تركيا في ناظر دمشق: بؤرة الكوابيس أم النافذة علي العالم؟

صبحي حديدي - القدس العربي
في مختلف أجهزة البروتوكول الرسمي السوري، ولكن في كامل دوائر وزارة الخارجية بالذات، لا أحد اليوم ينبغي أن يتذكّر من ماضي السيد وليد المعلّم أنه كان السفير السوري السابق في واشنطن، وعلي الجميع أن يتذكّروا حاضره الراهن فقط: معاون وزير الخارجية السوري. وحين نقول اليوم نقصد المعني الزمني الحرفي للكلمة، أي تحديداً في مناسبة زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلي دمشق.
إليكم السبب لكي يبطل العجب، عند مَن لا يزال يَعْجب بالطبع: في عام 1998، وفي ذروة تصاعد التأزّم السياسي والأمني والعسكري بين دمشق وأنقرة، كان المعلّم سفير سورية في الولايات المتحدة، وكان أيضاً أبرز نافخي البوق الرسمي السوري حول مسألة حساسة ، (وهي كذلك بالفعل، بعد نزع الأهلّة عن المفردة)، تدور حول الحقّ الوطني السوري في، وعدم تنازلها البتة عن، لواء الإسكندرون (الواقع شمال سورية، والذي يضمّ مدينتَي أنطاكية علي ضفّة نهر العاصي، والإسكندرون علي شواطيء المتوسط، وتعادل مساحته مساحة إنكلترا)، والذي كانت سلطات الانتداب الفرنسية قد سلخته عن الجسم السوري، ومنحته هبة خالصة إلي تركيا علي دفعتين، في عام 1921 ثمّ 1939.
اليوم، ماذا يقول المعلّم، معاون وزير الخارجية هذه المرّة؟ إنه ينفي أن تتناول زيارة أردوغان بحث ترتيب أو ترسيم الحدود بين البلدين، علي غرار ما جري مع الأردن مؤخراً، ويؤكد وجود اتفاق ضمني بين الجانبين علي الابتعاد عن القضايا الخلافية ، والتركيز علي عوامل التقارب والمصالح المشتركة ! في عبارة أخري، كلام هذه الأيام يمحو كلام 1998، ولعلّه ثاني صمت سوري رسمي يرقي إلي مستوي الإقرار بطيّ ملفّ لواء الإسكندرون، حتي دون الإيحاء بعبارة من أيّ نوع تدلّ علي أنّ هذا الطيّ تمّ حتي إشعار آخر وليس إلي أبد الآبدين. الصمت الأوّل جري خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلي تركيا مطلع العام الحالي، حين اختصر سلخ لواء الإسكندرون في هذه العبارة: إنها مشكلة تحتاج إلي حلّ !
ذلك يعيدنا، وإنْ بإيجاز، إلي تلك الزيارة التي قيل إنها بدّلت جوهرياً طبيعة العلاقات السورية ـ التركية، فانتقلت بها من معادلة المواجهة والاحتقان والتوتر إلي الصداقة والتعاون والتكامل. ونتذكّر أنّ أقصي ما أبهج الأسد آنذاك أنّ الأتراك وافقوه في اعتبار قيام دولة كردية شمال العراق خطاً أحمر لا تسمح أنقرة ودمشق بتجاوزه! كذلك نتذكّر أنّ دمشق نفّذت حصّتها من الاتفاق الأمني الثنائي، وبحماس منقطع النظير أو زائد عن الحاجة في الواقع، لأنّ أجهزة الأمن السورية سلّمت إلي الأتراك 22 مشبوهاً تركياً كانوا يقيمون في سورية، سرعان ما أطلقت السلطات التركية سراحهم لعدم وجود أدلة علي أيّ تورّط في أعمال إرهابية!
هذه ليست عوامل كافية لإحداث نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، وعلي المرء أن يعود القهقري إلي صيف العام 1998 من أجل العثور علي السبب الفعلي الحقيقي لتبدّل الأمور، وانقلاب الخصام إلي وئام، واستبدال التوتّر بالتكامل. آنذاك أبلغت تركيا الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الرسالة الوجيزة القاطعة التالية: إمّا أن ترفع دمشق الغطاء عن عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني PKK، فتطرده من سورية ومن البقاع اللبناني، وتغلق معسكراته، وتوقف أيّ دعم لوجستي وعسكري واستخباراتي كانت تقدّمه له؛ ثمّ تفعل الشيء ذاته مع الجيش السرّي لتحرير أرمينيا ASALA، الذي يحظي برعاية أمنية سورية في لبنان؛ وإمّا... الحرب العسكرية المباشرة الشاملة، بوضوح وبساطة وبلا تأتأة!
قبل هذه الرسالة كانت تركيا قد استنفرت فرقة عسكرية كاملة لهذا الغرض، نشرتها مع قوّات أخري مختلفة التسليح علي طول الحدود مع سورية، البالغة 7431 كم. ورفعت التصعيد اللفظي إلي مستوي اتهام نظام الأسد بالرغبة في استخدام مياه نهر الفرات لغسل يديه من دماء الأتراك الأبرياء ، الذين قُتلوا هنا وهناك في عمليات الـ PKK حسب الزعم الرسمي التركي. ولا ريب أنّ الأسد الأب قلّب الرسالة التركية علي كلّ وجه ممكن، ورأي من جانب أوّل أنّ أنقرة لا تمزح هذه المرّة، وأنّه من جانب ثان لا يملك الكثير من الخيارات. والواقع أنه لم يكن يملك أيّ خيار آخر سوي تنفيذ ما يطلبه الأتراك. وهكذا انحني الأسد الأب، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1998، غادر أوجلان الأراضي السورية واللبنانية إلي غير رجعة، أو بالأحري غادرها إلي حيث يقيم الآن بالضبط: في المعتقل التركي!
ولقد خسر الأسد ورقة أساسية، كانت الوحيدة بين يديه في إدارة توازن من أيّ نوع مع الأتراك، أو علي الأقلّ في حيازة هامش مناورة لا مناص منه إذا استوجب المستقبل مقايضة أنقرة علي أيّ شيء. الأرجح أنّ الأسد الأب، وفي ما يخصّ العوامل التربوية والثقافية الفردية والعائلية التي كوّنت شخصيته، كان يميل غريزياً إلي الارتياب في الأتراك، بوصفهم أحفاد العثمانيين تحديداً وفي المحصّلة. كذلك كانت تركيا قد ذهبت أبعد ممّا ينبغي في احتكار مياه نهر الفرات، وباشرت سلسلة من السدود التي تهدّد الأمن المائي السوري في الصميم، وهذا خطر داهم لم يكن في وسع الأسد الأب مجابهته عن طريق أجهزة الأمن أو تشديد قبضة الاستبداد!
الجانب الثالث أنّ الجارة تركيا كانت تضرب مثلاً سيئاً في ناظر السلطة (أي: قدوة حسنة في ناظر المواطن السوري!)، خصوصاً حين أخذ هذا الأخير يتلفّت حوله ويري انهيار الأنظمة الشمولية واحدة تلو أخري، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ثمّ يري خلود الاستبداد السوري (وجاره وليد البعث الثاني: الاستبداد العراقي)، بل وتحوّله رويداً رويداً، وعلي نحو منهجي واضح للعيان، إلي استبداد وراثي. صحيح أنّ الديمقراطية التركية لم تكن أبهي نماذج الديمقراطية في العالم، ولكنها في الحساب الأخير كانت تنطوي علي انتخابات حرّة، وتداول سلمي للسلطة، وحرّيات مدنية أساسية. الأخطر ربما، وفي يقين الأسد الأب شخصياً، أنّ الديمقراطية التركية لا يغيب عنها العسكر والجنرالات، وهي إسلامية المنشأ آسيوية شرق ـ أوسطية!
الجانب الرابع، والأهمّ ربما، كان عضوية تركيا في الحلف الأطلسي، الأمر الذي لم يكن يقلق الأسد إلا في بُعد واحد جوهري: احتمال تطوّر العلاقات التركية ـ الإسرائيلية إلي مستوي يضع نظام الأسد بين فكّي كماشة. وبالطبع، لم تكن الجوانب العسكرية في أيّ تناغم تركي ـ إسرائيلي هي وحدها التي تقلق الأسد الأب، إذْ كان من الطبيعي أن يضع الأمر في سياقات أخري ليست أقلّ خطورة، إنْ لم تكن أخطر: النزعة التوسعية التي لم تخمد تماماً في نفوس جنرالات تركيا، تحدوهم في ذلك آمال استعادة الأمجاد الإنكشارية؛ والأمن المائي في أخطاره المزدوجة علي سورية (عن طريق تخفيض كميات المياه عن سورية، وزيادة كميتها في إسرائيل)؛ والمسألة الكردية، التي يمكن أن تضع دمشق في موقع الحلقة الأضعف، وليس الجهة مثيرة الشغب وصاحبة المبادرة والمناورة... ومنذ مؤتمر مدريد، ثم بعدئذ اتفاقات أوسلو ووادي عربة، اعتبرت أنقرة أنها باتت في حلّ من أيّ حرج يخصّ تطوير علاقاتها مع الدولة العبرية، وأنّ العتب العربي والإسلامي رُفع أو ينبغي أن يُرفع. لن نكون ملكيين أكثر من الملك، قال الأتراك ويقولون اليوم أيضاً، وليس للعرب أن يأخذونا بجريرة ما يفعلونه هم أنفسهم: العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية، والتطبيع السياسي والإقتصادي والثقافي والسياحي.
والحقّ أن تلك المحاججة بدت سليمة للوهلة الأولي. ومنذ تفاهم 1996 العسكري التركي ـ الإسرائيلي، وما أعقبه من مناورات عسكرية مشتركة واتفاقات تعاقدية حول أشكال تبادل الخبرات و المعلومات الأمنية وتنسيق الصناعات العسكرية، لاحَ أن هذا الغرام يمكن أن ينقلب إلي زواج في أية لحظة، أي إلي تعاون وثيق لن تكون له تسمية أخري غير الحلف. وعلي خلفية كهذه بالذات يمكن قراءة ردود الأفعال السورية، بل والعربية إجمالاً في الواقع، علي ذلك التفاهم، والتي اتخذت إجمالاً صيغة استنكار وإدانة وشجب تارة، وانزلقت طوراً إلي مستوي إيقاظ مشاعر العداء العتيقة بين العرب والأتراك، أو حتي بين العروبة والطورانية!
وفي الواقع لم يكن ذلك التطوير أقلّ من جهد منهجي منظّم لتشكيل محور عسكري جيو ـ سياسي، له أغراض ثنائية متصلة بالمصالح التركية والإسرائيلية، وله أيضاً أغراض إقليمية أوسع نطاقاً، فضلاً عن أدائه لوظائف استراتيجية دولية عابرة للمنطقة. ولكنه لم يكن، وهو اليوم ليس، صيغة الزواج التي تثير الفزع، والأرجح أنه لن يتحوّل إلي حلف بمعني الحدّ الأدني للمصطلح. ليس في المدي القريب المنظور علي الأقل. والأسباب كثيرة، بينها التالية:
1 ـ إقامة الأحلاف مسألة تقتضي توفّر درجة كافية من التجانس بين أنظمة البلدان المتحالفة، من حيث مؤسساتها السياسية والدستورية والعسكرية، وفي المستوي العقائدي والإيديولوجي الذي يكفل بُنية اجتماعية تحتية من التنسيق. والحال أن المؤسسات السياسية التركية (الأحزاب والقواعد التي تنظّم تبادل السلطة) ليست متجانسة بما يكفي مع المؤسسات السياسية الإسرائيلية. في البلد الأول ثمة موشور تعددي من الأحزاب التي قد تتعارض برامجها في العمق، وفي البلد الثاني يتناوب علي السلطة حزب العمال أو حزب الليكود ضمن هذه الصيغة أو تلك من التحالفات مع الأحزاب الصغيرة، ولكن البرامج العليا تظلّ متشابهة من حــيث الجوهر.
2 ـ أوّل، أو في طليعة مقتضيات الحلف، مسألة النصّ التعاقدي علي مبدأ الدفاع المشترك في حال تعرّض أحد البلدان المتحالفة إلي عدوان، أو انخراطه في حرب. وليس وارداً أن تدخل تركيا في أيّ حرب عربية ـ إسرائيلية (إذا قُدّر لهذه الحرب أن تندلع في أي يوم!)، كما أنه من المستبعد تماماً أن تسارع اسرائيل إلي نجدة تركيا في أيّ نوع من أنواع الحروب. ضدّ من؟ وهل تسمح العقيدة العسكرية الإسرائيلية بخوض حرب غير حدودية؟
3 ـ المجال الحيوي الجيو ـ سياسي الذي تسعي تركيا إلي التحرّك في نطاقه هو المجال الآسيوي الإسلامي والعربي، وذلك رغم سعيها الحثيث للانضمام إلي الإتحاد الأوروبي، أو ربما بسببه تحديداً. ذلك لأنّ تركيا تظلّ العضو الوحيد الخاضع لفترات تمرين و اختبار مطوّلة وابتزازية بعض الشيء، وهذه هي الرسالة المضمرة في التلميح الذي صدر عن رئيس وزراء الدولة العبرية أرييل شارون في أوّل زيارة له إلي إنقرة قبل ثلاثة أعوام، حول إمكان مساعدة تركيا في حلّ مشاكلها.
ولكن لا ريب أيضاً في أنّ المستوي الراهن من تطوير العلاقات التركية ـ الإسرائيلية ينبغي أن يثير القلق ــ وربما القلق العميق ــ لدي الدول العربية أولاً، ولدي دول إسلامية شرق ـ أوسطية مثل إيران بصفة خاصة، ولدي دول أخري مثل قبرص واليونان. ولا ريب أنه ينبغي أن يثير قلق سورية بصفة خاصة، الآن بالذات وأكثر بكثير من تلك الفترة التي شهدت قلق حافظ الأسد العميق: ثمة مخاطر غزو العراق، وآفاق تطوّر العملية السياسية هناك، وانعكاساتها علي دول الجوار، ومستقبل الاحتلال الأمريكي، والمسألة الكردية في سورية؛ وهناك، في الجزء الثاني من المشهد، جهود تركيا الحثيثة للانضمام إلي الاتحاد الأوروبي، وحرصها علي إرضاء الغرب إجمالاً والولايات المتحدة خصوصاً، الأمر الذي يعني الاهتمام بتطوير العلاقات مع الدولة العبرية من باب تحسين الصورة وتقديم وثيقة حسن سلوك.
هل تضع دمشق هذه الاعتبارات في الحسبان، حين تسدل ستاراً حريرياً ورديّ اللون علي علاقاتها مع أنقرة؟ العكس هو الذي لاح في اليومين الماضيين، وذروة المفارقة أنّ الجارة تركيا، التي كانت ذات يوم بؤرة كوابيس ومبعث هواجس وبوّابة أخطار في نظر الأسد الأب، تبدو اليوم في نظر الأسد الإبن وكأنها... نافذة سورية علي العالم!