سورية في 2005: هل سيكون الآتي أدهي من الذي تأخّر؟

 

صبحي حديدي
في اليوم الأوّل من العام الحالي، الذي ينصرم منتصف الليلة، اعتبر كاتب هذه السطور، في هذه الصفحة بالذات، أنّ العام 2004 لا يحمل الكثير من بشائر الخير لسورية، وأنّ القادم قد يكون أدهي. وكما يمكن للمرء أن ينتظر، لاح هذا الموقف تشاؤمياً في نظر البعض، لكي لا أذكر وأذكّر بالمواقف المسطّحة والسطحية التي ضمّت الموقف إلي حزمة التصانيف المعتادة: حاقد، معارض علي طول الخطّ، متعامٍ عن نصف الكأس المليء... بل إنّ أحد الأشاوس كتب (في نشرة إلكترونية سورية يزعم صاحبها أنها، مثله، ليبرالية تعدّدية رصينة) يقول إنني ـ والعياذ بالله ـ أزفر سمّاَ ضدّ النظام!
وممّا يحزّ في النفس، حقاً وبصدق، أنّ أسابيع قليلة مرّت قبل أن يأتي الأدهي، فتبرهن السلطة الحاكمة في سورية علي أنّ الكأس ليس شبه فارغ فحسب، بل هو مضرّج بدماء عشرات المواطنين السوريين الأكراد في مدن وبلدات مثل القامشلي والحسكة وعامودا وعفرين، فضلاً عن حلب ودمشق. ثلاثة أيّام من المواجهات الدامية، مطلع شهر آذار (مارس) بين قوّات الأمن وأعداد من المواطنين الأكراد، في أعقاب مباراة كرة قدم كانت فيها السلطة أوّل من أشعل فتيل العنف والمواجهات والفتنة. ثلاثة أيام قُتل خلالها 19 شخصاً وأُصيب قرابة 150 بجروح مختلفة، واعتُقل آلاف الأكراد. ولقد هرع إلي منطقة الجزيرة وزير الداخلية آنذاك علي حمود، واللواء محمد منصورة المسؤول الذي ظلّ طيلة عقود يدير الاستخبارات العسكرية في المنطقة، فضلاً عن ماهر الأسد، شقيق الرئيس وقائد الحرس الجمهوري، الذي جاء ليشرف بنفسه علي نشر وحدات عسكرية خاصة أعادت إلي الذاكرة حلكة أيّام وليالي حصار المدن مطلع الثمانينيات.
لكنّ الأمر الجوهري كان، ويظلّ اليوم أيضاً، الاضطهاد الواسع، السياسي والمدني وحتي العنصري، الذي يتعرّض له الأكراد السوريون منذ أكثر من نصف قرن، وخلال حكم حزب البعث بصفة خاصة. وطرائق التمييز ما تزال تتضمن التجريد من الجنسية، والحرمان من حقوق التعليم، وعدم تسجيل الولادات الجديدة، والمنع من السفر، فضلاً عن التحريم شبه التامّ المفروض علي الحقوق الثقافية والسياسية الأساسية مثل تعليم وتعلّم اللغة الكردية، أو إحياء الأعياد (النوروز، مثلاً) دون إذن خاص من السلطات الأمنية.
الأرقام، من جانبها، تظلّ أصدق إنباءً من كلّ توصيف بلاغي لمحنة أكراد سورية: في سنة 1962 افتعلت الحكومة إحصاء سكّان استثنائياً في محافظة الحسكة وحدها، أسفر عن تجريد نحو 200 ألف مواطن كردي من الجنسية وتسجيلهم في القيود بصفة أجنبي . الإحصاء ذاته أدّي إلي تجريد 80 ألفاً آخرين ولكن دون تسجيلهم في القيود هذه المرّة، ممّا استولد الوضعية العجيبة المسمّاة بـ المكتوم ، والتي تُعدّ أسوأ من نظيرتها وضعية الـ بدون الكويتية.
وفي سنة 1963، وعلي هدي دراسة شهيرة أعدّها محمد طلب هلال ورفعها إلي قيادة حزب البعث (وكانت عنصرية بكلّ المقاييس، لأنها اقترحت جملة إجراءات تكفل تذويب الأكراد في البوتقة العربية!)، شهدت سورية أسوأ الإجراءات التمييزية علي امتداد تاريخها الحديث والمعاصر: تعريب أسماء عشرات القري والبلدات الكردية، وعلي نحو قوموي عصابي غالباً (كأنْ تنقلب بلدة اسمها قبور البيض إلي القحطانية !)؛ ومنع الأكراد من تسجيل أطفالهم في القيد المدني إذا اختاروا لهم أسماء كردية؛ وحظر الطباعة باللغة الكردية... وبالطبع، كانت التتمة المنطقية هي إقامة حزام عربي بطول 375 كلم وعمق يتراوا بين 10 ـ 15 كلم، علي طول الحدود السورية ـ التركية، أسفر عن ترحيل 120 ألف مواطن كردي من 332 قرية، وبناء قري نموذجية محلّها ليسكن فيها عرب الغمر ، الذين جيء بهم من محافظة الرقّة.
والرئيس السوري احتاج إلي أسابيع معدودات لكي يسفّه، بنفسه وبلسانه، نائبه عبد الحليم خدام ورئيس وزرائه محمد ناجي العطري وتسعة أعشار كتّاب الإعلام الرسمي، ممّن لم يتركوا تهمة عمالة للأجنبي وارتباط بالخارج إلا وألقوها علي كاهل المواطنين الأكراد. رئيس الوزراء، مثلاً، اعتبر الأمر مبيتاً ، والمبيّتون هؤلاء هم بعض المرتبطين بالأجنبي ، ممّن يسّروا هذا الموضوع غالمواجهات الدامية!ف وفق ما يخُطط له من الخارج بوسائل وآليات مختلفة . بشار الأسد، وفي حديث مع قناة الجزيرة ، قال ببساطة: لم يثبت التحقيق أيّ تدخّل خارجي في أحداث القامشلي !
هذه محض مقارنة بسيطة، لعلها تنفع البعض في طيّ حكاية التشاؤم والتفاؤل، وتذكّرهم أنّ تأبّط الشرّ مثل استبشار الخير ليس هو الترياق المناسب لتأمّل حال الاعتلال الراهنة في سورية، فكيف بتبصّر العلاج! مقارنة مماثلة تماماً هي تصريح بشار الأسد حول انفجار حيّ المزّة الذي وقع أواخر شهر نيسان (إبريل)، وما أعقبه من تبادل لإطلاق النار أسفر عن مقتل شرطي سير وامرأة عابرة. آنذاك، أعلنت السلطات الأمنية أنها تغلبت علي مجموعة إرهابية تتألف من أربعة أشخاص، وبعد ساعات قليلة عرض التلفزيون السوري صوراً لمخبأ نُسب إلي المهاجمين وُجدت به كمية من السلاح في قرية جنوب العاصمة. وبعد أيام معدودات، وخلال حديث مع ضباّط الجيش، أكد الرئيس السوري أن ما جري حادث معزول وشأن سوري داخلي لا علاقة للخارج به لا من قريب ولا من بعيد !
ولعلّ بين أبرز نُذر السوء التي شهدتها سورية خلال هذا العام كان تدهور العلاقات السورية مع فرنسا إلي درجة غير مسبوقة، ليس في عهد بشار الأسد فحسب، بل علي امتداد ثلاثة عقود من عمر الحركة التصحيحية أيضاً. الأسباب المعلنة كانت إصرار دمشق علي تعديل الدستور اللبناني بما يضمن التمديد ثلاث سنوات للرئيس الحالي إميل لحود. وأمّا الأسباب البعيدة، والخافية، فهي أنّ الرئيس السوري حنث بوعد كان قد قطعه شخصياً للرئيس الفرنسي جاك شيراك، وتضمّن منح واحد من أكبر عقود الغاز السورية إلي شركات فرنسية. ولقد ذهب العقد إلي ائتلاف شركات أمريكية ـ كندية ـ بريطانية، وذلك في ذروة تصاعد الضغط الأمريكي علي دمشق، وبعد قانون محاسبة سورية ، وتبدّل خطاب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير علي نحو عدائي تجاه سورية.
وبالفعل، في أواسط أيار (مايو) كان البيت الأبيض قد أعلن بدء تطبيق عدد من العقوبات في اطار تنفيذ قانون محاسبة سورية الذي أقره الكونغرس الأمريكي في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 ووقعه الرئيس الامريكي جورج بوش بعد ذلك. وشملت العقوبات منع طائرات تملكها أو تشرف عليها الحكومة السورية من الإقلاع من الولايات المتحدة أو الهبوط في الأراضي الأمريكية، وحظر صادرات الذخائر وأيّ منتجات من الولايات المتحدة إلي سورية باستثناء الأغذية والأدوية. كذلك فإن وزارة الخزانة الأمريكية لوّحت بتجميد حسابات المصرف التجاري السوري بسبب عمليات تبييض اموال مفترضة، فضلاً عن ودائع يملكها بعض الأشخاص والهيئات الحكومية السورية ، في غمز مباشر إلي احتمال تجميد الودائع الخاصة لبعض كبار المسؤولين والمتنفذين في النظام، والتي تبلغ ملايين الدولارات.
أحداث أخري دالة علي مسارات التردّي تشمل الموقف من التسوية واستئناف المفاوضات مع الدولة العبرية. ففي مطلع العام نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن السيناتور الأمريكي بيل نلسون، الذي التقي الأسد في دمشق، أن سورية مستعدة للتفاوض مع إسرائيل دون أي شرط مسبق، ويمكن ان توافق علي استئناف مفاوضات السلام معها من نقطة الصفر . وبعد أيّام قليلة سوف يؤكد الرئيس المصري حسني مبارك، خلال لقاء مع المثقفين المصريين، أنّ نظيره السوري أكد له استعداده للتفاوض مع إسرائيل دون شروط مسبقة بل من نقطة الصفر إذا اقتضي الامر. ولن يُختتم العام قبل أن تؤكد القاهرة مجدداً، وإثر قمّة جمعت مبارك والأسد، أنّ سورية مستعدّة للتخلّي حتي عن وديعة رابين الشهيرة، التي ظلّ الأسد الأب متمسكاً بها حتي النهاية.
وفي أواخر أيلول (سبتمبر)، وفي تطور خطير وغير مسبوق، ضربت الاستخبارات الإسرائيلية في قلب العاصمة السورية دمشق، واغتالت عز الدين صبحي الشيخ خليل من كوادر حركة المقاومة الإسلامية حماس . واعترفت مصادر إسرائيلية مختلفة بوقوف الدولة العبرية وراء الاعتداء الحاصل علي الأراضي السورية، إذ نقلت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي عن مسؤولين إسرائيليين تأكيدهم أن العملية نفذها عملاء إسرائيليون. ولسوف تضرب إسرائيل مرّة أخري، الأمر الذي سينطوي علي تطوّر آخر ذي مغزي، وهو إطلالة وزير الداخلية الجديد اللواء غازي كنعان للتعليق بنفسه علي الحدث، ومن شاشة التلفزة الرسمية السورية!
وكان كاتب هذه السطور، وليس البتة من منطلق زفر السموم ضدّ النظام الحاكم في دمشق، قد أشار إلي أنّ نجم غازي كنعان سوف يعلو أكثر فأكثر، وذلك منذ عام 2002 حين نُقل كنعان من رئاسة جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان إلي إدارة الأمن السياسي في دمشق. وكانت قناعتنا، وتظلّ، أنّ إسناد الداخلية إلي كنعان ليس التفصيل الأهمّ في التعديل الوزاري الذي أجراه الأسد علي حكومة العطري مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي فحسب، بل هو التطوّر الأمني الأبرز بعد رحيل حافظ الأسد في حزيران (يونيو) 2000.
وكان يقيننا، ويظلّ، أنّ صعود نجم كنعان يقوّي فريق الرئيس السوري من جانب أوّل، ومن جانب ثانٍ يقيم توازناً أفضل بين الأجهزة الأمنية الرئيسة (الأمن العسكري، الأمن القومي، الأمن السياسي، مخابرات القوي الجوية، مخابرات الحرس الجمهوري) عن طريق استقدام ضابط كان بين الأكثر اطلاعاً علي أسرار العمل الأمني في عهد الأسد الأب. وهذا الرأي تعزّز مؤخراً مع قيام الأسد بـ حلّ الفرع الغامض الذي كان يترأسه صهره والرجل القوي آصف شكوت في ادارة المخابرات العسكرية، ومع الأنباء التي ترددت وأفادت أنّ كنعان يعمل علي نحو منهجي لاستجماع معظم الصلاحيات الأمنية في يده، تحت ستار/شعار توحيد الأجهزة الأمنية.
والأرجح، كذلك، أنّ إسناد حقيبة الداخلية إلي كنعان يطمئن الولايات المتحدة حول ضبط الحدود العراقية ـ السورية، أكثر ممّا كان يطمئنها وزير الداخلية السابق اللواء المتقاعد علي حمود، لأسباب عديدة ليس هنا المقام المناسب للخوض فيها. ما يجب التأكيد عليه دون إبطاء، مع ذلك، هو أنّ صعود نجم كنعان لا يعني البتة أنّه يقف في صفّ الإصلاح الديمقراطي الجوهري كما يبتغيه الشارع السوري وقواه المعارضة، وليس مؤكداً كذلك أنه سينصر الرئاسة في أية معركة قد يضطرّ الأسد إلي خوضها ضدّ هذا أو ذاك من أفيال مراكز القوي.
المثير أنّ التعديل الوزاري انطوي، بدوره، علي ما يحيل إلي التشاؤم: ثمة زيادة في عدد الوزراء البعثيين، حلّوا محلّ وزراء مستقلين (مثل وزير الاقتصاد)، وخروج وزراء ليبراليين أو قادمين من مؤسسات دولية... الأمر الذي يشكل ارتداداً صريحاً عن النهج الذي تردّد أنّ الأسد يميل إليه منذ البدء (التخفيف من قبضة الحزب الحاكم، واللجوء إلي المستقلّين والخبراء والتكنوقراط)، ممّا يوحي أنّ حكاية إقالة عصام الزعيم لن تكون آخر الأحزان في صفّ المتفائلين بـ الحلقة الإصلاحية التي قيل إنها تحيط بالرئيس الشابّ!
ألا توجد بارقة إصلاح واحدة علي امتداد هذا العام، رغم هذا كلّه؟ نعم: تقاعد العماد مصطفي طلاس، وزير الدفاع المزمن، وهو الحدث ـ اللاحدث تقريباً، الخالي من أيّة دلالة أمنية أو سياسية! كذلك إفراج السلطة عن بعض المعتقلين السياسيين، نعرف أعدادهم من وسائل الإعلام الرسمية ولكننا لا نعرف من أسمائهم إلا القليل. وما نعرفه يبيّن أنّ غالبيتهم جاؤوا من صفوف الذين أتمّوا مدد أحكامهم منذ أشهر، وأنّ الإفراج عنهم ليس سوي تطبيق لأحكام القضاء... متأخر! وممّا يحزّ في النفس، مجدداً، أنّ بشائر الخير ليست هي التي تلوح في سماء سورية هذه السنة أيضاً... والرجاء أن لا يكون الآتي أدهي من الذي تأخّر!