ثقافة الضجيج هي المشكلة....

فهمي هويدي....السفير

عجزت عن العثور على تفسير مقنع لهذا الذي يحدث للمساجد هذه الأيام، وأخشى أن تستمر حيرتنا إزاءه طويلاً، الامر الذي يفتح الباب دون مبرر للبلبلة وسوء الظن، وفينا منهما ما يكفينا.
خذ مثلاً حكاية توحيد الأذان في المساجد، بدءاً بمدينة القاهرة. وهو المشروع الذي أطل علينا دون مقدمات، فأثار لغطاً تترددت أصداؤه في داخل مصر وخارجها. اذ في حين هلل له البعض بحسبانه إنجازاً على صعيد >>الاصلاح الديني>>، فإن كثيرين، الاغلبية في ما أتصور، استقبلوا الفكرة بانطباعات تراوحت بين الحذر والتوجس والاتهام.
لست أخفي أن طرح الفكرة كان مفاجئاً بالنسبة لي. اذ رغم انني أزعم انشغالاً ومتابعة لمسيرة الخطاب الديني خلال العقود الثلاثة الاخيرة على الاقل، فإنني ما تصورت أن يصبح توحيد الأذان في المساجد أمراً له علاقة بتطوير ذلك الخطاب أو تجديده. وعلى كثرة ما حضرت من ملتقيات ومؤتمرات في هذا الصدد، فلم يحدث ولو مرة واحدة أن أثير الموضوع باعتباره مشكلة في مجتمعات المسلمين تحتاج الى حل، ناهيك ان تتطلب تدخل سلطة الدولة بكل جلالها وهيلمانها.
نعم، قرأت على سبيل التندُّر ان بعض السياح الاجانب استكثروا مسألة رفع الأذان خمس مرات في اليوم الواحد، وتساءلوا: لماذا لا يكون ذلك مرة واحدة؟ وعذرتهم في ما قالوا. ووقعت على كتابات اخرى لبعض المثقفين في مصر خاصة، ممن عبروا عن استيائهم من الازعاج الذي يسببه لهم رفع الأذان من خلال مكبرات الصوت، خصوصاً حين يكون المؤذنون من أصحاب الاصوات النشاز. وهي ظاهرة أعاني منها شخصياً، بسبب وجود مسجد صغير تحت البناية التي أسكنها، تخصص في الاستعانة ببعض الاصوات المنفرة، واعتبر المشرفون عليه ان الأذان والصلوات لا تصح، ولا تقبل عند الله، إلا اذا تمت من خلال رفع صوت الميكرفون عند الحد الاقصى. وقد فشلت في إقناعهم بأن أبواب السماء تفتح للهامسين، وأن بلوغ تلك الابواب لا يحتاج الى مكبر للصوت. كما انهم أشاحوا وجوههم حين قلت إن الاسلام انتشر في أصقاع الارض بغير ميكروفون. واذ لاحظت ان المشرفين على المسجد أناس محترمون من ذوي المكانة الاجتماعية المعتبرة، فقد اعتبرت أن مسألة رفع الأذان والتلاوة في الصلاة من خلال مكبر الصوت هي مسألة اجتماعية وليست دينية. بمعنى انها من تجليات <<ثقافة الضجيج>> السائدة في مصر، حيث لا أحد يؤدي ما عليه في هدوء وصمت، بل كل يصيح ويصرخ ما وسعه الصوت. فالمسؤولون يطنطنون بإنجازاتهم من خلال وسائل الاعلام طول الوقت، والمثقفون يصيحون من فوق المنابر التي اعتلوها. والفنانون والموسيقيون يملأون الدنيا زعيقاً في الملاهي والافراح وحفلات طهور العيال، وسائقو التاكسي وراكبو الدراجات وأصحاب المقاهي يثبتون حضورهم في المجتمع من خلال التنافس على رفع أصوات الراديو وأجهزة التسجيل. ولان المتدينين جزء من هذا المجتمع وليسوا آتين من كوكب آخر، فقد أثبتوا حضورهم في الساحة من خلال تعلية مكبرات الصوت، وبرهنوا على انهم ليسوا أقل شأناً من غيرهم.
وأنا أسوّغ لنفسي تمرير المسألة، اعتبرت أن رفع الأذان من خلال مكبر الصوت أهون وأخف وطأة من غيره. على الاقل لان الأذان للصلوات الخمس لا يستغرق أكثر من عشرين دقيقة في اليوم كله، في حين أن حفلات الضجيج الاخرى تستمر طوال النهار. واذا كنا بصدد ملهى أو عرس، فالضجيج فيهما يمكن أن يستمر الى الساعات الاولى من صباح اليوم التالي.
لست أشك في أن بعض الذين انتقدوا رفع الأذان من خلال مكبر الصوت فعلوها بحسن نية، وربما كانوا محقين في شكواهم. لكني أيضاً لا أستطيع أن أتجاهل أن بين الناقدين أناس تضيق صدورهم بالأذان والصلوات، ويعتبرونها من قبيل التزمت و<<الاصولية>>، وربما طربوا لما تبثه المكبرات الصادرة عن الملاهي والافراح وأعياد الميلاد. وهم الذين قال عنهم القرآن انه اذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم. مع ذلك فإنني لم آخذ مثل هذه الانتقادات على محمل الجد، واعتبرتها من قبيل المناوشات وعمليات التراشق الاعلامي والدعائي التي يتعرض لها المتدينون كما تتعرض لها الشعائر والطقوس في ظروف الرياح غير المؤاتية. ولكن حين ترجم ذلك الطنين والتناوش الى مشروع أيدته المراجع الدينية الرسمية (الاوقاف والازهر ومجمع البحوث)، فلم يعد هناك مبرر لتمرير الامر وغض الطرف عنه. ومن ثم حان أوان الكلام الجاد في الموضوع.
يفيدنا لا ريب أن نقوم بتحرير الموضوع اولاً، لكي نعرف عن أي شيء نتحدث. وقد وجدت أن ذلك أمر ضروري، بعد الذي قرأته للبعض، ممن استخفوا بمسألة الأذان وقللوا من شأنه، حتى ادعوا أن أي تسجيل بصوت رخيم لم يقترحوا صوت نانسي عجرم يمكن أن يطرب المتدينين ويرطب جوانحهم، ويجذب الناس الى الصلاة في المساجد. ومنهم من قال إن المؤذن ليس إلا مذيعاً لنشرة أخبار الصلوات على مدار اليوم، حيث لا يتجاوز دوره إعلام الناس بدخول الوقت.
الامر ليس كذلك عند أهل العلم، فالأذان عبارة عن شعيرة من شعائر الصلاة، صحيح انه إخبار بدخول الوقت، لكنه عبادة وقربة الى الله أيضاً. وفي الاحاديث النبوية: لو يعلم الناس ما في النداء (الأذان) والصف الاول (من الاجر والثواب)، ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه (يقترعوا) لاستهموا و.. المؤذن يستغفر له كل رطب ويابس، ويغفر له مدى صوته و.. المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة. وثمة حديث آخر يقول ما معناه: لو كان أحدكم في جبل وليس معه سوى غنمه، ولا يسمع صوته أحد، لوجب عليه أن يؤذن وأن يقيم الصلاة.
الامر اذن لا ينبغي الاقلال من شأنه أو الاستهانة به. وحكاية الاكتفاء ببثه من خلال التسجيل ليست مقبولة بأي حال. وقد أحس الذين طرحوا المشروع الذي نحن بصدده، حين ذكروا ان الأذان <<المركزي>> سيكون حياً، وسيتم بواسطة ثلاثة من المؤذنين من ذوي الاصوات الجيدة، يتردد أذانهم في مختلف مساجد العاصمة، من خلال شبكة اتصال خاصة. وحين سألت مفتي مصر، الدكتور علي جمعة، عما اذا كان ذلك سيلغي وظيفة المؤذنين في المساجد (للعلم في القاهرة وحدها 35 ألف مسجد) فإنه أجاب بالنفي، وقال إن المؤذن سيتولى إقامة الصلاة، وله ان يؤذن للصلاة قبل ذلك ان شاء، ولكن دون استخدام مكبر الصوت. وقرأت في <<الاهرام>> تصريحاً بنفس المعنى لوزير الاوقاف الدكتور محمود زقزوق، الامر الذي خفف بصورة نسبية من حجم البلبلة والالتباس الذي شاع في أوساط المعنيين بالامر.
ثمة خبرات محدودة عالجت مسألة الأذان بصور مختلفة. فالفكرة المطروحة في مصر طبقت في الاردن منذ ثلاثة عقود تقريباً، حين كان الدكتور عبد العزيز الخياط وزيراً للاوقاف. وأغلب الظن ان الصغر النسبي لحجم الاردن، وبالتالي لعدد المساجد فيه، ساعد على إنجاحها. (سكان الاردن حوالى أربعة ملايين نسمة، أي ربع سكان مدينة القاهرة). في تركيا عولج الامر بصورة مغايرة، حيث لا يسمح باستخدام مكبرات الصوت خارج المساجد، ثم ان المؤذنين يخضعون لدورات ومسابقات تنظمها إدارة الشؤون الدينية بالحكومة، بحيث يتم انتقاء أفضل الاصوات لرفع الأذان.
في التجربة الاسلامية المبكرة لم يكن تعدد المؤذنين مألوفاً. وقد ذكر المقريزي في خططه (ج3 ص151) ان المساجد بالمدينة كانت تسعة، غير مسجد رسول الله، كلهم يصلون بأذان بلال رضي الله عنه. وللجنة الفتوى بالازهر رأي في الموضوع نشر بمجلة الازهر عام 1939م (المجلد العاشر ص 445)، أشار الى ان أذان الجمعة على عهد رسول الله كان واحداً. ولما كثر المسلمون في المدينة وتباعدت دورهم زاد سيدنا عثمان أذاناً آخر، وجعله في موقع بطرف المدينة يدعى <<الزوراء>>، وقد أقره الصحابة على ذلك.
لعلك لاحظت انني قلت ان المعلومات التي توفرت عن المشروع الجديد خففت من البلبلة بصورة <<نسبية>>، الأمر الذي يعني أنها لم تبددها تماماً، ذلك ان ملابسات إطلاق الفكرة اثارت مخاوف كثيرين من أهل العلم وغيرهم من الغيورين على الشأن الديني. وقد سمعت من أكثر من واحد من العلماء قولهم: غدا يوحّدون الخطبة في المساجد، ومن يدري فلربما فوجئنا بعد غد بمشروع يدعو الى إبطال صلاة الجمعة في المساجد لمنع التجمهر، والاكتفاء بالصلاة خلف المذياع!
والأمر كذلك فلعلي لا أبالغ اذا قلت إن فكرة توحيد الأذان جانبها التوفيق من جوانب عدة. واذا سألتني لماذا، فعندي في ذلك عدة أسباب هي:
ان الفكرة طرحت وسط ظروف يشيع فيها الحديث عن تدخلات وضغوط أميركية، استهدفت محاصرة النشاط الديني، وإضعاف حالة التدين في العالم الاسلامي. من خلال التدخل في مناهج التعليم وبسط هيمنة الحكومات على المدارس الدينية وتصفية الانشطة الاسلامية، حتى ما تعلق منها بأعمال البر والاغاثة وهذا المناخ دفع البعض عن التساؤل عما اذا كان المشروع جزءاً من هذه الترتيبات ام لا وهم معذرون في ذلك لا ريب.
ان التدخلات الحكومية في شؤون المساجد التي يفترض أنها من أهم مؤسسات <<المجتمع المدني>>، تعددت بصورة مقلقة. فمن فرض إشراف الحكومة عليها، واشتراط حصول الخطيب على رخصة خاصة، الى الامر بإغلاق المساجد بعد كل صلاة، بحيث لا تفتح إلا مع اقتراب موعد الصلاة التالية، الى تقرير مساجد بذاتها تقام فيها التراويح بقراءة جزء من القرآن كل يوم. ثم التدخل في تحديد مواعيد التهجد (في مسجد محمود بحي المهندسين في الجيزة كان المصلون يذهبون الى بيوتهم بعد التراويح للنوم لبعض الوقت، ثم يعودون للتهجد من الثانية الى الثالثة صباحاً، وبعده يتناولون السحور ثم يؤدون صلاة الفجر، ولكن التعليمات صدرت بتعديل موعد التهجد بحيث يصبح من منتصف الليل الساعة 12 الى الواحدة والنصف).
لم يقف الامر عند التدخل في مواعيد التهجد، بل شمل أيضاً عملية الاعتكاف بالمساجد في الايام العشرة الاخيرة من رمضان، التي منعت في أغلب المساجد، وأخضعت لضوابط ورقابة مشددة في مساجد اخرى. واخيراً ها هي الحكومة تتدخل في مسألة الأذان.
ان هذه التدخلات تمثل ضغوطاً شديدة على المساجد، تثير الحيرة والبلبلة لدى المترددين عليها، ناهيك عن انها تقحم الحكومة في ما ليس من شأنها، وتحملها ما لا تحتمل، حيث تذهب بعيداً في تأميم المساجد في حين تسرع خطط خصخصة المشروعات الاقتصادية. وهذه الحيرة تتضاعف حين تقارن الضغوط التي تتعرض لها المساجد، مع الحريات الواسعة التي تتمتع بها <<الخيام الرمضانية>>، الحافلة بفقرات اللهو المباح وغير المباح، الامر الذي يدعو كثيرين الى التساؤل: من أولى بالمراقبة والرصد والتضييق؟
ان موضوع الازعاج الذي تسببه مكبرات الصوت المعلقة في المساجد، هو نوع من السلوك الاجتماعي الذي لا يعالج بإجراءات السلطة ومراسيمها. ناهيك عن ان الحل المطروح يستحيل عملياً الالتزام بتنفيذه في 35 ألف مسجد بالقاهرة وحدها. اذ كيف ستتمكن وزارة الاوقاف من متابعة حالة الأذان في ذلك العدد الكبير من المساجد، وهي العاجزة عن توفير أئمة وخطباء لها.
ان التصدي الجاد لمشكلات المسجد، لا يدرج مسألة الأذان أو مكبرات الصوت ضمن الاولويات، بل يشير مباشرة الى الخطاب الموجه داخل المسجد من خلال ما يلقى فيه من دروس وخطب، والى دوره المفترض كمصدر للاشعاع الثقافي والحضاري وإذكاء الوعي الديني. أما القفز فوق هذه الامور وتسليط الضوء على مسألة الأذان وإشغال الناس بها، فهو يعد نوعاً من التبسيط والتسطيح، وتقديم المسائل الجانبية والفرعية على المهام الرئيسية والكلية.
هل المشروع ضد الأذان في المساجد ام انه ضد الضجيج في المجتمع المصري؟
لست أشك في انه ليس <<ضد>> الأذان، ولكن حين يكون التركيز على ما يحدثه الأذان من جلبة وضوضاء في المجتمع، ثم يتم السكوت على مصادر الضوضاء الاخرى، فإننا نصبح بإزاء مصدر آخر للبلبلة والتخوف. اذ من حق أي أحد أن يتساءل: لماذا يمنع استخدام مكبر الصوت في المساجد، في حين يسمح به في الملاهي الليلية والافراح ومختلف المناسبات الاجتماعية الأخرى، علماً بأن الاصوات النشاز في تلك المجالات الاخرى لا تقل عنها بين المؤذنين؟
إننا اذا اعتبرنا ان استخدام مكبرات الصوت بطريقة عشوائية في المساجد بحسبانه أحد مصادر <<التلوث السمعي>> في المجتمع، فلماذا لا تكون المواجهة مع الظاهرة كلها، وليس مع شق منها فقط؟ ورغم ان الضجيج السائد يعكس ثقافة عامة في المجتمع، يتطلب علاجها جهداً ثقافياً وحضارياً مضاداً، إلا انه اذا كان لا بد من إجراء حكومي في هذا الصدد، فلماذا لا يكون حظر مكبرات الصوت شاملاً. أعني لماذا لا يمنع تركيب سماعات تلك المكبرات خارج حدود الاماكن التي تستخدمها؛ بصرف النظر عما اذا كان المكان مسجداً أو ملهى ليلياً أو منشأة سكنية.
أما المفاجأة التي أدهشتني وأنا أتحرى هذه النقطة، فهي أن ثمة قانوناً صادراً في مصر منذ عام 49 خاصاً بتنظيم مكبرات الصوت، أدخلت عليه عدة تعديلات آخرها سنة 82، أي منذ 22 عاماً. وهو ينص على حظر استعمال مكبرات الصوت إلا بترخيص، ويشترط لاستخدامها ان يتم ذلك داخل مكان مغلق، وألا يسبب إزعاجاً للآخرين. كما ينص على توقيع عقوبة الغرامة على المخالفين، مع مصادرة الاجهزة. أي ان إمكانية التدخل الإجرائي متوفرة بين أيدينا، ولا ينقصها سوى شيء واحد هو: حكومة تتولى التنفيذ!
وهو اكتشاف لا يملك المرء إزاءه إلا ان ينفجر ضاحكاً، ولكنه ضحك كالبكاء!
(
) كاتب مصري