كلمة أمل عن المستقبل العربي

 

 



د. محمد السيد سعيد

 

 

 

في غيوم الاستعصاءات التي تبث اليأس في النفس العربية ثمة أمل يبرق من بعيد.
قد يستقبل القارىء هذه الكلمة بهز الأكتاف والتعبير باستخفاف عن الضجر من كلمة "أمل" تطلق في مناسبة العام الجديد ويقول هذا كاتب آخر يطلق بخور الأمل الكاذب وربما الخادع وكأنه لا يدري مدى اليأس الذي يكتنف النفس العربية الجماعية. وسوف يسرد هذا القارىء سلسلة من خيبات الأمل: التفرق العربي الذي جعل الشعب الفلسطيني يقاتل وحده آلة الاحتلال والدعاية الاسرائيلية الجبارة، فشل النظام العربي في منع غزو العراق أو التعاطي الخلاق مع قضية الاحتلال واعادة بناء دولة ديمقراطية. انفجار الوضع في دارفور حتى قبل أن ينعقد السلام في جنوب السودان. الحالة العبثية بين الجزائر والمغرب حول الصحراء. الأزمات والخلافات التي شلت الاتحاد المغاربي والأزمة التي واجهها مجلس التعاون الخليجي هذا العام. التهديدات التي تلم بسوريا ولبنان والضغط المتزايد على البلدين العربيين من جانب قوى دولية عاتية. ركود الوضع السياسي والرفض المتبرم للاصلاح السياسي والدستوري في جميع الدول العربية تقريبا باستثناء المغرب، وضآلة التحسن في الوضع الاقتصادي، واستمرار حيرة وتشتت المثقفين العرب أمام الأزمة الطاحنة والخانقة في السياسة والثقافة العربية وخاصة مع استمرار صعود وتوسع رقعة التيارات الأشد جمودا في تفسير الاسلام.

تكفينا هذه القائمة من المشاكل لكي نفهم ردود فعل القارىء عندما نتحدث عن بريق أمل. فالعالم العربي يتفكك أكثر وأكثر ولا يبدو أن ثمة زعيما أو دولة أو تيارا سياسيا قادرا على وقف التدهور في الحالة العربية والعمل على لملمة القدرات العربية لكي نتصدى بصورة مقبولة للتحديات التي تواجه هذه الأمة وتهد في حيلها.

ولكن الخطأ الكامن في فلسفة اليأس هي أنها لا ترى الصورة في تعقيداتها وتعدد زواياها وتحولاتها التاريخية. كما أن ثمة خطأ كبيرا أيضا في الاكتفاء بالنظر الى سطح الصورة دون سبر أغوارها. وهناك خطأ ثالث في شيوع الاعتقاد بأن الركود والتدهور اللذين يلمان بالمنظومة العربية يعزيان الى عيب جوهري إما في جينات العرب أو في ثقافتهم. وفي ظروف التدهور النفسي من الطبيعي أن نشهد تصويرا يائسا للحالة العربية. إذ يقابل المرء كل يوم من يقولون إننا كعرب عاجزون كليا ولا نحسن أداء شيء وإننا على هامش الدنيا كلية وإننا مفعول به لا يقدر على التحكم في مصيره في شيء. وهذه بدورها رؤية غير علمية.

ولكي نبدأ من حيث يجب أن ننتهي نقول إن الرؤية العلمية للوضع العربي العام وحركته في الزمان قد تقود الى أوضاع أسوأ وتفكك أشمل، ولكنه قد يسير في اتجاه تقدمي وأنه قد يفتح بابا للأمل. والأمل هنا هو نتيجة وهو أيضا فعل أو منظور لفعل. الأمل الذي نتحدث عنه هو قبل كل شيء مورد ثقافي والتزام أخلاقي. وحتى لو أخذنا بعض جوانب الصورة الأكثر قتامة فسوف نجد فيها بعض ما يبعث على الأمل. صحيح أن التحالف الأنجلو أميركي نجح في غزو العراق وأن العرب مجتمعين فشلوا في وقفه بل ربما يكون البعض قد تعاون معه. ولكن هذا التحالف فشل سياسيا وعسكريا حتى الآن في العراق، وهو ما يعني أننا لا نستأثر بالفشل.

فالدولة العظمى الوحيدة هي أيضا فاشلة حتى فيما يتعلق بالبديهيات. فكما قال المؤرخ العسكري الرسمى الأميركي إن الادارة الأميركية ذهبت الى العراق بدون خطة لما بعد الغزو. وهي الآن لا تملك الاستمرار بلا نهاية ولا تملك استراتيجية خروج. وبتعبير آخر فرض الأميركيون تهديدا خطرا للأمن العراقي والعربي ولكنهم لم يتمكنوا من فرض رؤيتهم للمسألة العراقية بحرية. وما حدث هو بالنهاية توازن شلل متبادل.

صحيح أيضا أن "المقاومة" العراقية ليست حكيمة سياسيا وليست مقبولة من فرقاء الموقف العراقي. ولكن ثمة شيئا لا بد أن يلفت النظر وهو أن هذه المقاومة تتعامل بكفاءة – حتى لو رآها البعض شريرة- مع الاحتلال الأميركي للعراق. وهذا يعني أن بعض العرب يمكنهم القيام بأعمال لا تقل كفاءة عن أي جماعة بشرية أخرى بما فيها الأميركيون. يكفي أن ننظر للصورة بتجرد وعن بعد لكي ندرك أن عددا محدودا من المقاتلين العرب أفشلوا الجيش الأول في العالم عتادا ومالا وعلوما وتكنولوجيا. ويصدق ذلك حتى بالنسبة لتنظيم القاعدة الذي قد ندين أفكاره ولكن لا سبيل لانكار كفاءته المذهلة في توظيف موارد وقدرات منكمشة للاستمرار في شن حرب عالمية ضد الولايات المتحدة.

وبوسعنا أن نرى نموذجا بناء للكفاءة في حالة الفضائيات العربية التي صارت مع كل مشكلاتها إحدى قوى استعادة التوازن في منظومة الاعلام الدولي التي افتقرت لأدنى مقومات التوازن لعقود طويلة. ما نقوله هنا إن بوسع العرب أن يقوموا بأعمال لا تقل كفاءة أو مستوى من حيث مقاييس الأداء العالمية لو توفرت الارادة والموارد وحسن التخطيط. ولكن كيف تتوفر الإرادة؟

تبدو هذه عملية بالغة التعقيد. ومن حقنا أن نشكو من الفوضى والتحلل في النظام العربي. ولكن يمكننا أن نرى الصورة من منظور تاريخي بصورة مغايرة ولو الى حد ما. فجميع النظم الاقليمية التي تصنف كجماعة دولية متوسطة التطور تشهد نفس حالة الفوضى الاقليمية التي نعاني منها أو أشد منها. وبتعبير آخر فإن جانبا مهما من الفوضى يرتبط بالمستوى الوسيط من التطور وهو المستوى الذي تنتمي اليه غالبية الأقطار العربية. فقد لا تكون هناك مشكلة هيكلية في بناء نظم اقليمية فعالة عند مستوى بالغ الانخفاض أو مستوى بالغ الارتفاع من التطور الاقتصادي والاجتماعي. ولكن هناك دائما مشكلة – أو مشاكل- هيكلية عند هذا المستوى الوسيط.

ورغم قتامة الصورة العربية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فهناك كثير من التطورات الايجابية التي قد تقود- اذا ما تم تجميعها- الى آمال كبيرة. فعلى المدى المباشر وطويل المدى تتحسن أسعار النفط وهو ما يؤدي الى بداية انتعاش قد يجمع قوة دفع اضافية للنمو. وفي اللحظة الراهنة هناك تحسن ملحوظ في الاهتمام بالتجديدات التكنولوجية واستيعابها في النسيج الاقتصادي وفي الحياة العربية بوجه عام. والتكنولوجيات الرقمية وتطبيقاتها الاعلامية أحد أهم هذه المؤشرات. كما دخلت فئات جديدة الى قلب نخبة الدولة مثل الجماعات المتصلة بتكنولوجيا المعلومات وغيرها من التكنولوجيات ورجال الأعمال. ولم يجد هذا الدخول ترجمة فورية في مجال الاصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي. فهو لا يكفي. ولكنه بذاته وبانعكاساته المستقبلية اتجاه مبشر.

كما بدأ المثقف العربي يتحرك لاعادة احتلال موقعه في صدارة الفضاء العام في كثير من الأقطار العربية. وفرضت قضية التجديد الفقهي ذاتها في مجال الحياة الأخلاقية والدينية للعرب، وهي عملية قد تستجمع قوة دفع ما أن تبدأ الدول العربية في تطبيق اصلاحات جادة وجوهرية. ودخلت حركات مدنية واجتماعية أرقى فكريا وسياسيا بما لا يقاس الى المعترك العربي لتعيد اختراع الوحدة من أدنى بعد أن دمرت شعارات الوحدة من أعلى مؤسسات العمل المشترك. وثمة تحرير متزايد للفضاء العام الثقافي والسياسي وهي عملية تعبر عن نفسها في خصوبة هائلة للفكر الاجتماعي لم نشهدها منذ عقود بتأثير الهاجس الاصلاحي الذي بدأ يستلم زمام المبادرة الفكرية والثقافية من جديد وإن بصعوبة كبيرة.

هذه القوى الجديدة ليست مجمعة لكي تعطي قوة دفع كافية لتغيير جذري لاتجاه السياسة العربية الذي يتسم بالعنف والتفكك والانكشاف ولكنها قابلة للتجميع عبر ممارسة خلاقة. ولكن لا ممارسة خلاقة بدون أمل وهو العامل المساعد الأساسي وراء انبثاق مشروع نهضوي عربي جديد.

ولعلنا ننصرف لوضع هذا المشروع واطلاقه في الحياة العربية على كل مستويات الفعل الثقافي والسياسي. فهذا ما حدث في أوروبا بعد الحرب الثانية بعد أن عانت من فوضى أشد وحروب داخلية أكثر دمارا ورغم أجواء اليأس العام التي أطلعنا عليها جميعا في الفلسفة والآداب والفنون الأوروبية في هذا الوقت.