (كقوانين الفيزياء)، ولا نقول: "الخط الحق"، ولا "الزاوية الحق".

ربما يرجع هذا الاشتراك في كلمة "قانون"، في اللغات الأوروبية (والاشتراك هنا يعني دلالة الكلمة الواحدة على معان مختلفة)، إلى كون الفلسفة بدأت عند اليونان بالبحث في الأخلاق والسياسة مع الحكماء السبعة في القرن السابع قبل الميلاد. فهؤلاء - ومنهم صولون ودراكون- هم الذين شرعوا للمدينة اليونانية فوضعوا لها قوانين وضعية (من وضع العقل) بعد أن كانت تتبع "الناموس"، أي القانون الذي ينسب للآلهة. كان من بين هؤلاء الحكماء "طاليس" أول الفلاسفة، وكان في نفس الوقت من العلماء الطبيعيين الذين كان شغلهم الشاغل إرجاع ظواهر الطبيعة إلى مبدأ واحد أو جملة مبادئ. ومن هنا كان التفلسف يعني البحث عن "القوانين" التي تحكم الطبيعة وتحافظ على نظامها. وربما كانت فكرة "القانون الطبيعي" مستوحاة من القانون الاجتماعي الذي ينظم المدينة/الدولة في اليونان. وعلى كل حال ففكرة القانون الذي يحكم ظواهر الطبيعة والقانون الذي ينظم شؤون المدينة قد عرفت النور في فضاء فكري واحد عند اليونان، مما لابد أن يكون له دور ما في هذا "الاشتراك" الذي تختص به كلمة "قانون" ورديفها كلمة "حق".

ومهما يكن فالثابت أنه عندما أخذ السفسطائيون يشككون في قوانين المجتمع، في ثباتها وعموميتها، ويلحون على كونها نسبية تختلف من مجتمع لآخر ومن عصر لآخر، انطلاقاً من مبدأ أن "الإنسان مقياس كل شيء"، وأن القانون الحقيقي الذي يحكم شؤون المجتمع البشري هو نفسه "قانون الغاب"، أعني "رأي الأقوى"، جاء الرد على لسان "سقراط" أولا، ثم على لسان "أفلاطون" و"أرسطو" من بعده. وقد اعتمد الثلاثة في ردهم على التمييز بين القانون الوضعي، الذي تطبقه المحاكم والقانون الطبيعي الذي هو "العدل" نفسه.

القانون الوضعي يتغير ويختلف بتغير المجتمعات والعصور واختلافها. أما القانون الطبيعي فيتميز بالثبات والاطراد، قوامه نظام الكون. و"النظام" في الطبيعة معناه أن كل شيء من أشياء الكون وكل ظاهرة من ظواهره يحتل المكان المناسب له وللنظام ككل. وذلك ما عبروا عنه بـ"العدل". فالعدل على مستوى الكون هو إنزال كل شيء منزلته "الطبيعية". وقد استعير هذا المعنى من الطبيعة ووظف في المجتمع، فقالوا - قال فلاسفة اليونان- العدل في المجتمع هو "إنزال الناس منازلهم". والقانون الوضعي مهمته هي هذه بالضبط: أعني إنزال الناس منازلهم. وقد ورثت القرون الوسطى في العالم العربي والعالم الأوروبي هذا المعنى لـمفهوم العدل.

من هنا يتضح أن للقانون الوضعي، الذي هو نسبي بطبيعته، مرجعية تنتمي إلى فضاء المطلق، هي "القانون الطبيعي"، أو نظام الكون "الكوسموس"، الذي لا يتخلَّف ولا يختلف ولا يتغير! فـ"الحق" المطلوب في المجال الإنساني بمثابة "الخط المستقيم" في الطبيعة، الخط الذي لا انحراف فيه، أو بمثابة الزاوية القائمة التي تساوي دائماً 90 درجة، لا تميل يميناً ولا شمالا.

هذه المزاوجة بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي هي التي سمحت –في العصر الحديث- بالارتفاع بـ "حقوق الإنسان" إلى مستوى أعلى: من مستوى القانون الوضعي النسبي، إلى مستوى القانون الطبيعي المطلق، ومن ثمة قيل: إن حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية للإنسان، تماماً مثلما أن القوانين الطبيعية هي "حقوق" طبيعية للكون، أعني قوانينه. ويمكن أن نفهم هذا جيداً إذا نحن فهمنا الإنسان على أنه "جسم" أولا وقبل كل شيء، وأنه بالتالي جزء من الطبيعة تسري عليه قوانينها، وأن له "حقوقا" أو قوانين خاصة به.

يتضح مما سبق أن المرجعية التي تؤسس مفهوم "حقوق الإنسان" هي غير المرجعية التي تؤسس مفهوم "الحق والواجب"، وبالتالي فكلمة "حقوق"، في عبارة "حقوق الإنسان"، لا تجد خصوصية معناها لا في سجل العلوم القانونية ولا في لغة الأخلاق. إن لها مرجعية خاصة، شرحنا أصولها. والسؤال المطروح الآن: هل هذه "الأصول" أصول واقعية تاريخية أم أنها افتراضية نظرية