أوهام المرحلة الجديدة
 

 

بقلم :  طلال عتريسي- النهار

تذهب التقديرات ومن اكثر من اتجاه،  موال لسوريا ومعارضٍ لها، الى ان انسحابا عسكريا سيحصل قريبا من لبنان. وان سبب هذا الانسحاب الذي تم جزء منه بعد صدور القرار 1559 مباشرة هو الضغوط الدولية، الاميركية الفرنسية، لتنفيذ مضمون هذا القرار ولمنع ما يعتبر "تدخلا سورياً في الشأن اللبناني الداخلي".

وهي ليست المرة الاولى التي تتعرض فيها سوريا لضغوط اميركية. فمنذ احتلال العراق تمارس الولايات المتحدة عليها الضغوط من بوابة "التدخل" في الشـأن العراقي (اقفال الحدود، مراقبة تسلل المقاتلين، تأييد العملية السياسية). ومن البوابة الفلسطينية (اقفال مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق، منع قادتها من اطلاق التصريحات او تبني العمليات...).

اي ان القرار 1559 والانسحاب المترتب عنه، لم ينشأ من فراغ، او من "استفاقة دولية"  على السيادة اللبنانية، بل جاء في سياق تلك الضغوط على سوريا لتقليص نفوذها الإقليمي وتأثيرها على ما يحصل في فلسطين  وفي العراق ثم في لبنان.

ومن المستبعد ان يشمل الانسحاب المرتقب منطقة البقاع "خاصرة سوريا الاستراتيجية"، التي لا تستطيع التخلي عن وجود قوات فيها، مثل ما قد تفعل في مناطق لبنانية اخرى كبيروت او الجبل او سواها، ليس لها اي تأثير على امن سوريا الاقليمي. علما بأن اتفاق الطائف نفسه الذي يدعو  الى انسحاب تلك القوات يربط خروجها من البقاع  باتفاق مع الحكومة اللبنانية يستحيل حصوله في المعادلة الداخلية الحالية، اي ان المشهد المقبل في لبنان لن يختفي منه الوجود السوري ولا ما  يستتبعه من نفوذ او تأثير خلافا لما يعتقده البعض (تنفيذا للقرار 1559).

كما ان الولايات المتحدة، وحتى اسرائيل نفسها، غير متحمسة كثيرا لسرعة خروج تلك القوات في الظروف الراهنة (صدرت تصريحات اسرائيلية تؤكد ذلك). فمع الملفات الشائكة في لبنان، من ملف المخيمات وسلاحها، الى "الاصوليات" وخطرها، الى ملف المقاومة وامن الحدود.... الى الملفات الشائكة الاخرى في العراق،  التي يجب الا نتجاهل تأثيراتها، فان المطلوب، بل والممكن بالنسبة إلى واشنطن هو "تحجيم النفوذ السوري".  وليس ازالته تماما.

وهذا يفرض تقليص الرهان على الخارج لملء فراغ ذلك الانسحاب لأن الولايات المتحدة (وحتى الامم المتحدة)  لا تملك البدائل ولا الوسائل لضبط تلك الملفات حتى لو ادعت خلاف ذلك (لاحظ تجربة العراق). ولا يستطيع  اللبنانيون ولا مؤسستهم العسكرية  ذلك بمثل تلك  السهولة التي يتحدث عنها البعض. وهي ملفات يمكن ان تشتد سخونتها في اي لحظة في اطار الضغوط الاقليمية المتبادلة، وتكفي الاشارة الى كلفة إقفال  ملف واحد (مثل ملف المخيمات)  البشرية والسياسية والامنية وانعكاسها على الاستقرار. وهي كلفة لا يستطيع  احد ان يتحملها. لأن الحل لن يكون الا في الاطار السياسي او في اطار التسوية الشاملة في المنطقة.

الا ان بعض اوساط المعارضة اللبنانية يعتقد ان هذا الانسحاب المرتقب سيمهد لعودة اللبنانيين الى ادارة شؤونهم السياسية وغير السياسية، "ادارة ذاتية".

وثمة من ير ى ايضا في هذا الانسحاب تعجيلاً في فصل لبنان عن أزمة المنطقة من دون اية مخاوف على سلمه الاهلي على اساس ان سوريا هي "صلة وصل" للبنان مع تداعيات ما يجري في العراق وما يجري في فلسطين.

واذا كان صحيحاً الى حد بعيد ان الانهيار الداخلي لن يحصل لمجرد انسحاب القوات السورية، وان العودة الى لغة السلاح غير ممكنة بين اللبنانيين لأن مثل ذلك يحتاج اولاً الى "بيئة اقليمية" تنفخ فيه وتشجع عليه. ولا يبدو ان اياً من القوى الاقليمية على استعداد لتحمل اعباء جبهة جديدة الى الجبهات المفتوحة من كل اتجاه.

ولأن اللبنانيين ثانياً لم ينسوا بعد تجربتهم المرة مع الحرب الاهلية التي دخلوها ولما يشفوا من آثارها تماماً بعد. فإن من المبالغة في الوقت نفسه الربط بين هذا الانسحاب واقصاء النفوذ السوري عن تفاصيل الحياة اللبنانية. لأن مثل هذا النفوذ لا يرتبط أصلاً بتلك القوات المنتشرة في بيروت او في الجبل، وان كان يستمد منها "الحماية". بل بطواعية بعض اللبنانيين وبتطوعهم لذلك. وبشبكة من المصالح المتبادلة عبر الحدود.

وهو يرتبط على مستوى آخر اشد اهمية وخطورة، بحجم التدهور في قدرة اللبنانيين على ادارة الاختلاف في ما بينهم، كما يشهد على ذلك "التراشق السياسي" بين الموالاة والمعارضة حول تصوراتهم المتباينة للقرار 1559، وللانسحاب السوري من لبنان، وللملفات الداخلية الاخرى... ولا يبدو في الافق القريب ما يشير الى اي تبدل على هذا الصعيد. بل تزداد المخاوف من استمرار التدهور ومن استمرار التصدع في الحياة السياسية والمشاعر الطائفية، وهو اصلاً تصدع كامن، فـ"يحتاج" آنذاك الى من يرأبه ويعيده الى سيرته الاولى قبل ان ينفلت ويخرج من عقاله. فكيف اذا اضفنا الى ذلك ايضاً حجم الفساد المتفشي في جسد الادارة المليء بالثقوب، الذي يتيح، بل ويبيح الدخول "بالتراضي" الى كل تفاصيله من الداخل والخارج معاً. فأي تماسك وطني سنحصل عليه، واي ادارة ذاتية ستبصر النور لمجرد "الانسحاب" اذا لم نشهد قبل ذلك مقومات توافق حقيقي يرقى الى مستوى الاصلاح المنشود للحد من العناد الذي ينتشر كالسرطان في جسد الادارة اللبنانية؟

اما القول بأن الانسحاب السوري من كل الاراضي اللبنانية، ونزع سلاح المقاومة... سيعجل في فصل لبنان عن ازمة المنطقة ليقرر بنفسه متى يدخل الحرب ومتى يخرج منها، فهو وهم ما بعده وهم (الحرب على من؟ والسلم مع من؟). فمتى سبق للبنان وفعل ذلك بمفرده؟ ومتى كانت الحرب في لبنان او عليه او بواسطته مسألة داخلية بحتة وليست اقليمية او دولية؟ واي قراءة جيوسياسية (واستراتيجية) للبنان تسمح بمثل هذا الاعتقاد؟ وهل ثمة حاجة للعودة الى تاريخه القديم والحديث لنفي ذلك؟ ثم هل فُصل لبنان عن أزمة المنطقة وعن الصراع العربي الاسرائيلي عندما كان يستظل بشعار "قوته في ضعفه" من دون وجود لسوريا او لغير سوريا على اراضيه؟

كما ان تحقق مثل هذا الاعتقاد يفترض ان قطار التسوية الشاملة قادم الينا. لان هذه التسوية الشاملة وحدها، اذا تحققت، هي التي تفصل لبنان عن ازمة المنطقة (التي يفترض ان تنتهي كأزمة) بعد ان تقدم الحلول لملفات اللبنانيين العالقة على ارضهم وعلى حدودهم.

اي ان دخول لبنان في قلب التسوية او حرصه على وجوده فيها (اي وجوده في قلب الصراع) هو الذي سيخرجه منها بعد التسوية الشاملة، وليس الانسحاب السوري هو الذي سيعطي الدولة قرار الحرب وقرار السلم. فاذا لم تتحقق تلك التسوية، ولا يبدو في الافق ما يشير الى التقدم في ذلك، فإن لبنان سيستمر على ارتباطه بأزمة المنطقة وصراعاتها. ولن يفيده في ذلك طرح الملفات التي تثير المزيد من الانقسام الداخلي، ولا تخرجه من النفق الاقليمي الذي يعيش فيه.

ثم مَن قال ان انسحاب سوريا من لبنان، واقفال ملف المقاومة وارسال الجيش الى الحدود، ثم منعها من "التدخل" في الشأن العراقي، وابعادها عن الملف الفلسطيني سيعجل في التسوية الشاملة؟ فهل سيجلس شارون او اي رئيس حكومة اسرائيلي آخر الى طاولة التفاوض مع دولة فقدت كل دور اقليمي؟ وعلى ماذا سيتفاوض معها؟

ومن قال ان سوريا ستقبل بكل تلك البساطة، بالتخلي طوعا، ومن دون اي ممانعة او رد فعل، وعلى كل المستويات، عن ذلك الدور لمجرد مطالبة البعض بذلك، او لمجرد التهديد بالعقوبات؟ الا نشهد لها مثل تلك "المراوغة" في العراق وحتى في فلسطين، بالتكيف تارة مع الضغوط الاميركية، وبالتملص منها تارة اخرى؟

ان الاعتقاد بأن مجرد الانسحاب هو الترياق الذي سيعجل في شفاء كل امراض الجسد اللبناني الداخلية والاقليمية، هو مبالغة لا يقصد منها ان الانسحاب وعدمه سيان. بل نراه مطلوبا اذا كان يطمئن اللبنانيين، ويخفف ذرائع الضغوط عن سوريا، ولكن في حدود اعادة الانتشار الى البقاع في الاطار الدفاعي ضد اسرائيل طالما الصراع مستمر على حاله.

اما الخشية فهي من اعتبار الانسحاب انتصارا لخطة اخراج لبنان من الصراع بالاعتماد على القوى الدولية، يليها اخراج المقاومة من المعادلة في المرحلة التالية للتعجيل في عملية التسوية من البوابة اللبنانية، لان مثل هذا الاعتقاد هو مغامرة حقيقية تهدد التماسك الوطني (الهش) وتشرع ابواب الداخل على كل الاحتمالات. وفي مقابل ذلك ان اي مشهد "وقائي" لما بعد الانسحاب يريد ان ينطلق من "مصلحة اللبنانيين اولا" ويجنبهم المزيد من الانقسام عليه بمواجهة "غول" الفساد الذي يتيح التدخل لمن يشاء في كل التفاصيل الادارية وحتى السياسية، والذي يكاد يلتهم كل شيء حتى المسألتين "الوطنية والقومية". ثم في وضع قانون عادل غير استنسابي للانتخابات. وفي تحسين ظروف عيش الفلسطينيين في المخيمات.

ويفترض هذا المشهد تأكيد ارتباط لبنان بالصراع (وبالتسوية) في المنطقة مع سوريا وبالمقاومة (كمصدر قوة لا كمصدر تهديد)، وبالتخلي عن وهم التملص من هذا الارتباط بالتدخل الدولي... لان اكثر ما نطمح اليه في المرحلة المقبلة هو درهم من الوقاية خشية المزيد من التدهور.

مدير معهد العلوم الاجتماعية

(الجامعة اللبنانية الفرع الاول)