لماذا يتحاملون على سوريا؟

د. رياض نعسان أغا   - الاتحاد

لا أدري أكان الرئيس بوش يقصد إثارة استياء السوريين حين قال: إن سوريا بلد ضعيف جداً ولا يعتمد عليه. أم لم يخطر له أن هذه الكلمات تغضب كل مواطن سوري، بل كل مواطن عربي يقول في نفسه: إذا كان الرئيس بوش يرى سوريا ضعيفة ولا يعتمد عليها فكيف إذن يرى البلدان العربية التي هي أضعف من سوريا؟ وما ميزان الضعف والقوة عنده؟ أهو ما وصلت إليه الولايات المتحدة من قوة؟. إن كان الأمر كذلك فليست سوريا وحدها ولا الدول العربية مجتمعة بلداناً ضعيفة فقط، بل إن دولاً عظمى تملك أسلحة نووية تبدو ضعيفة جداً بالقياس لما تملك الولايات المتحدة من القدرة على تدمير البشرية؟.
والضعف مؤسف ومفجع ليس لسوريا وحدها بل للعرب والمسلمين في العالم كله، لأنهم لو وقفوا لحظة واحدة على قلب رجل واحد لمواجهة من يستهين بهم ويسخر من ضعفهم، واكتفوا بأن يبلغوه عتباً رقيقاً لطيفاً، لأعاد النظر فيما قال، فما بالك إذا أبلغوه رسالة جادة تذكره بأن الاستهانة بسوريا هي استهانة بأمتهم جميعاً وتهديدها هو تهديد لآخر معاقلهم. فسوريا ليست جارة لهم غريبة في المنطقة وإنما هي قلب عروبتهم وصرح تاريخهم، وحاضنة نضالهم، وهي تحمل سلمهم بالطول وليس بالعرض، وقضيتها قضيتهم، ولو كانت تريد خلاصاً فردياً لكان بوسعها أن تذهب إلى تل أبيب قبل أن يذهب السادات، ولكنها كانت تصر حين ذهبت إلى مدريد على أن يكون العرب أمة واحدة، وأن يعقدوا سلاماً شاملاً وعادلاً، وألا يؤخذوا فرادى فيضيعوا وتضيع حقوقهم. وقد صح منها العزم ولكن الدهر أبى، فإذا هي تهمل إلى آخر الطابور، ويصير عليها أن تنتظر حتى يرى الرئيس بوش ماذا سيفعل بشأنها بعد أن ينتهي من القضية الفلسطينية.

وأرجو ألا يفهم أحد أنني كمواطن سوري أريد أن يتفرغ الرئيس بوش لقضية سوريا أولاً قبل أن ينهمك في حل سلمي للقضية الفلسطينية، بل نحن نرجو أن يكون الرئيس بوش جاداً في وعده بأن يتفرغ في ولايته الجديدة لإحلال السلام، ونتمنى ألا يكون تصريحه نوعاً من اللعب على المسارات وفق السيناريو الإسرائيلي المعتاد. ونتمنى أن يجد حقاً حلاً عادلاً لقضية شعبنا في فلسطين. وعندها سيجدنا أكثر قوة وليس أكثر ضعفاً، فنحن واثقون من أننا سنحصل على حقنا، لأن السلام في المنطقة لا يكتمل بدون سوريا، ولكننا نستغرب أن يطلق الرئيس بوش تهديداته لسوريا بحيث تبدو وكأنها رد على نداء سوريا للعودة إلى المفاوضات، مما قد يفهم منه أن السلام مؤجل وقد طوي ملفه إلى أجل غير مسمى. كان شعبنا ينتظر أن يرحب الرئيس بوش باستعداد سوريا للبدء بالمفاوضات فوراً ويتوقع أن يعرب الرئيس بوش عن تقديره لما قدمته سوريا من دعم للعملية السياسية في العراق، وأن يقدر تعاونها مع الحكومة العراقية المؤقتة بما يخدم استقرار العراق وأمنه والحفاظ على وحدته، وأن يثني على حضورها مؤتمر شرم الشيخ، واستنكارها لما يمكن توصيفه بعمليات إرهابية (مما نعتقد في سوريا أنه مدسوس على شعبنا العراقي لتشويه نضاله ومقاومته الشريفة للاحتلال)، وأن يقدر استجابة سوريا لإيجاد حل عملي سريع لمشكلة الأموال العراقية، وأن يثني على تعاونها الأمني الجاد لضبط الحدود، وأن يقدر تأكيدها احترام القرارات الدولية، وأن يساعدها على تحقيق ما تسعى إليه من تطور وتحديث (إن كان حقاً معنياً بتحقيق الإصلاحات في المنطقة )، بدل أن يفرض عليها العقوبات ويهددها بالمزيد مما يشكل عوائق أمام برامجها التحديثية، ومما يصرف جهدها عن التفرغ للتطوير و الإصلاح.

وأحسب أن المواطن السوري البسيط قد يحتار إزاء تصريحات الرئيس بوش. أتراه يحزن لأن سوريا ضعيفة جداً ولا يعتمد عليها أم يزهو لأن سوريا وصلت من القوة إلى درجة القدرة على إرباك الولايات المتحدة في العراق كما يقول الرئيس بوش، وإرباك إسرائيل في حربها الوحشية ضد الفلسطينيين كما يقول شارون؟

ألا يعكس هذا التناقض في تقدير القوة والضعف، والتصعيد في توجيه الاتهامات لسوريا حالة ارتباك لدى الإدارة الأميركية وهي تواجه ما لم تقدره جيداً حين قامت بغزو العراق؟ وكيف نفسر هذا التحامل على سوريا في الوقت الذي تطلق فيه نداءات السلام وتقدم كل ما بوسعها من تعاون لإنجاح الحلول السياسية في المنطقة؟ وهي تتهم بدعم الإرهاب في العراق بينما يعرف الجميع أن سوريا أكثر دول المنطقة حاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار في العراق، وأكثرها تضرراً مما يحدث من فوضى فيه.

لقد بدأ شعبنا يشعر إزاء هذه التصريحات المتصاعدة ضد سوريا بأن ثمة أمراً يدبر ضده ضمن خطة استراتيجية أميركية إسرائيلية موضوعة سلفاً. كما أن الكثيرين من أبناء شعبنا يعتقدون أن من أدلوا من المسؤولين العرب بتصريحات يكيلون فيها الاتهامات الباطلة لسوريا مغلوبون على أمرهم، وربما طلب منهم أن يطلقوا هذه التصريحات بالتزامن مع حملة صحفية أميركية وصلت إلى حد المطالبة بعمل عسكري ضد سوريا وبتصعيد العقوبات الاقتصادية، وكان ذلك تمهيداً للتهديدات الأخيرة التي أطلقها السيدان أرميتاج وبوش.

أعتقد أن إنكار أهمية وجدية ما قدمته سوريا سيجعل الشعب السوري كارهاً لأي تعاون يمكن تقديمه في المستقبل، حيث سيقول لقد قدمنا الكثير ولم ينفعنا شيء، ونحن لا نريد أن يشعر شعبنا بمزيد من الإحباط، وأن يفقد ثقته بجدوى العمل السياسي.

وبالعودة إلى حديث القوة والضعف نعترف بضعف العرب والمسلمين جميعاً، ولكننا نتمنى على الولايات المتحدة ألا تتباهى بقوتها أمام الضعفاء، فلا فخر لها على الإطلاق بانتصارها على شعب أفغانستان المسكين أو على شعب العراق المنهك، وأعتقد أن كثيرين من الناضجين في الشعب الأميركي يشعرون بسخافة أن يكتب مؤرخوهم مستقبلاً عن حروب دولتهم العظمى في العالم ضد ابن لادن والظواهري وثلة رجال من أعوانهما، واستمرار هذه الحرب المجنونة التي شغلت الدنيا كلها دون أن تصل رغم فظاعتها إلى شيء، حري بأن يدعو الرئيس بوش إلى إعادة النظر في مقاييس الضعف والقوة.

إننا نرجو أن يوظف الرئيس بوش قوة بلاده العظمى لنصرة الضعفاء الذين يطالبون بحقوق مشروعة يقرها العالم كله، ولإحلال السلام وإنهاء الحروب، ونتساءل ألم ترتو إلى الآن نفوس الكارهين للعرب وللمسلمين من دماء الأطفال والنساء والأبرياء وهي تراق ظلماً في العراق وفلسطين؟ وليت أحد أصدقاء الرئيس بوش من العرب أو المسلمين ينصحه بأن يوجه للضعفاء خطاباً غير التهديد لأنه لا يليق بقوته. وأن يتمنى عليه أن يُسمِع العرب ولو لمرة واحدة كلمة طيبة لعلها تفتح بوابة الخلاص والأمل بحياة آمنة أمام ملايين الأطفال الذين تهدده الولايات المتحدة بقتلهم وبقتل آبائهم وأمهاتهم وهدم بيوتهم وتدمير مدنهم، إننا نخشى أن يتحول هؤلاء الأطفال إلى إرهابيين حين لا يجدون غير الموت مستقبلاً لهم